ليست “بيت فوريك” البلدة الجميلة الواقعة شرق مدينة نابلس، ولا البلدات المجاورة، بأسماء جديدة على النضال الوطني الفلسطيني المعاصر؛ فالرئيس الشهيد ياسر عرفات اتخذ منها مركزاً لقيادته حين تسلّل إلى الضفة الغربية بعد احتلالها عام 1967، وفيها خاضت المقاومة الفلسطينية بقيادة (فتح) واحدة من أشرس معاركها ضد قوات الاحتلال بعد معركة الكرامة، فكانت معركة “الصوانة (22/04/1968)” في (بيت فوريك) بعد شهر على تلك المعركة الأسطورية (22/03/1968)، كما كانت معركتا “الدويجات” و”خلة طانة” عامي 1969، 1970، من أهم معارك المواجهة مع الخصم، وقد قدمت (بيت فوريك) العشرات من أبنائها شهداء في انتفاضة الحجارة.
وفيما كان “العلم الفلسطيني” يرتفع فوق مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وفيما كان الرئيس الفلسطيني يُعلن تحلّل السلطة من كل الالتزامات والاتفاقات مع الجانب الإسرائيلي ما دام هو الآخر مُتحللاّ منها، كانت (بيت فوريك) تشهد عملية نوعية، كما وصفها أحد الجنرالات الاسرائيليين؛ حيث تم استهداف أحد كبار ضباط الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية وزوجته المعروفة بنشاطها في إطار عصابة “تدفيع الثمن” التي وقفت وراء العديد من عمليات القتل والحرق والتدمير في الضفة الغربية بما فيها جريمة حرق عائلة دوابشة التي استُشهد فيها الطفل والأم والأب.
وحصار نابلس اليوم، ومحاولة اقتحام أحيائها الداخلية، واستباحة المستوطنين لبلدات (بيت فوريك)، وحوارة، وبيت دجن، وبورين، وقرى الخليل ورام الله، وقطع الطرقات بين المدن الفلسطينية، لن يُغيّر في الصورة شيئاً، تماماً كما لم تُغير سنوات الحصار والتهويد والاقتحامات شيئاً في عزيمة المرابطين والمرابطات في أكناف الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي تصميم المدافعين عن عروبة القدس وكل مدن فلسطين..
يسألني كثيرون: ولكن أين الأمة العربية، أين المسلمون لا يتحركون، أين أصبحت مسيراتهم المليونية ومبادراتهم المضيئة.. ولهؤلاء أقول: إن كل تحرك جماهيري ضخم، وكل مبادرة نوعية مميّزة، كانا يتمان في ظل تلاقي تيارات الأمة الرئيسية، القومي المنفتح والاسلامي المستنير واليساري العروبي، والليبرالي الوطني، وإن ما أصاب هذا التلاقي من خلل ووهن بسبب حسابات خاطئة، ومراهنات خائبة، وعصبيات متوترة، قد أفقد شارعنا أُطر التحرك وصيغ المبادرات، بل ربما كان ضرب التلاقي بين التيارات هو أحد دوافع المخططين لانزلاق ما يُسمى “بالربيع العربي” إلى ما وصلنا إليه في بعض الأقطار هو من تدمير لأواصر التلاقي، ووشائج التفاعل بين تيارات الأمة…
ثم إن كل ما يُصيب الأمة من بلاء هذه الأيام يكمن في أحد أسبابه الرئيسية رغبة البعض في منعها من القيام بواجباتها تجاه فلسطين!
ألم يدفع العراق ثمن التزامه التاريخي بفلسطين حتى جاءه الاحتلال الأمريكي بقرار اسرائيلي..!؟ ألا تدفع سوريا اليوم ثمن وقفتها التاريخية منذ نكبة 1948 دفاعاً عن فلسطين واحتضاناً لكل مقاومة بوجه الخصم..!؟ ألا يدفع جيش مصر، جيش أكتوبر (الذي نستعيد ذكرى حربه المجيدة هذه الأيام) ثمن تصديه، مع شعبه، للمشروع الاسرائيلي..!؟ أليس ما تدفعه ليبيا عمر المختار هو ثمن مواقف شعبها الشجاعة ضد كل مشاريع الاستعمار..!؟ ثم أليس ما تدفعه اليمن وشعبها العظيم من دماء ودمار هو ثمن لوقفة هذا الشعب منذ قيام اسرائيل إلى جانب فلسطين في كل الظروف، فيخرج قبل أيام عشرات الآلاف من أبنائه في صنعاء ومدنه الأخرى تضامناً مع الأقصى والقدس رغم قصف الطائرات وشراسة العدوان…!!؟؟
والجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، ألم تدفع غالياً وعلى مدى عشر سنوات ثمن التزامها الأصيل بقضية فلسطين وإيمان شعبها أن استقلال الجزائر لا يكتمل إلا باستقلال فلسطين..!؟ والبحرين وحركتها الوطنية ألا تدفع اليوم ثمن مواقف أبنائها الداعمة دائماً للقضية والمقاومة والتي أثبتت عروبتها يوم خرج البحرينيون منتفضين انتصاراً لجمال عبد الناصر ومصر في مواجهة العدوان الإسرائيلي – البريطاني -الفرنسي عام 1956….. وهو عدوان ما زال مسـتمراً على أمتنا وأصبح رباعياً بعد أن انضمت واشـنطن إليه وباتت قيادتـه..!!؟؟
طبعاً، لا يكفي أن نعزو كل ما يجري في بلادنا إلى سبب واحد هو الوجود الاسرائيلي، ففي بنانا السياسية وعلاقته الاجتماعية من الخلل والتشوهات والاستبداد ما مكّن، ويُمكّن، أعداءنا من النفاذ منها، وكل نكسة أو مأساة أو محنة عشناها اجتمعت فيه المؤامرة الخارجية مع الثغرات الداخلية.
إن مواكبة ما يجري في فلسطين لا ينحصر في المقالات والبيانات (رغم إننا بتنا نشكو من شح حتى في البيانات والمقالات) بل أيضا في برنامج يتلخص بعدة أمور:
١- قيام الجميع، لا سيما أبناء التيارات الرئيسية في الأمة، بمراجعة تجاربهم وتحليلاتهم وتقديراتهم وعودتهم إلى رحاب التلاقي الذي هو قوة للتحرير، وآلية للتغيير، ومرتكز حقيقي للديمقراطية التي هي نقيض الإقصاء.
٢ – قيام القيادات الفلسطينية بتجاوز حال الانقسام الراهنة ولها من الاتفاقات والنصوص والتوافقات ما يكفي لإطلاق مرحلة جديدة في النضال الوطني الفلسطيني إذا أحسن الالتزام بها…
٣ – عقد قمة مصالحة عربية وإسلامية تُخرج الإقليم كله من حال التوتر الدموي والتأزم السياسي القائمة حالياً، وتُعيد تحصين الأمة من كل عدوان أو تدخل خارجي.
٤ – انطلاق مبادرات شعبية عربية ودولية من أجل إحكام العُزلة على الجانب الاسرائيلي، وقد بدأ يتلمس مخاطر هذه العُزلة، ومن أجل إنفاذ العدالة لفلسطين، كل فلسطين.
صحيفة القدس





