الاخبارشؤون عربية ودولية

الزوايا المتصدّعة في المشهد اليمني

8e1ea89a-0683-45f8-9115-5fc5585a2861

يصل الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى مدينة عدن هارباً من صنعاء. فور وصوله سيتراجع عن استقالته التي كان تقدّم بها هو وحكومته قبل شهر، تحديداً يوم 22 كانون الثاني العام 2015. قبل الاستقالة والتراجع عنها، وافقت الحكومة اليمنيّة على المضيّ قُدماً في اتّفاق «السلم والشراكة»، الموقّع في 21 أيلول 2014 بين الأفرقاء اليمنيّين، على أن يكون حجر الزاوية في أيّ عمليّة سياسيّة مُقبلة.
مُستنداً إلى دعمِ دول مجلس التعاون الخليجي، نقل هادي نفوذه إلى «عاصمته المؤقتة»: عدن، حيث سيُدير شؤون البلاد من مدينة يفتقد لأيّ شعبيّة أو أهليّة فيها. انتقلت الممثّليات والسفارات سريعاً إلى «العاصمة الثانية» لإلباسها حلّة «الشرعيّة»، بعيداً عن «عاصمة الانقلاب» الواقعة تحت سيطرة «أنصار الله» منذ أيلول 2014. بات هناك مركزَا نفوذ وسيناريوهات عدّة، لعلّ الحرب كانت الأكثر استبعاداً من بينها.
نقطة التحوّل الأبرز في المشهد اليمني، كانت ظهور تنظيم «داعش» عبر تبنّيه خمسة تفجيرات استهدفت ثلاثة مساجد في صنعاء وصعدة، وقتلت المئات. يومها قرّرت الحركة الحوثيّة التي شكّلت تحالفاً مع الجيش اليمني الموالي للرئيس السابق علي عبد الله صالح، التقدّم للسيطرة على مزيد من المساحات مقتربة من عدن، في ظلّ تمدّد المجموعات التكفيريّة. تلك التطورات دفعت هادي إلى الدعوة لتدويل الأزمة تحت الفصل السابع لوقف «العدوان الحوثي»، مستغيثاً بـ «قوات درع الجزيرة» للدفاع عن «شرعيته».
في آخر اجتماع لمجلس الأمن الدولي قبل أيّام على بدء «عاصفة الحزم»، قال المبعوث الأمميّ السابق إلى اليمن، جمال بن عمر ـ استبعدته السعودية لاحقاً ليحل محلّه اسماعيل ولد الشيخ أحمد ـ إنَّ «أيّ جانب يريد دفع البلاد في أيّ من الاتّجاهين، سيتسبّب في صراع ممتدّ في سياق سيناريو مجمع للعراق وليبيا وسوريا».
ظلّت الخيارات مفتوحة أمام دول الخليج، التي أكّدت في أعقاب المناورة العسكريّة التي أجراها الحوثيون يوم 12 آذار 2015 في صعدة، أنّ «لديها من الإمكانات والإجراءات ما يكفي للدفاع عن مصالحها وأمن حدودها.. ولدى مجلس التعاون الخليجي القدرة الكافية على حماية أراضيه وسيادته».
لاحقاً في 23 من الشهر ذاته، بدأت السعودية تستدرك التطورات المتسارعة، ما استوجب إعلاناً واضحاً على لسان وزير خارجيّتها سعود الفيصل الذي أكَّد أنَّ بلاده ستتّخذ الإجراءات اللازمة لحماية المنطقة من «عدوان جماعة الحوثي»، في حال عدم وجود حلّ سلمي للفوضى في اليمن، باعتبار أنّه «لا حلّ.. إلّا برفض الانقلاب». اعتبر الفيصل أنّ «أمن اليمن وأمن دول مجلس التعاون كلٌّ لا يتجزأ»، مع التشديد على أنَّ «انقلاب الحوثي يهدّد أمن واستقرار اليمن والمنطقة والعالم».
هذا المسار لا يمكن فصله عمّا يبدو عليه شكل الأزمة اليوم. وبرغم استبعاد سيناريو الحرب، إلَّا أنَّ البعض ظلّ يراها خياراً أكيداً ووحيداً أمام السعودية، ليس كرمى لعيون عبد ربه منصور هادي، وإنّما محاولة لتثبيت نهج سعوديّ جديد في المنطقة بدأ مع تولي الملك سلمان الحكم في كانون الثاني العام 2015، يقول بأهميّة المبادرة لتثبيت دور المملكة الإقليمي في مواجهة إيران.
ليل 26 آذار 2015، بدأت السعودية على رأس تحالفٍ عسكريّ من تسع دول، حرباً تتجاوز فكرة «درء الخطر» الحوثي، و «دعم الشرعية» التي يمثّلها، بحسب الخليجيين، عبد ربه هادي منصور.
مراحل الحرب
تكاد تمر سنة على بدء تلك الحرب المدعومة خصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في حين لا تلوح في الأفق أيّ بوادر لنهايةٍ قريبة لها. آلاف الضحايا المدنيين في بلد مُحاصَر جواً وبراً وبحراً، يحتاج أكثر من 80 في المئة من سكانه إلى مساعدات إنسانيّة، وفق أرقام الأمم المتحدة.
تقول «مجموعة الأزمات الدوليّة»، في أحدث تقاريرها عن اليمن بعنوان «هل السلام ممكن؟»، إنَّ للدول الثلاث تحفّظات على الصراع، ومخاوف حيال المدّة المحتملة لاستمراره وتبعاته، خصوصاً الأزمة الإنسانية شبه الكارثية، والانتشار الذي يصعب ضبطه للمجموعات «الجهادية»، مثل الفرع اليمني لكلٍّ من «القاعدة» و«داعش».
«إذا كان الحوثيون هم من بدأ الصراع، فإن السعوديّة صعّدت الأزمة»، وفق المجموعة التي تشير إلى «حسابات محليّة وإقليميّة»، إلى جانب دعم عربي ودولي، شجّعت السعودية على شنّ حربها التي اختصرت أهدافها بـ«دحر الحوثيين وإعادة حكومة عبد ربه منصور هادي».
جاءت الحرب في ظلّ تحوّلات أرسَتها المملكة في الشهر الذي أعقب «عاصفة الحزم»، عبر تغييرات جوهريّة رسّخت سلطة ابن الملك، محمد بن سلمان في موقع الحكم، ليتولّى إلى جانب وزارة الدفاع، منصب نائب وليّ العهد، ويصبح «وجه الحرب» الأبرز.
يُمكن تقسيم الحرب إلى مراحل ثلاث بحسب التقرير، تبدأ الأولى من آذار وحتى حزيران 2015. تمكّنت «أنصار الله» خلال هذه الفترة من السيطرة على كامل البلاد، فيما انتزع تنظيم «القاعدة»، في نيسان من العام ذاته، السيطرة على مدينة المُكلّا، مركز محافظة حضرموت في الشرق اليمني، ذلك إلى جانب توسّع نفوذ «داعش»، إذ كسب التنظيمان تحالفات جديدة، بينما كانت السعودية مشغولة بقصف الحوثيين، مستبعدةً من قائمة أولويّاتها محاربة التنظيمات الإرهابيّة، وفق ما أعلن المتحدث باسم «التحالف» أحمد عسيري.
بُعيد فشل الجولة الأولى من المفاوضات ـ غير المباشرة ـ برعاية الأمم المتحدة منتصف حزيران 2015، دخلت الحرب مرحلتها الثانية في تموز من العام الماضي، عندما قرّرت الإمارات شنّ عمليّة بريّة لاستعادة مدينة عدن، لتنجح بعد فترة من السيطرة على كامل مناطق الجنوب، بالتعاون مع مقاتلين سلّحتهم السعوديّة ودرّبتهم.
لاحقاً في كانون الأول الماضي، وأثناء الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين الأطراف اليمنيّين في سويسرا، تمكّن التحالف من تحقيق خرق في محافظتي الجوف وحجة (شمال)، مواصلاً قصف المناطق اليمنيّة برغم الهدنة التي أعلنها، إلَّا أنَّها بقيت نظريّة.
بموجب الخروق السعودية المتكرّرة، دشّن الجيش اليمني و «أنصار الله» مرحلةً جديدة من الردّ عبر التوغل إلى داخل أراضي الجنوب السعودي، فضلاً عن إطلاق عدّة صواريخ على جيزان ونجران وعسير. استثمرت السعودية المبادرة بالهجوم لمصلحتها، معتبرةً أنَّ خرق حدودها يضفي «شرعيّة إضافيّة» على حملتها العسكريّة، وأنَّها لن تتوقّف حتى «تحقيق نصر عسكري واضح».
كيف تنتهي الحرب؟
تفنّد المجموعة أبرز «النقاط» لإنهاء الحرب، إذ من الضروري أن تكون عبر «مفاوضات تفضي إلى تسوية مؤقتة تشمل ترتيبات أمنيّة تضمن انسحاب الميليشيات من المدن، والعودة إلى العمليّة السياسية تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2216 والاتفاق على قيادة انتقاليّة»، مع إقرارها بأنّ التوصل إلى اتّفاق سيستغرق وقتاً «وهو ترف لا يملكه اليمنيون»، إلَّا أنَّ الأولوية «يجب أن تُعطى للتوصل إلى اتّفاق حول إيصال المساعدات الإنسانيّة والسلع التجارية للمناطق المحاصرة التي تمزّقها الحرب».
بعد حوالي سنة من المعارك، لم يقترب أيّ من الطرفين من تحقيق نصر عسكري حاسم، ففي حين يتمركز الجيش و«اللجان الشعبية» في المرتفعات الشماليّة الزيدية، يتمتّع «التحالف» وحلفاؤه بنفوذ في المناطق الشافعية، في الجنوب والشرق.
يعطي التقرير مثالاً عن استعادة «التحالف» مناطق الجنوب اليمني، حيث «اندفع طيف من المجموعات المسلحة، بما في ذلك القاعدة (وداعش) والانفصاليين الجنوبيين»، للحلول مكان الجيش و«أنصار الله». وفي حال نجح «التحالف» في الاستيلاء على مناطق إضافيّة في الشمال، وهو ما يبدو مصمّماً على فعله، «من المرجّح أن تكون النتيجة معركة دمويّة طويلة الأمد، تؤدّي إلى المزيد من الفوضى والتشظّي».
وفي حين لم يشعر أيّ من الطرفين بعد بأنّه مهزوم أو مستنزف ويعمل كلاهما على تحقيق مكاسب عسكريّة إضافيّة، «فإنَّ التزام الطرفين بمحادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة سيبقى فاتراً»، هذا إضافة إلى أنَّ «بنية المحادثات فيها إشكاليّة أيضاً، بسبب غياب السعودية عنها، برغم أنّها أحد الأطراف المحوريّة في القتال».
يمكن لاحتمالات التوصّل إلى اتّفاق لوقف إطلاق النار وإجراء محادثات يمنيّة أن تثمر: «إذا أُجريت محادثات مباشرة رفيعة المستوى بين كتلة صالح والحوثيين من جهة، والسعودية من جهة أخرى، حول قضايا حسّاسة مثل الحدود، والعلاقة مع إيران». وإذا كان للمفاوضات أن تنجح: «يجب أن تكون أكثر شموليّة، وأن تتّسع في أقرب وقت ممكن لتتجاوز وفدي الحكومة وصالح والحوثيين، لتشمل الأطراف اليمنية المعنية الأخرى»، كما يجب «استبعاد هادي وصالح وعلي محسن الأحمر تماماً من المشهد اليمني»، وفق توصيات التقرير.
تقويض أمن الخليج
ترى المجموعة المستقبل القريب «قاتماً» لأنَّ «الحرب دمّرت بنية تحتيّة ضعيفة أصلاً، وأتاحت فرصاً كبيرة للقاعدة في شبه جزيرة العرب وتنظيم داعش للتوسع، فضلاً عن أنّها فاقمت من حدّة الانقسامات السياسيّة الداخليّة، وكذلك الانقسامات الإقليميّة والطائفيّة».
وتخلص «مجموعة الأزمات الدوليّة» إلى القول، إنَّه حتّى «إذا كان بوسع الأمم المتحدة التوسط للتوصّل إلى اتّفاق لوضع حدّ للمعارك الرئيسية، فإن الطريق نحو سلام دائم سيكون صعباً وشاقاً. لقد دُمرت البلاد إلى درجة تتطلب وقتاً طويلاً، وموارد كبيرة واتّفاقات سياسيّة جديدة لتجاوز هذا الوضع». ومن دون تحقيق اختراق، «فإنَّها ستستمر بالانزلاق إلى حالة من التفتّت والانقسام والعنف الطائفي. وسيكون لهذا المسار تداعيات كارثيّة على سكّان اليمن، كما سيقوّض بشدة أمن الخليج، وخصوصاً أمن السعودية، وذلك بمفاقمة أزمة اللاجئين وتغذية التطرّف في المنطقة لمصلحة المجموعات الجهاديّة».

السفير

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى