ترجمات اسرائيلية

أضواء على الصحافة الاسرائيلية 12-13 آب 2016  

الشرطة تعارض قانون منع تسجيل المحادثات

كتبت “هآرتس” ان جهات في الشرطة الاسرائيلية عارضت القانون الجديد الذي يدرس رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، طرحه لمنع تسجيل محادثات من دون موافقة الطرفين. وقال مسؤول رفيع في الشرطة، ان “الشرطة ستعارض هذا القانون بكل الطرق الممكنة. هذا قانون لن يمس بحقوق المدنيين فقط وانما سيوجه ضربة قاصمة لمحاربة الجريمة”.

وقال مصدر مقرب من نتنياهو، لصحيفة “هآرتس”، يوم الخميس، انه سيتم استثناء الشرطة من القانون، وان الشرطة لا تتخوف من المس بالتنصت، لكنها تتخوف من ارتياع الشهود عن تسجيل ادلة. وقال ضابط رفيع في قسم الاستخبارات في الشرطة، ان “الكثير من التحقيقات التي اجرتها الشرطة، والمعروفة جيدا في السنوات الأخيرة بدأت بتسجيلات وصلت الى محطة الشرطة”. وقال ضابط رفيع في وحدة “لاهف 433” ان “المحقق الذي يتسلم شكوى من شخص آخر يميل الى عدم ايلاء اهمية كبيرة لها لأنه يمكن ان ينبع الأمر عن تصفية حسابات، لكن تسلم تسجيل في الموضوع يغير الوضع تماما”.

وفي موضوع اهمية التسجيل كدليل، تقتبس الشرطة قول بنيامين زيغل، الذي كان من مؤسسي الوحدة القطرية للتحقيق في اعمال الغش، حيث قال: “ما تراه العين افضل مما تسمعه الأذن، لكن التسجيل افضل من الأمرين معا”. واضاف الضابط في لواء الاستخبارات ان “التسجيل هو دليل بالغ الاهمية من ناحية الشرطة. اذا كان الاعتراف هو ملك الأدلة، فان التسجيل لا يقل اهمية في ترتيب الاولويات. التسجيل، حتى وان كان يحتم اجراء فحص آخر، فانه يبقى في مستوى الاعتراف ونتائج فحص الحمض النووي”.

يشار الى ان التسجيلات السرية لعبت دورا هاما في عدة ملفات رئيسية تتعلق بقضايا الفساد: شولا زكين التي كانت اليد اليمنى لرئيس الحكومة السابق ايهود اولمرت، سلمت الشرطة في اطار صفقة ادعاء التسجيلات التي قادت الى تقديم لائحة اتهام ضد اولمرت في ملف تشويش التحقيق، وكذلك التحقيق ضد محاميه نابوت تل تسور؛ سائق الحاخام الاكبر سابقا، يونا متسيغر، سجله وهو يطلب منه “الحفاظ عليه” في التحقيق؛ رئيس لجنة العمال في ميناء اشدود سابقا، الون حسن، سجل المحامي رونال فيشر وقاد الى تقديم لائحة اتهام ضده في سلسلة من مخالفات خرق الثقة. وبثت القناة الثانية تسجيلات سمع فيها الحاخام اليعزر برلنر وهو يعترف بارتكاب مخالفات جنسية. وتم مؤخرا تقديم لائحة اتهام ضده.

طعن اسرائيلي في حي الطور

تكتب “هآرتس” ان مواطنا اسرائيليا تعرض للطعن، صباح الخميس، في حي الطور في القدس الشرقية. وتبين من التحقيق الاولي ان المواطن كان يتوجه الى المقبرة على جبل الزيتون حين تم طعنه بواسطة مفك، ما سبب له اصابات طفيفة. وقامت الشرطة بتمشيط المكان.

وحسب ما جاء من نجمة داوود الحمراء فان الضحية هو طالب في مدرسة دينية، 26 عاما، واصيب بعدة طعنات طفيفة في الجزء العلوي من جسمه، وكان في كامل وعيه لدى وصول الطاقم الطبي اليه.

الادارة المدنية تدعو الفلسطينيين الى اثبات ملكيتهم للأرض قرب عمونة

تكتب “هآرتس” ان الادارة المدنية نشرت، يوم الخميس، اعلانا في صحيفة “القدس” الفلسطينية، مرفقا بخارطة لمناطق قد تكون “اموال متروكة” بالقرب من بؤرة عمونة. وتشير الخارطة الى 30 قسيمة، قد يتم في المستقبل نقل البؤرة اليها، وتبلغ مساحتها اكثر من 200 دونم. وتقع غالبية القسائم حول البؤرة، بينما يبعد بعضها عدة امتار عن مكان البؤرة الحالية. ويدعو الاعلان الفلسطينيين الذين يدعون ملكيتهم لهذه القسائم الى الاتصال بالادارة المدنية وعرض اثباتات بهدف الاعتراض على الخارطة.

وكان المستشار القانوني للحكومة، ابيحاي مندلبليت، قد قال في وقت سابق هذا الاسبوع، انه يجب فحص مكانة الأراضي المحيطة بعمونة، وذلك بعد قيامه بفحص توصيات لجنة التنظيم التي توصي بنقل البؤرة الى اراضي مجاورة لها تعتبر “املاك غائبين”، وتعود لفلسطينيين هربوا كما يبدو في 1967.

حسب بيان المستشار القانوني للحكومة، “ليس هناك ما يمنع فحص حقوق الملكية على القسائم المجاورة، التي تتوفر بشأنها معلومات اولية تفيد انها املاك متروكة”. ولا تعني هذه المقولة الغامضة ان المستشار القانوني للحكومة يوافق بشكل مبدئي على استنتاجات اللجنة او انه قرر بأن نقل البؤرة الى املاك الغائبين يتفق مع متطلبات القانون.

حسب توصيات لجنة التنظيم، يجري نقل مباني البؤرة التي تقوم على اراضي خاصة وتعيش فيها 40 عائلة، الى اراضي مجاورة تعتبر “املاك غائبين”، ويتم دفع رسوم الاستئجار لصندوق مالي، وفي المستقبل يجري تحويلها الى الفلسطينيين الذين يثبتون ملكيتهم للأرض، في حال ظهر من يدعي ذلك. وتنص التوصية على انشاء مباني قابلة للتفكيك، ويلزم سكانها بتجديد تصريح الاقامة على الارض مرة كل ثلاث سنوات.

وجاء من حركة “سلام الآن” ان “هذا الأمر يعتبر تجاوزا للخط الأحمر وسيقلب السياسة التي تم تحديدها منذ ايام حكومة بيغن، بعدم البناء على اراض خاصة. لا خلاف على حقيقة ان املاك الغائبين هي املاك خاصة وان استخدامها لانشاء المستوطنات اعتبر غير قانوني، من قبل كل المستشارين القانونيين في اسرائيل والعالم. من اجل تعويض المستوطنين الذين استولوا على اراض خاصة، تقوم الحكومة بسرقة اراضي خاصة بنفسها”.

يشار الى ان مستوطنة عمونة اقيمت في عام 1997، على اراضي خاصة بالقرب من عوفرا. وفي 2006، وقعت في البؤرة مواجهة عنيفة خلال اخلاء تسعة مباني ثابتة. ومنذ ثماني سنوات يدور جدال قانوني حول البؤرة، في اعقاب التماس قدمه عدد من اصحاب الاراضي الفلسطينيين بواسطة حركة “يش دين”. وقد التزمت الدولة في البداية بهدم البؤرة حتى نهاية 2012، لكنها اعلنت بعد مماطلة وتأجيل بأنها ستهدم فقط البيوت القائمة على القسائم التي تم الالتماس عليها. وادعى المستوطنون انهم اشتروا عدة قسائم بشكل قانوني، لكن وجهة نظر حددت بأن بعض الوثائق التي تم تقديمها الى المحكمة مزورة. وفي نهاية 2014، امر رئيس المحكمة العليا في حينه، اشير غرونيس، باخلاء البؤرة كلها خلال عامين، حتى 25 كانون الاول المقبل.

نتنياهو: ” انا أهتم بالفلسطينيين أكثر مما يهتم بهم قادتهم”

تكتب “يسرائيل هيوم” ان رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو تطرق (الخميس) الى قضية سرقة اموال المساعدات الانسانية من قبل حماس، وقال انه يهتم بالفلسطينيين اكثر من قادتهم. وقال نتنياهو في شريط مسجل باللغة الانجليزية، نشره على “يوتيوب”: “المساعدات الحيوية التي تصل من دول في انحاء العالم تسلب من الفلسطينيين الأبرياء والمعوزين. حماس استخدمت الاموال المسروقة لبناء آليات قتل من اجل قتل اليهود”. كما قال نتنياهو: ” أريد أن أسألكم من يهتم أكثر بالفلسطينيين؟ إسرائيل التي تسمح بإدخال المساعدة الإنسانية إلى غزة يوميا؟ أم حماس التي تسرق من الأولاد الفلسطينيين هذه المساعدات؟ سخرية حماس المتوحشة تمس بنا جميعا”.

وأضاف: “سأقول كلاما لن يُصدّقه بعضكم، ولكن سأقوله لأنه يعكس الحقيقة. بصفتي رئيس الحكومة الإسرائيلي، انا أهتم بالفلسطينيين أكثر مما يهتم بهم زعماؤهم. اسرائيل تهتم بالفلسطينيين أكثر مما يهتم بهم زعماؤهم”.

مقالات وتقارير

اختفاء عشرات أولاد اليهود الغربيين في السنوات الأولى للدولة

في الوقت الذي تنتظر فيه اسرائيل ما سيسفر عنه الفحص الذي يجريه الوزير تساحي هنغبي لملف الأطفال اليمنيين الذين انتزعتهم جهات اسرائيلية، كما يبدو رسمية وجنائية، من احضان امهاتهم، بعد هجرتهم الى البلاد، وسلمتهم، كما يشاع الى عائلات نجت من الكارثة، ومعدومة الأولاد، تكشف صحيفة “هآرتس” في تحقيق اعده عوفر اديريت، عن اختفاء عشرات الأولاد “الأشكناز” (اليهود الغربيين)، خلال السنوات الأولى للدولة، على أيدي جهات، قد تكون هي نفسها، اتبعت ذات الأساليب التي اتبعتها في قضية اولاد اليمن. فيما يلي احدى القصص التي تضمنها التقرير:

المحامية غانيت افرات، عميلة سابقة في الموساد، تحدثت للصحيفة عن اختفاء شقيقها البكر، زليغ، الذي لم تحظ بمعرفته. وكما حصل للكثير من اولاد اليمنيين، تم ايضا، نقل زليغ للعلاج في المستشفى بعد مرضه، ولكنه لم يعد الى احضان اسرته. فقد قيل لها، ايضا، بأن ابنها قد مات، لكنه لم يتم اطلاعها على وثيقة تثبت وفاته، او قبرا يحتضن رفاته. وهذه العائلة، ايضا، تم اسكاتها بفظاظة وترافقها في حياتها علامات استفهام كبيرة حول مصير ابنها.

زليغ ابن لعائلة يهودية من اوروبا الشرقية، فقدت اسرتها في الكارثة، وطردت على ايدي البريطانيين الى معسكر الاعتقال في قبرص، وهناك اضطرت الى الانفصال عن طفلها، في ظروف غير واضحة حتى اليوم. لكن مأساة هذه العائلة ابتلعت مع مرور الأيام على هامش قضية اختفاء اولاد اليمنيين.

والآن، مع عودة الانشغال في قضية الاولاد اليمنيين، تقول افرات ان ما يهمها هو ان يعرف الجمهور بانه لم يختف اولاد اليمنيين لوحدهم في تلك الأيام. “لقد بدأ هذا الأسلوب قبل قيام الدولة، خارج اسرائيل، مع الناجين من الكارثة”، تقول افرات. والداها هربا من النازيين بطرق شتى، والتقيا بعد الحرب في معسكر للمهجرين في النمسا، وتزوجا هناك. وفي سنة 1947، ابحرا مع المهاجرين على متن سفينة “هتكفا” (الأمل) باتجاه ارض اسرائيل، ولكن البريطانيين طردوهما الى معسكر الاعتقال في قبرص.

وبعد عدة اشهر، في حزيران 1947 ولد الابن البكر للعائلة، زليغ، وكان في صحة جيدة. وعندما بلغ الرابعة من العمر مرض فأخذته امه الى العيادة في المعسكر، والتي ادارتها المنظمة اليهودية “الجوينت”، بالتعاون مع مبعوثين من الوكالة اليهودية جاؤوا من ارض اسرائيل. وأمر الطبيب الأم بترك ابنها للمراقبة الليلية، ورفض السماح لها بالبقاء الى جانبه، وفي صباح اليوم التالي، عندما حضرت مع زوجها الى العيادة، قيل لهما ان ابنهما توفي في الليل. وطلبا رؤية جثته، لكنه تم طردهما من المكان. وتقول افرات نقلا عن امها ان “الطاقم الطبي قال لهما: اذهبا من هنا، لا تزالان شابين وسيكون لكما المزيد من الأولاد”. واعتقدت العائلة ان الحكاية انتهت هناك، لكنه يتضح بأنها كانت البداية فقط.

في شباط 1948، تم تحرير العائلة مع غيرها من العائلات من معسكر الاعتقال، وتوجهت الى الميناء للسفر على متن السفينة المتجهة الى اسرائيل. وبشكل مستهجن “طلب منهما الوفد الذي جاء من اسرائيل الى قبرص، التوقيع على تصريح يفيد بأنهما مسافران مع ابنهما، ذلك الطفل الذي قيل لهما قبل عدة اشهر فقط بأنه مات. وقال لهم والداي: لكنه مات ولا نريد الكذب! الا ان المبعوثين اقنعوهما بأنهما سيحصلان على شروط افضل وعلى منزل افضل اذا صرحا بأنهما مسافران مع ابنهما”.

افرات تحتفظ بشهادة الهجرة التي صدرت عن الوكالة اليهودية والتي كتب فيها اسماء والديها وابنهما زليغ، كمن هاجروا الى البلاد. لقد تم توطين العائلة لدى وصولها الى البلاد في منزل عربي في مدينة يافا، هرب منه سكانه خلال حرب الاستقلال (حرب 1948). وفي السنوات التالية انجبا ثلاثة اولاد. ولم تتحدث العائلة في بيتها عن ابنها الذي اختفى.. وتقول افرات: “لم نعرف شيئا.. في عائلة مرت بالكارثة لا يتحدثون عن امور كهذه”.

وقبل 20 سنة، كما تقول، تحطم الصمت فجأة. “لقد روى لي والدي القصة، واتضح ان الموضوع كان يؤرقه طوال حياته، لكنه حاول تناسيه”. في تلك المحادثة كشف لها انه بحث طوال سنوات عن الطبيب والممرضة اللذان عالجا طفله، وفي النهاية عثر على الممرضة في احد مستشفيات العجزة في وسط البلاد. وقال ان الممرضة اعترفت امامه بأنه تم بيع ابنه مقابل 5000 دولار لعائلة لم تنجب، وان ابنه لم يكن الوحيد.

والد افرات (95 عاما) لا يزال على قيد الحياة. “الأمر الوحيد الذي يعيش من اجله هو توقع سماع خبر. انه يعتقد بأن اعجوبة قد تحدث” تقول ايتي رون، شقيقة غانيت، وتضيف: “لقد قال لي انه اذا تمكن احد من العثور على ابنه المخطوف – فهي انا فقط. انا مقتنعة من اعماق قلبي بأنه تم بيعه. لا شك بذلك. لدي شعور يقول انه لا يزال حيا، لكننا لا نملك طرف خيط”.

وتروي الصحيفة انه في تقرير التحقيق الرسمي لقضية اختفاء اولاد اليمن، والذي نشر في عام 2001، تظهر حالات عديدة تشبه حالة عائلة افرات تحت بند صغير يحمل عنوان “اختفاء اطفال ابناء طوائف اخرى”. وحسب التقرير فان حوالي ثلث الاطفال الذين اختفوا، والذين ناقشت اللجنة قضيتهم، لم يكونوا يمنيين. مع ذلك، فان غالبيتهم هم من ابناء الطوائف الشرقية. وفي القائمة المرفقة بالتقرير، كتب ان 30 حالة هم اولاد من اصل “اوروبي” او “امريكي”. “ظروف اختفاء الاطفال ابناء الطوائف الأخرى تشبه الى حد كبير ظروف اختفاء اطفال المهاجرين اليمنيين. في موضوعهم، ايضا، يجري الحديث عن اختفاء اطفال لعائلات هاجرت خلال السنوات الاولى لقيام الدولة، وفي موضوعهم، ايضا، احتفى الاطفال بشكل عام، بعد اخضاعهم للعلاج في المستشفيات او بعد ولادتهم في المستشفيات”.

معدو التقرير كانوا متيقظين لحساسية شمل اولاد الطوائف الأخرى بشكل متوازي مع اولاد العائلات اليمنية. وكتبوا: “رغم ان اولاد الطوائف الأخرى اختفوا في ظروف مشابهة، الا انه انطبع في وعي ابناء الطائفة اليمنية أن ظاهرة اختفاء الأولاد توقفت عليها. اختفاء اطفال ابناء الطوائف الأخرى يقوض، في طبيعة الأمر، هذه الميزة”. وطرح التقرير تفسيرا اخر لإشكالية الإشارة الى المخطوفين الآخرين مع الاولاد اليمنيين: “(اختفاؤهم) يثير الشك من وجهة نظر اخرى في الادعاء بأن الاختطاف تم من قبل المؤسسة”. وبكلمات اخرى، تخوفت لجنة التحقيق الرسمية من عدم تقبل العائلات اليمنية للتذكير باختفاء اطفال الطوائف الأخرى لأن من شأن ذلك اضعاف ادعاءهم الرئيسي بأن المؤسسة – التي كانت في غالبيتها اشكنازية- هي المسؤولة عن اختطاف اليمنيين بدوافع عنصرية وكجزء من التعامل المميز والمهين للمهاجرين الشرقيين.

لا توجد أي وثيقة تبين عدد الاطفال الاشكنازيين الذين اختفوا في تلك الفترة، لكن الافادات التي ادلت بها عائلات من مختلف انحاء البلاد، والتي وصلت الى “هآرتس” في اطار التحقيق تكشف بأن عددهم يصل الى العشرات، بل ربما اكثر. وتنشر الصحيفة عدة قصص مشابهة لعائلات اخرى اختفى اولادها خلال السنوات الأولى لقيام اسرائيل.

الخطة المؤجلة لتوسيع ساحة حائط المبكى على حساب الحي الاسلامي.

ينشر نير حسون تقريرا في “هآرتس” حول مخطط تم اعداده بعد سنوات قليلة من احتلال القدس الشرقية، لهدم بيوت الحل الاسلامي المجاورة للحائط الغربي للمسجد الاقصى، الذي تدعي اسرائيل ان جدار الهيكل او ماي عرف باسم “حائط المبكى”. وجاء في التقرير انه في شباط 1972، اهتزت البلاد. فالعمال الذين أرسلتهم بلدية القدس لتعزيز مبنى مال الى الانهيار في الحي الإسلامي، حفروا أربعة ثقوب كبيرة في الجدار الشرقي للمنزل. وسرعان ما اتضح أن الجدار هو حائط المبكى بكل هيبته، في المقطع المعروف اليوم باسم “حائط المبكى الصغير”، الواقع الى الشمال من ساحة حائط المبكى المعروفة. في حينه اصيب حاخام حائط المبكى، مئير يهودا جاتز، بالصدمة، وقارن بين الحفر في حائط المبكى والحفر في التوراة، وهرع العمال الى جمع أجزاء الحجارة ووضعها في وعاء زجاجي في باحة حائط المبكى. وفي اليوم التالي كان العنوان الرئيسي في صحيفة معاريف: “تأثر كبير في القدس ازاء تدنيس القدسية”. ودعت اللافتات التي تم تعليقها ليلا على جدران احياء المتدينين اليهود المتشددين الى تنظيم “احتجاج ضخم” وقامت رئيسة الوزراء، غولدا مئير، بتعيين لجنة لفحص الاخفاق.

لقد كشف هذا الحادث للجمهور الاسرائيلي، بعد خمس سنوات من الحرب، حقيقة وجود اجزاء اخرى لحائط المبكى تستتر بين بيوت الحي الإسلامي. وادى الحادث الى كشف خطة دراماتيكية، كانت معروفة حتى ذلك الوقت لمجموعة صغيرة من الموظفين وصناع القرار، لإنشاء ساحة او ساحات اخرى لحائط المبكى، من خلال هدم بيوت في الحي الإسلامي ملاصقة للحائط. ويكشف البحث الجديد الذي اجراه نداف شرجاي- الصحفي والباحث الكبير في المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة – حكاية حائط المبكى الصغير وخطة توسيع حائط المبكى باتجاه الشمال.

يبلغ طول الحائط الغربي لجبل الهيكل (الحرم القدسي) 488 مترا، بينما يصل طول ساحة الصلاة المعروفة (حائط المبكى) الى 57 مترا. الى الجنوب من الساحة يقوم الموقع الأثري دافيدسون، والذي يصل طول حائط المبكى المحاذي له الى 81 مترا. غالبية الحائط الغربي الذي يصل طوله الى 350 مترا، خفي عن العين ويمتد على طول بيوت الحي الإسلامي. عشرات البيوت تتكئ عليه، في بعضها يشكل الحائط الغربي، كما يتبين، احد جدران البيت. وتشذ عن ذلك ساحة “الحائط الصغير”، وهي ساحة صغيرة تختفي وراء تعقيدات الأزقة، ويصل طولها الى 16.4 مترا.

في كتاب “الحائط المخفي، قصة الحائط الغربي الصغير”، حقق شرجاي في تاريخ هذه الساحة. قدسيتها لا تقل عن ساحة حائط المبكى، بل يعتقد الكثير من الناس انها اهم منها، لأنها قريبة اكثر الى قدس الأقداس على جبل الهيكل. ولكن على الرغم من ذلك، ورغم جهود التنظيمات والأفراد لتحويلها الى مكان منظم للصلاة، بقي الحائط الصغير ” الأخ غير الشقيق” كوصف شرجاي، “للحائط الكبير”. يمكن الصلاة فيه، لكنه لا يمكن اقامة ما يدل على انه مكان للصلة، ولم يتم الاعلان رسميا عن قدسيته.

يجب هدم المباني

بعد يوم من احتلال جبل الهيكل (الحرم القدسي) والحائط الغربي في حزيران 1967، وصل الى المكان رئيس الحكومة الأسبق دافيد بن غوريون. ولاحظ الزعيم العجوز وجود مرحاض يتكئ على الجدار الغربي فسأل مدير سلطة الحدائق القومية في حينه، يعقوب يناي، كيف يمكن لهذا ان يحدث. وحاول يناي الشرح بأنه تم يوم امس فقط احتلال المكان. فرد بن غوريون: “رغم ذلك لا يمكن احتمال هذا”. تلك المراحيض كانت جزء من حي المغاربة، الذي كان يقوم حيث تقع ساحة المبكى اليوم. بعد يومين من تلك المحادثة، وبضغط من رئيس البلدية تيدي كوليك وقائد المنطقة، شلومو لاهط، تم هدم المراحيض، ومن ثم على الفور، تم هدم كل بيوت الحي التي بلغ عددها 108. وهكذا اقيمت ساحة المبكى المعروفة. ولكن الحاخامية الرئيسية ووزارة الاديان واليمين السياسي لم يكتفوا بذلك، وطالبوا بكشف اجزاء اخرى من الحائط المقدس، شمال حي المغاربة. لقد بدأت الاصوات المطالبة بهدم المزيد من بيوت السكان، تعلو بعد فترة قصيرة من الحرب. وكتب الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين، يتسحاق نيسيم، في مذكرة بعث بها الى اللجنة الوزارية لشؤون الاماكن المقدسة: “الأيام الأولى كانت مريحة لذلك، وكلما مضت الأيام اصبح الأمر اصعب”. وبالفعل فان الدفعة التي قادت الى هدم بيوت حي المغاربة توقفت وبدأت نقاشات حول مواصلة الهدم. وفي حينه كتب حاخام اليهود الغربيين ايسار يهودا اونترمان: “انا متأكد من أنه سيتم قريبا ترتيب الأمر، وعندها سيملأ الجمهور الخط كله من الزاوية الى الزاوية وهناك سيصلي آلاف الاسرائيليين بشكل دائم”.

في وزارة الأديان سعوا الى تطبيق المبادرة واعدوا استطلاعا لفحص كل اجزاء الجدار الغربي، مع التركيز على حالات الاستخدام التي تدنسه، كعدة مراحيض وابار للمجاري. وهكذا اعدت وزارة الأديان خارطة تم فيها تحديد البيوت التي سيجري هدمها. وكتب في احدى الوثائق: “سيظهر الجدار بكل فخامته. كشف الجدار على امتداده سيثبت للعالم حقنا داخل جبل الهيكل نفسه، وهي مسألة ليست ملموسة الآن”. وفيما بعد قارنت الوثيقة بين كشف الجدار وما فعلته السلطات البريطانية لإزالة المباني التي كانت ملاصقة لسور البلدة القديمة من اجل كشفه.

وبدأت المكاتب الحكومة بإعداد المخططات، لكن من سعى الى صدها كان مدير دائرة الآثار، البروفيسور ابراهام بيرن. فلقد اعد مع رجاله وثائق مضادة تتحدث عن اهمية الحفاظ على المباني القديمة على امتداد الحائط. وتواصل النقاش سرا حتى حادثة الثقوب في 1972، وعندها طغى على السطح. وقد اثير في اعقاب التساؤل عما اذا يجب هدم او الحفاظ على البناية التي تم فيها حفر الثقوب منذ البداية، وهل يتم تنفيذ الوعد لعائلة شهابي التي اقامت فيه، بالعودة الى بيتها.

ووقف رئيس حزب حيروت، مناحيم بيغن، على رأس المؤيدين للهدم، وقال خلال نقاش اجرته لجنة الداخلية في الكنيست: “السؤال هو هل سيرى الشعب اليهودي في العالم ام لا كل الحائط الغربي. لدينا حائط واحد ويجب كشفه كله. طوال اجيال حاول اعداؤنا تدميره وهدمه، ولم نستطع عمل شيء ضدهم. اليوم، حين اصبحنا في القدس، لماذا يجب علينا جرح انفسنا؟”. ووقف امام بيغن رئيس بلدية القدس تيدي كولك، الذي عارض الهدم. “توجد هناك بيوت عمرها مئة سنة، وبيوت عمرها 800 سنة”. فرد بيغن: “لا نريد المس بقدسية احد، ولكن لدينا قدسيتنا وعلينا الحفاظ عليها – حتى ان كان يعني ذلك اخلاء عدد من بيوت العرب”. واقترح بيغن تعويض السكان بمنازل بديلة. وقال النائب لوبا الياف الذي عارض الهدم: “انا وامثالي لم نحلم بنيل ما نلناه في موضوع الحائط الغربي، كان اكثر ما حلمنا به هو اعادة الحائط لنا كما كان في 1948، ولم نفكر بساحات كبيرة من حوله. سيكون علينا ذات مرة، الجلوس والتسوية وتقديم الوعد وتلقي الوعود”. وفي نهاية الأمر، سمح للسكان بالعودة الى بيوتهم ولم يتم هدم المزيد منها.

في حديثه لصحيفة “هآرتس” قال شرجاي عن خطة هدم البيوت: “كانت عملية جدا. انت لا ترسل الناس لإجراء استطلاع وتعد خارطة وترسلها الى وزارة الأمن اذا لم تشأ عمل ذلك. ولكن في نهاية الأمر، قامت الدولة بمد خط حدودي بين الحي اليهودي والحائط “الكبير” وبين الحي الإسلامي والحائط “الصغير”.

ينطوي خط الحدود هذا على اهمية بالغة في سياسة الحكومة ازاء الحي الاسلامي حتى يومنا هذا. خلافا للحي اليهودي، الذي اخلي منه الاف السكان العرب، واعيد بناؤه وتوطينه من قبل الحكومة، ابقت الحكومة عملية التوطين في الحي الإسلامي في ايدي جمعيات المستوطنين، وعلى رأسها “عطيرت كوهانيم”. هذه الجمعية تحظى بدعم حكومي، لكنها تقوم بكل العمل بشكل مستقل. وقد نجحت مع مرور السنوات بشراء الكثير من البيوت وتوطين حوالي 1300 يهودي في الحي الإسلامي. ولكن على الرغم مما بذلوه من جهود، لم ينجح رجال “عطيرت كوهانيم” بشراء البيوت المجاورة للأجزاء الشمالية من الحائط الغربي.

صلاة بدون دلائل

في هذه الأثناء حدث في الحائط الصغير ما يشبه واقع راهن متوتر: يمكن الصلاة فيه لكنه يمنع وضع ما يدل على انه مكان للصلاة، كالمنصات والمقاعد وخزانة للكتب المقدسة وغيرها. وفي كل يوم جمعة تقيم الشرطة حواجز كي لا يسد المصلون مداخل بيوت الفلسطينيين الذين يعيشون فوق الساحة. كل عمل يجري هناك، مهما كان صغيرا – كتنظيف النفايات واخلاء السقالات القديمة – يتحول الى مسألة مصيرية تناقش على اعلى المستويات. بعد سنوات تم تفكيك سقالات اخفت جزء من الحائط، لكنه بقيت صفائح قصدير كبيرة، تتراكم من خلفها النفايات. وحسب الشرطة فان هذه الصفائح هي جزء من الواقع الراهن، ويمكن لإزالتها ان يثير معارضة الوقف والحكومة الأردنية.

حول هشاشة الوضع الراهن، تشهد حادثة وقعت قبل عشر سنوات تقريبا. في مطلع 2006 اقيمت الصلاة في المكان، وقام شاب متدين اسمه الياهو كلايمان، بإطلاق الصفير بواسطة البوق. وعلى الفور اعتقلته الشرطة وصادرت البوق. لقد تخوفت من سماع المصلين المسلمين في الحرم القدسي لصوت البوق (وكان الوقت شهر رمضان) وحدوث اضطرابات. السيادة الاسرائيلية ووجود ساحة الحائط لا تمنع شرغاي من المقارنة في كتابه بين هذا الحادث وحادث مشابه وقع في 1930، حين اعتقلت السلطات البريطانية الحاخام موشيه سيغل بعد قيامه بإطلاق صافرة البوق قرب الحائط الغربي.

ويقول شرجاي: “لقد حققت حلمي بشأن هذا المكان، كي يعرف الناس بوجوده، وان هناك حائط اخر وراء الحي الاسلامي. اريدهم المجيئ لزيارته، للصلاة، لإخلاء النفايات وتنظيم شروط صلاة مريحة، ولكن ان يحافظوا ايضا على معبر للعائلات المقيمة هنا. لم تسألني اذا كنت اؤيد الآن هدم البيوت من اجل كشف اجزاء اخرى من الحائط. ولكي لا يساء فهمي، انا ضد ذلك”.

ما هي وجهة روح الجيش

يكتب عاموس هرئيل وغيلي كوهين، في “هآرتس” ان الفيلم الذي تم الاستثمار فيه بشكل جيد، والذي يجري نشره على الشبكات الاجتماعية يثير الحزن. لقد تم تصويره واعداده وفقا لأفضل تقاليد كلوغ هيبت، ويعتمد على حيل التشويه والترهيب التي لجأت اليها في السابق تنظيمات مثل “ام ترتسو” (اذا شئتم) و”عاد كان” (حتى هنا)، بالهام من المستشار الاعلامي موشيه كلوغ هيبت، بهدف تحذير الجمهور من مخاطر اليسار وملاحقة رجاله. العنوان، هذه المرة ايضا، هو الصندوق الجديد لإسرائيل، الشرشف الأحمر بالنسبة لتنظيمات اليمين التي بدأت بمهاجمته منذ عملية “الرصاص المسكوب” ونشر تقرير غولدستون في 2009. ولكن الصندوق في الجولة الحالية، هو الجبهة الخارجية، اما الاهداف الحقيقية للفيلم الذي تقف من خلفه جمعية باسم “لافي”، فهما مؤسستان ليبراليتان تتلقيان الدعم من صندوق اسرائيل الجديد: معهد هرتمان، وهو مركز للتعليم والدراسات اليهودية في القدس، وحركة “بيناه” التي تدير “مدرسة علمانية، وكلية عسكرية في تل ابيب. واذا كان واضحا بان الصندوق يشكل خطرا واضحا وفوريا، فانه يظهر الآن بأنه من خلال الدعم المالي لهاتين المؤسستين، “ينغرس” الصندوق في الجيش، حسب تعبير اصحاب الفيلم.

يرتبط الهجوم بالعطاء الذي يفترض ان تنشره وزارة الأمن الشهر المقبل، لاثنين من أهم المشاريع الرائدة التي يقودها سلاح التثقيف في الجيش الإسرائيلي، بواسطة معاهد خارجية: دورة “الهدف والخصوصية” للضباط برتبة لواء ورائد والتي تديرها “بيناه” حاليا، وورشة “القيادة التربوية العسكرية في القدس”، وهي برنامج تعليمي للضباط برتبة مقدم وعقيد والتي يديرها معهد هرتمان. لقد نشر العطاء السابق في عام 2013، لمدة سنة واحدة مع إمكانية التمديد (التي تم استغلالها) لمدة عامين آخرين. وينجح شريط الفيديو، خلال أربع دقائق بصياغة فعالة لنفس الحجج التي أثارتها منظمة أخرى، مركز “لهباه”، في وثيقة طويلة جرى تعميمها الشهر الماضي. وفي جوهرها، معهد هرتمان و”بيناه” يغرسان في الجيش الإسرائيلي روح الانهزامية، والعطاء الجديد يشكل فرصة لوقفهما.

وعلى خلفية موسيقية درامية، وتحرير ايقاعي، يربط الفيلم بشكل مُدين بين تصريحات مسؤولين كبار في “بيناه” ومعهد “هرتمان”، ومظاهر الاحراج والضعف التي اظهرها الجيش امام العدو. ويجري دمج تسجيلات لتصريحات ادلى بها محاضرون من هرتمان، يحددون بأن الجيش يتحمل مسؤولية الحذر، الى حد المخاطرة بجنوده، من اجل منع المس بمواطني العدو، بتقارير اخبارية عرضتها القناة الثانية. في احد التقارير يجري الحديث عن جندي من حرس الحدود تخوف من اطلاق النار على الشبان الفلسطينيين الذين احرقوا الموقع الذي رابط فيه بواسطة زجاجات حارقة. وفي تقارير اخرى عن عملية “الجرف الصامد” يجري الحديث عن مظليين قتلوا بعبوة ناسفة تم زرعها داخل عيادة، وعن طيارين منعوا من اطلاق النار لإنقاذ قوة برية لكي لا يصيبوا المدنيين الفلسطينيين الذين تواجدوا على مقربة من المكان. وبدون أي نص سردي، ينتهي الشريط برسالة خطية: “في الأسابيع القريبة يتوقع نشر عطاءات لتثقيف آلاف ضباط الجيش. هل سيفوز الصندوق الجديد لإسرائيل هذه المرة، ايضا، بمناقصة لتثقيف اولادنا على كيفية المحاربة في ساحة المعركة؟”. ولم يكتف التنظيم بالشريط، بل توجه امس الى المدير العام لوزارة الأمن، وطالب بمنع المسؤولين الكبار في معهد هرتمان وكلية “بيناه” من تقديم المحاضرات امام الضباط.

لقد تم تسجيل جمعية “لافي” قبل حوالي اربعة أشهر. وتم في وثائق التسجيل وصف اهدافها كنشاط من اجل “حقوق الإنسان، الادارة السليمة وتشجيع الاستيطان”. ومن بين الناشطين في “لافي”، المحامي دورون نير تسفي، الذي يعمل مستشارا قانونيا للجنة مستوطني السامرة ويمثل سكان البؤر الاستيطانية. وكذلك المحامي ابيحاي بورون، الذي كان مديرا عاما للحركة الدينية “معياني هيشوعاه” ومرشحا في قائمة البيت اليهودي للكنيست. ويقوم مقر الجمعية في مستوطنة عوفرا، واسسها سكان من المستوطنة، باستثناء واحد، يقيم في بؤرة “عدي عاد” في غور شيلو. وحدد رجال “لافي” لأنفسهم، هدف التعامل مع مسائل مختلفة تتعلق، حسب اقوالهم، بمبادئ الادارة السليمة وحقوق المواطن، بدء من تهريب اللحوم من السلطة الفلسطينية الى اسرائيل، وحتى “احتكار جمعيات الصندوق الجديد لإسرائيل لتثقيف جنود الجيش”.

حسب اقوالهم، في الفترة التي يظهر فيها الجيش حساسية كبيرة ازاء التصريحات الاستثنائية، كتصريحات الحاخام يغئال ليفنشتاين، من كلية عيلي، لا يجب على التنظيمات اليسارية قيادة برامج الضباط. في خطابه المثير للجدل، خرج ليفنشتاين ضد سلاح التعليم، الذي يعظ الجنود على حرية التعددية، ولكن كُتاب العطاء في وزارة الأمن عادوا ورسخوا هذا الموقف بشكل مفصل: “يلتزم مزود الخدمة بأن يلائم فحوى الورشات التي سيديرها مفاهيم الجيش في مجال الهوية الاسرائيلية – اليهودية، ومفاهيم التعددية”. وهناك ادعاء آخر يجري توجيهه ضد معهد هرتمان، وهو ان الدورات التي ينظمها للجيش تستضيف رجال اليسار المتطرف فقط. لكن مراسل القناة العاشرة لشؤون الاستيطان، روعي شارون، نشر هذا الأسبوع، قائمة المحاضرين في الدورات، والتي تشمل الكثير من رجال اليمين، ومن بينهم الحاخام دافيد دافيدكابيتس، من مستوطنة يتسهار، ران بيرتس (من ديوان رئيس الحكومة)، ورجال جمعية “إلعاد” التي تعمل على تهويد القدس الشرقية، وكذلك شخصيات من تنظيمات “جبل الهيكل”.

يجب احتلال الجيش

خلفية نشر هذا الفيلم ابعد بكثير من الصراع على العطاء. كما سبق الادعاء هنا، هذا جزء من الحرب الثقافية، التي تحول خلالها الجيش ليس الى ساحة حرب مشروعة، فقط، وانما الى بؤرة استراتيجية يجب احتلالها. لقد ثار الاحتجاج على تصريحات ليفنشتاين في الأساس، بسبب تهجمه على المثليين، لكن خطابه شمل، ايضا، انتقادات بالغة لسياسة تفعيل النيران في الجيش. ويهاجم الفيلم الجديد تلك السياسية وينشر تسجيلات لاثنين من المحاضرين الذين صاغوا وثيقة روح الجيش الاسرائيلي التي دخلت حيز النفاذ في 2001، داني ستاتمان ونوعام زهر. يعتقد ليفنشتاين، تماما كرجال “لافي”، ان الكثير من الجنود قتلوا في الحروب الأخيرة، بسبب مخاطرة الجيش بشكل زائد، بتأثير من منظمات اليسار والتخوف من الانتقاد الدولي. هذا تحليل عكسي لادعاءات المجتمع الدولي، التي تمت صياغتها بمبالغة متطرفة في تقرير غولدستون، حول سياسة القتل بدون تمييز التي يديرها الجيش في حربه ضد الفلسطينيين ولبنان.

عمليا، يبدو ان ادعاءات اليمين كانت مدعمة خاصة في قضية المعركة في مخيم اللاجئين في جنين، خلال عملية “السور الواقي” في 2002. في حينه سألت عائلات 13 جنديا قتلوا في المخيم لماذا ضحى الجيش بحياة ابنائهم في الحرب من بيت الى بيت، ولم يقصف المخيم من الجو. خلافا للادعاءات الأولية التي اطلقها الفلسطينيون حول المعركة، لم تحدث مذبحة في مخيم جنين. الفجوة بين الخسائر في المعركة لم تكن متطرفة. لقد قتل 23 جنديا مقابل 53 فلسطينيا، يدعي الجيش ان خمسة منهم فقط كانوا مدنيين. لكن الامور تغيرت بعد ذلك. وفي المعارك الاخيرة في غزة ولبنان، تمت مهاجمة مناطق مدنية تحصن فيها رجال حماس وحزب الله، وقتل مئات المدنيين. الرد الشعبي القاسي على قتلى الجيش الاسرائيلي في لبنان في 2006، جعل الجيش يتبنى سياسة نيران اكثر مباحة بعد عامين ونصف. خلال “الرصاص المسكوب” في غزة، ورغم ان الجيش تمسك رسميا بذات المبادئ التي ارشدته في الماضي، الا ان الكثير من الوحدات عملت وفق توجه “اقل ما يمكن من المخاطر” (وهناك من فسرها كـ”صفر من المخاطر”) من اجل منع وقوع خسائر في صفوف الجنود. وتم التعبير عن ذلك ايضا في معركة رفح، في “يوم الجمعة الأسود” قبل عامين، عندما قادت محاولة منع حماس من احتجاز الجندي المخطوف، الى الاستخدام المكثف للنيران، وقتل المدنيين الفلسطينيين، من خلال الاستعداد حتى للمخاطرة بحياة الجندي المخطوف. واتضح لاحقا ان المخطوف، هدار غولدين، قتل كما يبدو في المرحلة الاولى من عملية الاختطاف.

جوهر سياسة تفعيل النيران العسكرية، منصوص عليها في وثيقة روح الجيش، تحت مصطلح “طهارة السلاح”. هذا تفسير محلي للقانون الدولي: يطلب من الجندي العمل وفقا للضرورة (تفعيل القوة حسب الهدف)، التمييز (اطلاق النار فقط على من يشاركون في القتال)، واظهار التناسب (حين لا يكون هناك أي مفر من اصابة غير الضالعين بالقتال خلال تنفيذ المهمة، يجب اختيار الوسائل والطرق بشكل يقلص الضرر). هذا هو الفارق، حسب القانون الدولي ايضا، بين الحرب المسموح بها وجرائم الحرب. وحسب كلمات رئيس الأركان، غادي ايزنكوت، في قضية الجندي مطلق النار في الخليل (ليؤور ازاريا) ما يفصل بين الجيش والعصابة. وطبعا لا ينقص عدد الجيوش التي تتصرف بشكل مختلف.

يندمج تحدي السياسة، ايضا في الاستئناف على مبدأ الرسمية، الذي يرشد نشاطات الجيش. رسالة التوضيح التي املاها رئيس الاركان على الحاخام العسكري الرئيسي الموعود، العقيد ايال كريم، تتضمن ايضا الاعتراف بالجيش كعامل موحد، رسمي، يأتي جنوده ومجنداته من تيارات مختلفة، ويحظون بمعاملة متساوية محترمة. تهجم اليمين على الجيش الاسرائيلي، والذي وصل الى قمته في قضية ازاريا، يحول الجيش الى اداة مناكفة ايديولوجية. الجهاز السياسي – ومن ضمن ذلك وزير الامن، افيغدور ليبرمان، حتى دخوله الى منصبه – فهم بأنه من المجدي مهاجمة الجيش على خلفية الاسطورة الأساسية لطهارة السلاح. وفي اعقاب ذلك، يأتي الهجوم الجديد لنشطاء اليمين. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي لم يعمل من اجل صد هذا التوجه في بداياته، سمح بذلك بما يحدث الآن.

الفيلم ووثيقة “ليباه”، وخطاب ليفنشتاين –  تعكس في مجملها انتقادا اوسع للتيار المتدين القومي في اليمين والمستوطنات. انهم يتعاملون مع اجزاء من وثيقة روح الجيش كقيم نخبة مختلطة اختطفت الجيش وفرضت عليه اسطورتها، بينما يغيب غالبية ابناؤها من الوحدات المقاتلة، التي يتطوع فيها الضباط والجنود المتدينين بنسبة تفوق بكثير نسبتهم بين الجمهور. “لافي”، “ليباه” وليفنشتاين، يديرون، حسب رأيهم، حربا ضد اضعاف الجيش، الذي تسللت اليه قيم ليبرالية ووجهات انسانية مرفوضة. وبدلا منها يجب ان يعتمد الجيش على المصادر اليهودية، “اخلاق عسكرية يهودية”، كاسم كتاب الحاخامين عيدو راخنيتس واليعزر غولدشتاين، الذي صدر قبل عامين. شريك ليفنشتاين في كلية عيلي، الراب ايلي سدان، يدأب على القول في محاضراته انه يمكن لإسرائيل الاعتماد على الغرب في المجال التكنولوجي والمسائل التقنية، لأن اليهود لا يملكون تجربة في ادارة دولة، ولكن ليس في مسائل القيم.

لقد انعكس هذا الخلاف ايضا في النقاش الذي جرى في ورشة “القيادة التربوية العسكرية في القدس”، في نيسان الماضي. نائب رئيس الأركان الجنرال يئير جولان، حاضر امام ضباط من كتيبة الاحتياط في لواء الجنوب، قبل فترة قصيرة من العاصفة التي أثارها خطاب يوم الكارثة، الذي حذر خلاله من اجراءات مشابهة لما حدث في المانيا النازية. لقد حلل جولان “ورقة القائد” المختلف عليها، التي وزعها قائد لواء جبعاتي، العقيد عوفر فاينتر، على جنوده في بداية “الجرف الصامد”. لكن نائب رئيس الاركان لم يتوقف على المصطلحات التي استخدمها فاينتر، في القسم الاول من رسالته، والتي اثارت غضب اليسار عليه – وانتقادا واسعا في منتدى القيادة العامة – حين تحدث عن “العدو الارهابي الغزي، الذي يشتم ويجدف الهة معارك اسرائيل”. لقد ركز جولان بالذات، على الفقرة التالية، التي اعلن فيها فاينتر، ان “اللواء سيعمل من خلال “استخدام كل الوسائل الخاضعة لسيطرته وبكل القوة المطلوبة”. وادعى الجنرال، اعتمادا على قيمة طهارة السلاح في وثيقة روح الجيش، انه من وجهة النظر المهنية ومن وجهة النظر الاخلاقية، يجب على الجيش تفعيل اقل ما يمكن من القوه المطلوبة في الحرب لتنفيذ الهدف وتقليص المس بالمدنيين الى اقصى حد. وقد اثار تصريح الجنرال العديد من ضباط الاحتياط وتم وصف وجهة نظر جولان، لاحقا، في احدى نشرات الكنس اليهودية بـ”السرطان الاخلاقي” الذي يهدد الجيش.

من يمثل حقا روح الجيش الحالية؟ نائب رئيس الأركان، الضباط الذين جادلوه، ام الجنيد مطلق النار، اليؤور ازاريا، الذي اثارت محاكمته دعما واسعا في صفوف الجمهور وايضا في صفوف الجيش؟ في حديث ادلى به لصحيفة “هآرتس” قال قائد لواء في الجيش، انه يجد نفسه يتخبط في هذه المسائل في احيان متقاربة، في الأشهر الأخيرة. “انا من جيل آخر، من خلفية أخرى، المحاكاة الساخرة للبلد العظيم والكيبوتسيين وسكان التلال تتحدث عني”، يقول اللواء الذي يعترف بمواجهة مصاعب في اقناع كل الضباط الخاضعين لإمرته بعدالة اجراءات القيادة العليا في قضية أزاريا. ويضيف: “من الواضح انه على المستويات المنخفضة، مستوى الجنود انفسهم، هناك الكثير من الجنود الذين يعتقدون غير ذلك. لدينا تحديات اكبر اليوم، ربط الجنود بروح الجيش في مسألة سياسة فتح النيران والتعامل مع العدو. على الهامش يمكن لنا ان نرى نتيجة لذلك المزيد من الاحداث الاستثنائية كحادث أزاريا”.

هذه التساؤلات مطروحة امام رئيس الأركان ايزنكوت، الذي يدير صراعا لحماية القيم القديمة، في الوقت الذي يحذر فيه من ان التهديد الأكبر للجيش يكمن في فقدان ثقة الجمهور الاسرائيلي. الاستطلاعات الدورية لا تشير، حاليا، الى انخفاض الثقة، ولكن احد الضباط الكبار في الجيش يقول ان العلاقة بين الجيش والمجتمع هي اليوم “الحدث الرئيسي الذي يشغل رئيس الأركان. انه لا يتخلى للحظة عن الجاهزية والتأهب للحرب المحتملة في الشمال او في المناطق، ولكن هذه المسألة هي الأمر الاكثر استراتيجية في نظره. ليس امامه أي مفر من الانشغال بذلك، حتى وان فضل بعض الذين سبقوه الابتعاد عن هذا الجدال لأنهم تخوفوا من تلقي نيران السياسيين”.

يمنع المقارنة

يكتب شلومو زند، في “هآرتس” اننا نشهد في الاشهر الاخيرة شلالا من المقالات وهتافات النجدة من قبل كل انواع المثقفين من اليسار الليبرالي، ممن يصرخون بان الفاشية تهدد اسرائيل. ويدعي بعضهم انها باتت هنا حقا، فيما يحذر قسم آخر من أنها توشك على المجيء. ومقابلهم يقف آخرون، هم أقل يسارا وأقل ليبرالية بقليل، ممن يدعون بان لا أساس لهذا من الصحة. فإسرائيل هي ديمقراطية مستقرة، من أجل أن تدافع عن نفسها في وجه الارهاب والتهديدات الاقليمية تخرج هنا وهناك عن السلوك السلطوي المتسامح وتنفذ أعمالا غير انسانية. وهناك دول ديمقراطية اخرى تصرفت بشكل مشابه في فترات المواجهات. ففي فترة الحرب الباردة، انتشرت في الولايات المتحدة المكارثية وقضت على كل قطعة طيبة في الديمقراطية الليبرالية المستقرة في العالم. وفي زمن حرب الجزائر طبقت حكومة فرنسا سياسة غير متسامحة بتاتا تجاه مؤيدي الاستقلال الجزائري (تم اقالة محاضرين ومعلمين)، ناهيك عن السياسة الوحشية تجاه المقاتلين من أجل الاستقلال. في 17 تشرين الاول 1961 قتلت شرطة فرنسا في قلب باريس بين 100 و 200 متظاهر عربي غير عنيفين، تقريبا بدون أي رد فعل اعلامي. من الصعب أن نتخيل اليوم حدثا مشابها في تل أبيب.

ينبغي العودة للتشديد على ان المقارنة هي أم كل الحكمة الانسانية. وفي نفس الوقت فان المقارنة هي أيضا ام كل الغباء الانساني. لا يوجد أي علم بدون بعد مقارن؛ لا توجد سياسة جماهيرية بدون مقارنات مبسطة، وفي الغالب محرضة. المشكلة هي ان كل أنواع الباحثين في العلوم السياسية، في علم الاجتماع وفي التاريخ يجرون بثقة علمية مقارنات تاريخية عديمة الاساس. الفاشية في ايطاليا كانت ظاهرة لمرة واحدة؛ تقريبا مثل كل حدث آخر في التاريخ؛ وحتى لو حاول الكثير من الناس في الدول الاوروبية، محاكاتها بلا نجاح. في الدول الديمقراطية، التي شهدت ثورات اجتماعية وقومية ناجحة، وكان مبدأ سيادة الشعب مستقرا فيها، بقي الخيار الفاشي هامشيا وسخيفا. في فرنسا، في بريطانيا والولايات المتحدة فشلت الحركات الفاشية تماما، ولم تكن حاجة لها (نظام فيشي اللاسامي لم يكن فاشيا). وحتى في اسبانيا سحق فرانكو الكتائب الفاشية بدون أي مشكلة.

صحيح أنه في مكان واحد فقط نمت حركة ذكرت بجوانب عديدة بالفاشية الايطالية. صحيح ان القومية الاشتراكية لم تنظر الى نفسها ابدا كفاشية، الا ان اليسار بين الحربين أصر على تعريفها كذلك واورث هذه التقاليد الفكرية للاجيال التالية. هناك جوانب مشابهة وبارزة بين الحركتين والنظامين لا ينبغي تجاهلها: الحل المفروض الذي تم اتباعه في مجال العلاقات بين رأس المال والعمل، طابع جماليات السياسة، الجانب الامبريالي الفظ وعديم الكوابح وغيرها. وبالفعل، فان اليسار الالماني بكل اقسامه تعامل مع النازية كصيغة فاشية محلية ولشدة الاسف أبدى نحوها عدم اكتراث نسبي.

ولكن اذا كانت القومية المتطرفة مادة الوقود الاهم التي غذت الفاشية والنازية، فان الاختلاف بين الظاهرتين حاسم. فالقومية الفاشية وان كانت عنيفة وعدوانية، ولكنها شمولية وسياسية وشابهت من نواح عديدة اليعقوبانية الفرنسية. اما القومية النازية فقد كانت منذ بداية طريقها اثنية وحصرية. والفرق بين الاثنتين لم يكن ايديولوجيا بل ترجم الى ممارسة مختلفة تماما. الابادة الجماعية لليهود، الغجر، السلافيين والمرضى النفسيين كانت مغروسة في قلب مشروع الاثنية المميز. لو كانت النازية الالمانية مماثلة للفاشية الايطالية من ناحية قومية أو تشبهها، لما أصبحت احد رموز الشر في التاريخ الحديث.

الالمان لم يكونوا اسوأ أو افضل من الشعوب الاخرى. تفاهة الشر كما صاغتها حانه أرنديت تعتبر تشخيصا لامعا، صيغ منذ القرن الثامن عشر من قبل جان جاك روسو وان كان بكلمات اخرى. وكما ان هناك تفاهة الشر هكذا ايضا توجد تفاهة الخير. وكلاهما متعلقتان بالظروف التاريخية وأرنديت عرفت ذلك جيدا. ومع انها لم تكن دوما منهاجية في تشخيصاتها، الا انها احد قلة من الذين تعمقوا في البحث في ايديولوجيات القرن العشرين على اساس التاريخ وليس على أساس الجوهر الانثروبولوجي. قلة في جيلها ربطوا مثلها، بحدس حاد، بين الامبريالية، الاستبداد والقومية الحديثة.

تفاهة الشر تميز الانغلاق والاغتراب في العالم الحديث، ولكنها تتحقق في ظروف محددة. ومن أجل فهم ذلك لا حاجة لدراسة الاستعمار البلجيكي؛ يكفي قراءة “قلب الظلام” لجوزيف كونراد. لا حاجة لان يكون المرء خبيرا في تاريخ الاتحاد السوفييتي، يكفي الاطلاع على كتب سولجينتسين. لا حاجة لأن يكون المرء خبيرا في النازية، يكفي قراءة بريمو ليفي. وحتى لو فهم نوربرت الياس على نحو جيد بان احتكار الدولة للعنف يلطف العلاقات الفردية الاجتماعية الداخلية، فانه ما كان على علم كاف بان الدولة تجمع وتوجه العنف “الى الخارج”، تجاه الجماعات الغريبة الاخرى – سكان المستعمرات او اعداء الثورة او اولئك الذين ينتمون الى قومية أو “عرق” آخر.

هل تتدهور اسرائيل نحو الفاشية أم اصبحت تشبه دولة شريرة؟ هذا السؤال ليس جديا بل سخيف. حتى لو ظهرت هنا وهناك حالات مس بحرية التعبير وحتى لو اصبحت الذات الاثنية اليهودية ظاهرة كل يوم، فظة ومنفرة اكثر، فهي ليست فاشية واسرائيل ليست دولة شريرة أكثر مما كانت في الماضي. هل وقعت في حرب 1948 حالات مس بالأبرياء غير اليهود اقل مما هي اليوم؟ هل وقعت الجريمة الفظيعة التي قتل خلالها 47 من سكان كفر قاسم في 1956 تحت سلطة اليمين؟ هل تختلف مواقف المجموعات السكانية التي لا تريد استيعاب العرب، عن موقف الكيبوتسات، التي رفضت منذ بداية الاستيطان الصهيوني تقبل حتى مواطن عربي واحد؟ وهل احجم اليسار الصهيوني الذي اقام الدولة، واضطر حسب قرار الامم المتحدة الى منح المواطنة المتساوية لمن احتلهم من العرب في 1948، عن فرض الحكم العسكري عليهم طوال 18 سنة، والذي الغى عمليا المساواة المدنية؟ وهل يمكن ان نشبه بجدية اعمال المس بالتعددية الليبرالية اليوم بالمجال الضيق للتعددية والتسامح تحت حكم دافيد بن غوريون في الخمسينيات؟ هل تختلف مستوطنات اليسار الصهيوني في هضبة الجولان، مبدئيا عن مستوطنات اليمين الصهيوني في الضفة؟ وهل يختلف اليئور أزاريا حقا عن ابراهام شالوم، رئيس الشاباك من حزب مباي الذي اصدر أمرا بقتل فلسطينيين جرحى في قضية خط الباص 300؟

ليست لدي أجوبة قاطعة على بعض هذه الاسئلة وغيرها. وكما أسلفنا، فان كل مقارنة في مجال التاريخ السياسي مطلوبة فعلا، ولكنها في نفس الوقت، تكون تقريبا تافهة ومعيبة. سيأتي رجال اليسار الصهيوني ليقولوا انه لا ينبغي الحكم على فترات بناء الامة بناء على الفترات التي باتت فيها الامة راسخة، مستقرة وقوية. ربما يكونوا محقين نسبيا. ولكنهم لا يفهمون بانه من ناحية المعاملة مع الاخر، غير اليهودي، فان شيئا لم يتغير مبدئيا. لقد كان المشروع الصهيوني منذ بدايته مشروع استيطان اثني وحصري. منذ 130 سنة يجري تنفيذ الاستيطان بدون توقف (بين 1948 و 1967 جرى الاستيطان في نطاق حدود دولة اسرائيل وتحت شعار “تهويد الجليل” او “تهويد النقب”). هذا لا يعني أنه يجب الحكم اخلاقيا على كل مرحلة في مسيرة الاستيطان بشكل مشابه، ولكن يمكن البدء في فهم الظاهرة التاريخية التي نعيش فيها، وذلك فقط عندما نراها كمسيرة واحدة متواصلة. من أجل الوصول الى تسوية على 1967 يجب فهم 1948.

أسباب هزيمة اليسار الصهيوني عديدة ومتنوعة ولا يمكن الوقوف عندها كلها في مقال قصير واحد. وسنذكر فقط بالبعض منها. لقد رسخ اليسار الصهيوني استيطانه ليس فقط على الحتمية المأساوية للتاريخ: حقيقة أن اوروبا، وبعد ذلك القومية العربية، لفظتانا، وبعد أغلقت الولايات المتحدة ابوابها، لم يتبقَ لنا خيار. ما كان لحجة من هذا القبيل أن تكون اسطورة قومية مجندة. ولهذا فقد استند اليسار الى كتاب الأساطير اللاهوثية (الذي تم ربطه بالأكذوبة التاريخية عن النفي الجماعي الاكراهي قبل الفي سنة) الذي منح شرعية الاستيطان والسلب. صحيح أن الصهيونية كانت تحتاج لان تقتل الرب كي تصبح حركة قومية نشطة، لكن عدم قدرتها على تعريف اليهودي العلماني فرض عليها المرة تلو الاخرى الانسحاب والاعتماد على التقاليد الدينية اليهودية. هذا هو السبب الذي جعلها لا تفصل ابدا بين الدين والدولة وتودع في ايدي الحاخامين كل احكام العائلة ودلائل الهوية الجماعية. وفضلا عن ذلك فان “الحق التاريخي” تعلق بالقدس القديمة، الخليل واريحا اكثر مما بالأرض الضيقة التي بين عسقلان وعكا. فكيف يمكن فجأة تقييد هذا الحق فقط بحدود الخط الاخضر؟ هنا، ضمن امور اخرى، تكمن مصادر التحول التاريخي الحاسم والانزلاق من التكامل القديم بين القومية والاشتراكية الى الخليط المظفر بين القومية والدين اليهودي المتجدد والمنتعش.

في نهاية المطاف، فان المستوطنين الصهاينة الاشتراكيين لم يكونوا أكثر اخلاقية من مستوطني اليمين معتمري القبعة الدينية اليوم. لقد كانوا أكثر نفاقا، وهذا الفرق هام. فاذا كان النفاق بادرة طيبة يقوم بها الشرير تجاه الخير فانها كفيلة في ظروف تاريخية محددة بأن تشكل عامل لجم. اما اليوم فثمة شعور بان هذا اللجم آخذ في الانحلال. الشر يعرض على الملأ، ولا يتبقى الا تقبله بشكل متزايد.

يضطر النفاق اليوم الى التراجع، لأسباب من ضمنها الشفافية. في العام 1948 لم تكن كاميرات في كل قرية عربية طرد سكانها. ليس لدينا صور من الجريمة في دير ياسين ولا من عملية القتل الجماعي في كفر قاسم. في قضية خط 300 كانت هناك كاميرات صحفية لم يأخذها ابراهام شالوم الذكي بالحسبان. اما في قصة ازاريا فقد باتت تتواجد كاميرات وفيديو. وهي تتوفر اليوم في كل مظاهرة، في كل عملية، وتقريبا أمام كل فعل ظالم (الارهابيون في اوروبا يعملون من اجل الحصول على صور استعراضية). من الصعب على الكلمات ان تخفي الصور. ولا يتبقى سوى الاستسلام للأخيرة والاعتراف بوجود الشر.

بما انه لا يوجد خطر الفاشية، فهل الوضع جيد؟ لا. نحن نتواجد في حالة خطيرة يمكنها ان تتدهور الى حد طرد جزء من سكان المناطق وحتى، حيال المقاومة المسلحة الجدية، الى مذابح جماعية. المتاهة التي علقت فيها اسرائيل في المرحلة الاستيطانية الحالية، التي بدأت في 1967، تبدو بلا مخرج. لا يبدو أنه توجد قوة سياسية يمكنها أن تنقذها منها. ولا يتبقى سوى الامل في أن ينقذنا العالم من أنفسنا.

الجن يريد الخروج من القمقم

يكتب د. رؤوبين باركو، في “يسرائيل هيوم” ان الانتخابات للمجالس البلدية الفلسطينية في الثامن من تشرين الاول تطرح في الاختبار الخطوات المتعلقة باستمرار سلطة ابو مازن. ومن ضمن أمور اخرى، تطرح هوية الشخص الذي سيستبدله في ظل عدم شرعية مؤسسات السلطة الفلسطينية. حماس هي الاخرى ضعيفة منذ هُزمت في حملة الجرف الصامد وباتت منعزلة امام مصر والعالم العربي. وفي الخلفية تطرأ ايضا تغييرات في الوضع الاستراتيجي للدول العربية التي تستعد للتهديد الايراني، في ظل تعرضها للملاحقة غير المتوقفة من جانب الارهاب الاسلامي السني، كالقاعدة، وداعش وبالطبع حماس.

يبدو أنه يتطور في الآونة الاخيرة لدى القيادة السياسية في حماس نهج برغماتي يستوعب المأزق الذي تعيشه المنظمة في غزة، على المستوى السياسي، العسكري والاقتصادي. قادتها يتحدثون علنا عن انعدام الجدوى في المواجهات العسكرية العلنية مع اسرائيل. والاثار السلبية للعزلة والصورة الاسلامية المتطرفة التي علقت بحماس لا تغيب عن قادتها.

وفي السلطة الفلسطينية ايضا يوجد احساس بالضعف وانعدام الجدوى، بعد أن فشلت في انتزاع انجازات من اسرائيل بواسطة الضغط الدولي أو الوصول الى مصالحة وطنية مع حماس بواسطة قطر. ويترافق هذا بالاحساس بفقدان التأييد الجماهيري في يهودا والسامرة وانعدام الشرعية القانونية للسلطة الفلسطينية. وتمنع حماس ذلك على عدة مستويات. مع ذلك، فان حماس بالذات تتوجه للانتخابات البلدية وهي متخوفة من عدم احترام السلطة الفلسطينية لنتائج الانتخابات اذا انتصرت فيها حماس في المناطق، كما فعلت في السابق، وتعود لتعتقل نشطاء الحركة والزج بهم في السجون.

حماس، التي قاطعت لهذا السبب الانتخابات السابقة في 2013، غير معنية بالكشف عن مرشحيها. ويمكن الانطباع بانها تعمل على صياغة الطريق الذي تضمن فيه حقها في الوجود واستمرارها ككيان عسكري وسياسي رائد، حتى في وضع تنقطع فيه رغم أنفها عن منظومات التأييد السياسي، اللوجستي، العسكري والاقتصادي كنتيجة للتغيير الاستراتيجي العربي. والمقصود اساسا ايران الراعية، تركيا المتلاعبة وقطر (داعمة الارهاب)، التي تتآمر كلها عليها.

من الواضح لحماس بانها اذا كانت ترغب في المستقبل بطرح مرشح لها لرئاسة السلطة، يجب ان يكون شخصا مقبولا على اسرائيل والولايات المتحدة. وعليه، وبسبب وضعها الصعب، تكتفي المنظمة الارهابية الان بالتطلع لان تكون شريكة في انتخاب بديل لأبي مازن. في كل الاحوال، ستشكل الحملة الانتخابية الحالية للبلديات بالنسبة لحماس مقياسا حقيقيا لميزان القوى قبيل انتخابات الرئاسة.

ستجري الانتخابات في 414 سلطة محلية، في ظل المفارقة القائمة في الأراضي الفلسطينية: في ضوء المصيبة الانسانية التي انزلتها حماس بقطاع غزة، يتمنى سكانها انهيار المنظمة. ولكن من الجهة الاخرى في الضفة بالذات يميلون لتأييدها. وفي ضوء هذا الوضع، وفي ظل عدم الجدوى التي يتميز بها الطرفان (ابو مازن فقد الامل في اعادة السيطرة على غزة، وحماس تخاف من الانهيار) يمكن لحماس والسلطة الفلسطينية التوجه نحو مصالحة وطنية لترتيب تبادل الحكم، وذلك بتوجيه مصري.

ثغرة تستدعي الارهاب

الى أن تتمكن حماس من فحص الوضع في الانتخابات البلدية ستواصل مجابهة الضربات التي توجه لها. واخر هذه الضربات التي اضيفت الى القائمة الطويلة، هي كما اسلفنا الانهيار الاقتصادي، كنتيجة للوضع الذي تعيشه بعض الدول الغربية، التي تتبرع وتمول وكالة غوث اللاجئين الاونروا. فقد أعلنت هذه الدول عن تقليص متوقع في المساعدات في المستقبل القريب.

منذ سنوات طويلة يتلقى اللاجئون الفلسطينيون الدعم من مؤسسات الامم المتحدة، بل حصلوا على مكانة خاصة تزيد مواردها عن أي مساعدات اخرى  يتم تقديمها لغيرهم من اللاجئين في العالم. لو تمت ترجمة هذه الاموال باستقامة، لكان يمكن اقامة ثلاث دول فلسطينية مزدهرة، ولكن طوفان المساعدات حول مكانة اللاجئ الى عقار للتجارة، ينتقل بالوراثة وكأنه لقب بارون او ماركيز وذلك خلافا للقانون الدولي.

وبدلا من حل هذه المشكلة، فان مليارات الدولارات تخلدها. بعضها عن قصد. وهكذا انكشف مع اعتقال محمد حلبي، مدير فرع منظمة “World Vision” في غزة الذي نقل على مدى سنوات نشاطه الخمس مبلغ 37.5 مليون دولار من اموال المساعدات الى الذراع العسكري لحماس. دعم الارهاب بدلا من التنمية.

قضية “World Vision” تجسد كيف تحولت مؤسسات الامم المتحدة الى أداة في خدمة حماس وغيرها من المنظمات الارهابية الفلسطينية. ويدور الحديث عن مخازن، مستشفيات ومدارس اخفت فتحات الانفاق وتحولت الى مناطق لاطلاق الصواريخ.

World Vision” هي منظمة مسيحية ومناهضة للصهيونية، مدعومة من دول مثل المانيا واستراليا، ولهذا فمن الصعب التصديق بانها تعاني من ادارة فاشلة في دفع الاموال أو عدم فهم اهدافها الحقيقية. وفي المقابل، فان عملية الخوف من الاسلام التي تجتاح اوروبا، نتيجة للعمليات، يتوقع ان تقلص محفزات انصار حماس الى درجة اللاسامية المعقولة.

مصدر تسلل الفلسطينيين الى منظومة المساعدات الاوروبية هو الفساد الذي نشأ في هيئات الامم المتحدة وتحول الى ثغرة سمحت بتحويل الاموال من التنمية الى دعم الجهد العسكري لحماس وغيرها من التنظيمات الارهابية. لقد غض “الداعمون” في الغرب النظر، على الأقل حتى تذوقوا ضرابات الذراع الإسلامية في بيوتهم. وبالمناسبة، رغم استخدام موارد المساعدات غير المباشرة التي تحظى بها حماس من تنظيمات المساعدات الدولية في غزة، فإنها تتعامل مع هذه التنظيمات – حسب ميراث الاخوان المسلمين – كممثلة للصليبيين الفاسدين الذين يجب فرض الإسلام عيلهم او ابادتهم.

رغم انسحاب اسرائيل في 2005 الا ان المجتمع الدولي لا يزال يحملها مسؤولية ما يجري في القطاع. والسبب: تهريب الوسائل القتالية الى غزة يجعل اسرائيل تمارس نظاما مقيدا حول القطاع، من حيث تقييد البضائع والاموال. ومع ذلك لا تواجه منظمات المساعدات المختلفة، أي مصاعب، بما فيها التابعة للأمم المتحدة، على الرغم من دورها الملتوي والحقي في تخليد المشكلة الفلسطينية وتشجيع الارهاب. اسرائيل كانت تفضل التخلص من المعضلة الغزية بل واعادتها الى الحضن المصري ولكن مصر ترفض قبولها.

من اعتقد بان انسحاب الجيش الاسرائيلي من القطاع سيقوج الى نشوء “سنغافورة” جديدة والى حل متوقع ومشابه في الضفة، ارتكب خطأ كبيرا. ففي ظل السلطة الفلسطينية، حتى منذ عهد ياسر عرفات، قامت منظمات ارهابية من نوع حماس، تم تفعيلها من قبل الرئيس لضرب اسرائيل. وعندما حان زمنها، نفذت الانقلاب وطردت السلطة من غزة.

الان تتآمر حماس على افتراس الضفة ايضا. فالجن الاسلامي الاجرامي قام على خالقه. وكانت الضربات العسكرية والاقتصادية التي تلقاها هي الكفيلة فقط باعادته الى ملاذه في قمقم السلطة الفلسطينية. اذا نجحت طريقها بعد شهرين، في الانتخابات البلدية، سنكتشف من سيتم حشره هذه المرة داخل القمقم: السلطة أم حماس، مرة أخرى.

القدرة على التدمير

يكتب يوسي بيلين، في “يسرائيل هيوم” ان كل شيء مكتوب. ويجب فقط تصفح كتب التاريخ، وكما يبدو فان اردوغان لم يفعل ذلك بما يكفي. فقد كتب فيها ايضا عن اناس مثله. خلفية متواضعة، بل فقر يختلط بالقصة، ايمان بهدف عام جيل الشباب، استعداد للتضحية من اجل الجماعة التي يتماثل معها (الدين، القبيلة، الشعب، الجنس والعرق)، والثمن الذي يتم دفعه على حساب العائلة والحياة الطبيعية (الحياة في المخابئ، الهرب، والاعتقال)، التحرر والانتخاب للقيادة، الديمقراطية للحظة، وبعد ذلك – مرحلة جنون العظمة. كل من يقف ضدك هو متآمر، (ليس عليك وانما على المجتمع كله) ويستحق كل عقاب، وعندها تصبح الديمقراطية ترفا يمكن دحره بسبب حالة الطوارئ (القائمة فقط في خيالك).

وهذا لا يعني انك تعمل بخلاف ارادة الجماهير. بل العكس. الجماهير هي أنت، وانت هو الجماهير. والاشخاص الذين يقفون في الوسط، فقط، يمنعون هذا التكامل: هم، الناس في الشارع، يفهمونك ويعرفون بان الناس الاشرار يريدون المس بك وبالمصلحة العامة. من لا يفهمون هذا هم السياسيون اصحاب المصالح الانانية. رجال الاعلام الذين يركضون وراء العناوين الرئيسة دون وضع المصلحة العامة امام ناظريهم، الاكاديميون المستعدون لبيع ارواحهم من أجل تقدمهم، حتى وان كان يكمن في ذلك كشف عار الامة. هكذا كان ستالين، ماو تسي تونغ، موغابا وغيرهم. الكثير جدا من الاخرين. والان اردوغان.

ولم نتحدث بعد عن الفساد الذي يرتبط بشكل ما بكل سلطة يطول مداها، مثلما علمنا الفيلسوف لورد أكتون قبل 166 سنة، بمقولته الخالدة: “كل سلطة تفسد الانسان، والسلطة المطلقة تفسد الانسان بشكل مطلق”. ولو لم يكن هكذا، فمن كان سيبني لنفسه قصرا يضم 1.100 غرفة؟ (مجرد فكرة استبدال المصابيح المحترقة في كل هذا القدر الكبير من الغرف يقشعر لها بدني).

لقد كتب الكثير في كتب التاريخ السميكة تلك عن اعمال التطهير. هذه ليست وحشية فقط، بل صبيانية ايضا. مجرد التفكير بانه يمكن “تطهير” مجتمع ما من جهات ليست مريحة لك هي فكرة ساذجة وجاهلة، لأن الناس ليسوا مادة يطهر منها العث. يمكن “تطهير” الكُتاب واليهود، الاطباء والموسيقيين، القضاة وكتاب النقد الساخر، المعلمون والجنرالات، ودوما – دوما سيبقى من يعارضون “المطهر” ويتآمرون ضده؛ واذا بقي الاطار الديموقراطي مجرد اطار، بدون ديموقراطية – فانهم سيفعلون ذلك من خلال الانقلاب، التالي. والاستعدادات له تبدأ غداة فشل سابقه.

وهل يمكن التفكير بان هذه الجماهير المجمدة والمقالة ستصبح مؤيدة موالية للحاكم، وتمد يدها لاستمرار هذا النظام، الذي يتدهور من ديمقراطية مستبدة الى دكتاتورية ذات غلاف ديمقراطي زائف! أليس واضحا لاردوغان بانه يؤسس جيش الانقلاب القادم؟ هل يؤمن بان هذه النخب لن تخلق فيما بينها العلاقات المتوقعة؟ الن تبحث عن مؤيدين شجعان؟ الن تكرس وقتها لكي تعثر على نقاط ضعفه؟ ان توافق على غسل الغسيل القذر في البيت، ولا تستعين بالاتراك الذي يعيشون في العالم ويحرصون على مصير بلادهم، وآخرين يخافون من التدهور؟

وهل يمكن التفكير بان من تبقوا في القيادة العسكرية، في الاعلام المكتوب والالكتروني، في الجهاز القضائي، في جهاز النيابة العامة، في المدارس، في الجامعات – كلهم سيرون وسيخافون؟ وسيسلمون بالمس بالمتزايد بحقوق الانسان ويخافون من فتح افواههم خوفا على أنفسهم؟ هل  يفكرون ان احدا لن يكتب شيئا على الشبكات الاجتماعية ولن يتظاهر والكل سيطأطئون رؤوسهم امام زعيم الشعب ويتقبلون كل اخطائه  كأمر مسلم فيه؟

اعداء في البيت

لا يمكن للسجون ابدا ان تستوعب كل من يشتبه فيه الحاكم المصاب بجنون العظمة. دوما سيبقى اناس في الخارج، دوما ستبقى مراكز الاشتعال، دوما سيبقى من لن يوافقون على أن يكونوا تابعين وخانعين، ودوما سيكون من لا يستطيعون النظر في المرآة حتى يقومون بعمل ما. ففي نهاية الأمر، كان فتح الله غولن احد الاشخاص المقربين من اردوغان، ولم تكن لدى اردوغان أي مشكلة في السماح له ولمنظمته الواسعة بالسيطرة على جهاز التعليم في الدولة. حتى شعر غولن بانه لا يمكنه ان ينتقد الزعيم. عبدالله غول، الرئيس التركي الـ 11 كان رجل الثقة الابرز بالنسبة لاردوغان. وعندما انتصر حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002، واضطر زعيمه، رجب طيب اردوغان (الذي حظرت المحكمة عليه تولي منصب عام في أعقاب سجنه بسبب التحريض المناهض للعلمانية) الى العثور على بديل له لا يدير له ظهر المجن في المستقبل، كان غول هو الذي تولى منصب رئيس الوزراء. وبالفعل، عندما تم تغيير القانون في البرلمان وسمح لاردوغان بتولي المنصب، تراجع غول الى منصب وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء، وعين اردوغان رئيسا للوزراء. ظاهرا، كان غول نوعا من القفاز في يد اردوغان، ولكن عندما انتخب غول رئيسا ظهرت التوترات بينهم، وتبين ان غول بعيد عن التأثر بمساعي زميله لتغير طبيعة النظام.

والحال نفسه بالنسبة للبروفيسور احمد داود اوغلو، الذي كان المستشار السياسي لاردوغان، وبعد ذلك وزير خارجيته، والذي اوصى بسياسة صفر احتكاك مع دول المنطقة (الى أن نفذت سياسة معاكسة لذلك). وفي وقت لاحق وجد نفسه رئيسا للوزراء، الى أن اضطر الى الاستقالة، قبل عشرة اسابيع، وذلك على خلفية معارضته لتغيير الدستور وعلى خلفية سياسة اردوغان تجاه الاقلية الكردية. سيكون قادة من سيثورون على اردوغان في الجولة الثانية من دائرة الموالين السابقين له، الاشخاص الذين اعتمد عليهم بعيون مغمضة، والذين ذهلوا من الطريق التي قرر السير فيها.

عقوبة الموت التي يسعى لاعادتها الى تركيا لن تردع الناس الشجعان والفخورين. في القسم الثاني من القرن العشرين توصل العالم الحر الى الاعتراف بان عقوبة الموت ليست مناسبة. نقطة. لا يمكن لأي دولة تفرض مثل هذه العقوبة ان تكون عضوا في الاتحاد الاوروبي، مثلا. اليابان وولايات معينة في الولايات المتحدة فقط لم تلغ هذه العقوبة بعد، واعادتها الى تركيا ستبعد فقط الدولة عن النادي الديمقراطي.

يمكن اسكات معظم الاشخاص في بعض الوقت، يمكن اسكات بعض الاشخاص في معظم الوقت، ولكن لا يمكن اسكات كل الاشخاص طوال الوقت، وعليه فان محاولة الاطاحة التالية باردوغان بدأت منذ شهر.

دليل المخطئ

تكتب سمدار بيري في “يديعوت احرونوت” ان داعش اعلن في الأسابيع الأخيرة مسؤوليته عن ثلاث عمليات. الاولى وقعت في يوم الاثنين 25 تموز، في مدينة آنسباخ، في جنوب المانيا، حيث دخل شاب سوري الى مطعم مع عبوة ناسفة حملها في حقيبة على ظهره، وتسبب بجرح 12 شخصا. العملية الثانية وقعت بعد يومين: مسلحان دخلا الى كنيسة في لواء نورماندي في شمال فرنسا، اخذوا رهينة وذبحوا الكاهن. ويوم السبت الأخير وقعت عملية في مدينة شارل لوروا في بلجيكا: مخرب مسلح بساطور، هاجم شرطيتان في مركز المدينة وهو يصرخ “الله اكبر” وتسبب لهن بجراح.

لا يوجد أي دليل، ولكن من المرجح أن الإرهابيين الذين نفذوا هذه الهجمات قرأوا “نصائح للمهاجر” – الوثيقة التي نشرت على مواقع داعش الالكترونية ويجري توزيعها على الشبكات الاجتماعية. في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب في المركز متعدد المجالات في هرتسليا، والذي فحص الباحثون فيه هذه الوثيقة بعناية يصفونها بأنها “صندوق الأدوات الجديد لداعش”. انها مجموعة من النصائح والتوصيات لأولئك الذين يرغبون في التطوع في المنظمة الإرهابية، وبعض ما كتب فيها يناسب بالضبط ما حدث في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا. “على أولئك الذين لا يتمكنون من الانضمام إلى الدولة الإسلامية وأذرعها، قتل الكفار في بلادهم”، جاء في الوثيقة، وليس هناك شك في أن سكان آنسباخ والكاهن في نورماندي يستجيبان لهذا التعريف.

على ما يبدو، فان المخربين في جميع الحالات الثلاث، والذين لقوا حتفهم في هذه الهجمات، قرأوا الفقرات المتعلقة بمصيرهم. “الفرار أو الانتحار”، تأمر وثيقة جنود داعش. “افعل كل ما في وسعك لكي لا يتم القبض عليك على قيد الحياة وتسليم السلاح. إذا قررت أن تصبح شهيدا، لا حاجة بك إلى السفر بعيدا. نفذ العمل المقدس في مكان اقامتك: اوصي مشغليك بهدف أو قم بتحديده بنفسك، والمهم أقتل الكفار ومت. هكذا ستصل الى  السماء في أقرب وقت ممكن. عليك أن تتذكر: 72 حورية لم تعرفن رجلا من قبل، ذوات قوام متكامل، تراقبك بعيونهن الكبيرة، وعندما تسقط في المعركة، ستلحقن بك”.

هذه النصوص وقعها عمر حسين (30 عاما)، والذي اعتمد لنفسه لقب أبو سعيد البريطاني. لقد ولد ونشأ في عائلة من المهاجرين المسلمين في بلدة هاي فيكومب في بريطانيا. درس البكالوريوس في العلوم السياسية وعمل كحارس أمن في سوبر ماركت محلي. وقبل ثلاث سنوات، اعتقل للاشتباه به بارتكاب جرائم جنسية، ومن ثم هرب إلى أفغانستان، وانضم لتنظيم القاعدة وتم إرساله إلى معسكر تدريبي لجبهة النصرة في سوريا. وعندما أعلن زعيم داعش أبو بكر البغدادي، عن إنشاء المنظمة، كان البريطاني من بين أول الذين انضموا اليه.

مطلوب صحفيون

يتم تحديث وثيقته حسب الحاجة. الباحثون في المركز بين المجالي يشيرون إلى أن رجال داعش “توقفوا عن دعوة المتطوعين للوصول إلى سوريا والعراق، وانما يوصونهم بالبقاء في بلدانهم واجتياز تدريبات عاجلة على أيدي نشطاء ميدانيين يتسللون اليهم. ويجري التوجه الى المتطوعين المحتملين بلغتهم: هناك نصوص بلغات مختلفة، بما في ذلك العبرية. داعش لم تتخل عنا. غالبا ما يجري على الشبكات الاجتماعية التذكير بإسرائيل وبالصراع مع الفلسطينيين. في الأشهر الأخيرة، نلاحظ الجهد الذي يبذلونه في محاولة للتجنيد داخل إسرائيل.

في الإصدار الحالي من المستند يمكن الفهم بأن داعش في محنة بسبب الانخفاض الحاد في عدد المجندين. صحيح ان البريطاني لا يشكو صراحة من ذلك، ولكنه يتلقى على تويتر والفيسبوك الشتائم من قبل المتطوعين الذين حاولوا الفرار من داعش أو اولئك الذين  ارعبتهم الصور القاسية لقطع الرؤوس وقتل النساء والأطفال والمسنين.

أولا وقبل كل شيء”، يقول مدافعا عن نفسه، “اعلموا ان داعش لم يأت لقتل الناس الأبرياء والايذاء بالمسلمين. فقط إذا لم يكن هناك بديل، يتم ايذاء الأطفال والنساء. وفي هذه الحالة يفرض على من خططوا للعملية وجميع أولئك الذين لهم صلة بالحدث التبرع للمقاتلين براتب شهرين أو دفع ثمن وجبة لـ – 60 عائلة فقيرة “.

جزء كبير من “نصائح للمهاجر” مكرس لقائمة “المطلوبين”، والتي يمكن ان نتعلم منها ما هي المهن التي يحتاج إليها التنظيم الآن. ويتضح ان داعش تبحث حاليا عن مصنعين للمتفجرات والأحزمة الناسفة؛ طهاة وطباخين “لاعداد الطعام، وحزمه وارسال الوجبات للمقاتلين”؛ معلمون في مدارس الأولاد التي تعمل في مساجد مدينة الرقة السورية؛ معلمات في مدارس البنات في الموصل، العراق، ” لإعداد الجيل القادم من الممرضات.”

هناك يبحثون أيضا عن الأطباء والممرضات والمدربين. “صحيح أن معظم الإخوة الذين يأتون إلينا هم من الشباب الذين نشطوا في مجال الرياضة في حياتهم السابقة مع الكفار،” تشرح الوثيقة الحاجة الى المدربين، “ولكن البعض منهم اصيب بالكسل. من يريدهم في الجبهة، عليه هزهم واعادة اللياقة لهم.”

ولكن المكان الأول في قائمة المطلوبين لداعش، يحتله رجال الاعلام المهنيين: “أولئك القادرين على نشر الاسلام الصحيح بشكل مقنع امام أعدائه الكفرة”. داعش يبحث عن مصممين للانضمام إلى فريق إنتاج مجلته على الإنترنت “دابك”، وعن كتاب للمقالات “ينقلون افكار نشطة”، وكذلك عن الشباب، خصوصا الجامعيات، “اللواتي يمكن أن يكرسن انفسهن للجلوس أمام الكمبيوتر على مدار الساعة، دون ان يعرف أحد ماذا تفعلن”.

كما يحتل القضاة مكانة عالية في قائمة المطلوبين (لا حاجة الى لقب او تجربة سابقة في مجال القضاء)، وكذلك يبحث عن سجانين وقاطعي رؤوس. “هناك تخصصات ذات متطلبات عالية قد تتردد في تكريس نفسك لها” كتب إلى جانب الوصف الغامض لمنصب “المنفذ” – الاسم الرمزي لقاطع الرؤوس. “إذا كنت على استعداد لتكريس نفسك لهذه المهمة الصعبة بشكل خاص، ابلغ المشرف عنك. وسيجري تمرير تدريب عاجل لك، وستكتشف على الفور ان لديك قوى خاصة وشجاعة للتغلب على الصعوبات. ومن المتوقع ان يمنحك هذا المنصب جائزة في الآخرة. كلما كرست نفسك لخدمة الله في الحرب ضد الكفار، كلما تعززت فرص وصولك الى الجنة”.

لم نأت للتسوق

وفقا لأحدث نسخة من الوثيقة، يتضح ان داعش اختار لنفسه مراكز نشاط اخرى الى جانب مدينة الرقة في شمال سوريا ومدينة الموصل في العراق. احداها في ليبيا. ويحال البريطاني اقناع المتطوعين بالتوقف عن الحلم بحياة أفضل في سوريا لصالح “الحياة الصحيحة” في مكان آخر. “صحيح أن سوريا هي جميلة”، كما يكتب في وثيقته، “ولكن الهدف من ذلك هو عدم الذهاب للتنزه والتسوق وانما لخوض حرب الله”.

 اذن، كيف يجري التجنيد؟ “في اللحظة التي اتخذت فيها القرار، لا تؤجل ولا تضيع الوقت،” يأمر البريطاني. “بع المنزل والممتلكات، وفرغ حسابك المصرفي، وابدأ في التزود بالأشياء الضرورية للسفر.”

يكرس البريطاني فصلا خاصا للاستعدادات للرحلة. “قبل أن تهاجر، امسح جهاز الكمبيوتر الخاص بك. لا تترك مواد قد تدينك. يمكن، على سبيل المثال، احتجازك في المطار، وفي الوقت نفسه إجراء تفتيش مفاجئ في منزلك. إذا كنت تعمل، لا تختفي. قبل أسبوعين من السفر، قدم استقالة مفصلة. اشرح بأنك تلقيت عرض عمل في مكان آخر أو أنك مسافر للمتعة، او في زيارة عائلية أو الدراسة في الخارج.

“لا تصل إلى المطار مع أحذية الشتاء الثقيلة، هذا هو الخطأ الذي أوقع العشرات قبلك. يمنع الرجل من القدوم مع لحية، وتمنع المرأة من المجيئ مع غطاء رأس متشدد. عليكم فحص صور جوازات السفر الخاصة بك، وإذا ظهرتم فيها مع لحية، سارعوا الى استبدال جواز السفر فورا”.

وهناك أيضا قائمة المعدات الموصى بها. “من المناسب التزود بالملابس الشتوية، بملابس داخلية دافئة وعازلة، بغطاء للرأس وجوارب سميكة، ووشاح من الصوف وحذاء رياضة. يمنع احضار اكثر من حقيبة واحدة كي لا تثير الشكوك في المطارات. يمكن للأخ أو المهاجرة ان يثيرا الشكوك لدى أفراد الأمن في المطارات. لا داعي للقلق والدخول في حالة من الذعر إذا حققوا معكم. أدعوا أنكم سياح يأتون لقضاء اجازة”.

في نص العنوان الجديد، يوضح مؤلف الوثيقة، “يمكنكم شراء في كل شيء ينقصكم في السوق المحلية. لكن خذوا في الاعتبار ان المعدات الإلكترونية يمكن أن تكون باهظة الثمن. احضروا جهاز كمبيوتر محمول، مصباحا، جهازي هواتف خليوية وأجهزة الشحن، الهاتف الأول سيكون لخدمتك، في اوقات متباعدة، من اجل الارتباط مع عالم الكفار، والثاني لتلقي المهام والتحديثات من القادة في عنوانك الجديد “.

تحظى النساء المهاجرات بنصيحة خاصة: “الحذر، فالسوريين والليبيين قد يطلبون منكن مبالغ طائلة مقابل الأقراط وأساور الذهب المزيفة”. وكيف يتم الوصول إلى هناك؟ بعد منع تركيا المتطوعين من الهبوط في مطاراتها، يقترح البريطاني الوصول إلى سورية أو ليبيا عبر أفريقيا أو من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق.

“لا تدخلوا في حالة ضغط إذا تم القبض عليكم في المطار وأخذكم للاستجواب”، كما يكتب. “كلما كنت هادئا، وديا وباسما، هكذا ستنجح بخداع رجال الأمن. إذا كنت تنوي الكذب، آمن بكذبتك. لا تظهر علامات العصبية. اروي النكات. واعلموا، انهم يصورونكم ويفحصون تعابير وجوهكم.

“تعاونوا مع المحققين، سلموهم معلومات اكثر مما يسألون، دون الكشف عن الأسرار الكبيرة، وانطلقوا من الافتراض بأنهم يعرفون جزءا كبيرا من تاريخك. إذا كنت تحمل مبلغا كبيرا من المال، بلغ عنه، كي لا يتم العثور عليه اثناء تفتيشك. اشرح بأنك تنوي الدفع نقدا لقاء عطلتك المخططة”.

ان تكوني زوجة محارب

قبل ثلاث سنوات، في بداية طريقه، تجنب داعش تشجيع تطوع النساء لأن قادته اعتبروا ذلك مصدر إزعاج للرجال. لكن تيار تجند النساء فاجأهم: 700 وصلن من تونس، و 200 من الإمارات العربية المتحدة، ومئات من أوروبا وماليزيا. معظم النساء رغبن بالهرب من حياتهن السابقة بسبب المشاكل العائلية. واخريات اجرين اتصالات مع رجال أرسلوا لهن مقترحات زواج من خلال الشبكة الاجتماعية، وطلبوا صورة شخصية حديثة.

في وثيقته “نصيحة للمهاجر” يصف البريطاني التوقعات. ويكتب للرجال: “جئت للقتال وخدمة الله وليس لجمع نقاط الاعجاب في الفيسبوك أو تحميل صور القتال على إنستجرام.” ويكتب للنساء: “اعلمي ان علامة الاعجاب التي تضعينها تنضم الى مئات العلامات التي تضعنها اخوات اخريات تتلقين نفس الاقتراح بالزواج. إذا قمت بإرسال الصور، يمكن لرجال آخرين مشاهدتها. قد تعجبين بمقاتل تصور مع بندقية، وحين تلتقين به قد تفاجئين بأنه مجرد موظف أو طباخ.”

الفصل المخصص للنساء جذاب ويشير إلى الانقلاب الذي حدث في المنظمة. حضورهن اصبح ضروريا بشكل غير مسبوق: يجري تشجيعهن على التجند وتكريس جهود خاصة للتحضير للرحلة دون إثارة الشكوك في الأسرة. “نحن نفترض أن الأخوات ستبقين معنا لفترة أطول من المقاتلين. متوسط العمر المتوقع للمحارب والمتطوع لهجمات إرهابية وانتحارية يتراوح بين سنة وسنتين على الأكثر. اما المهاجرة، إذا كنت لم تتطوع لعملية انتحارية، فمن المرجح أن تبقى لسنوات طويلة.”

الآن لديها، كما يقول، وظائف ومهام. أولا وقبل كل شيء، “ان تكون زوجة جندي”: خلق بيئة مريحة بالنسبة له، تجنيبه المضايقات المنزلية، الطبخ، تعليم الاولاد ورعايتهم ليصبحوا الجيل القادم من المقاتلين. “عندما يصل، مرة كل أسبوعين، ليومين من الراحة، دعيه يسترخي وافعلي له كل شيء. ابتسمي، ولا تجعليه يتذمر.”

ويشرح البريطاني انه يسمح للنساء المتزوجات في أراضي الدولة الإسلامية بمغادرة المنزل دون أن يصاحبهن الراعي. لكن هذا ممنوع على العازبات. فهؤلاء يتم استيعابهن فور وصولهن في “منزل محمي” تديره النساء وتخرجن منه فقط “لأداء مهام”: العمل كمدرسات وممرضات في العيادات، او حائكات او بائعات في المتاجر الخاصة بالنساء فقط.

ويوصي مؤلف وثيقة النساء بالزواج قبل الهجرة، “ولكن يجب أن تعرفن بأنه ينتظركن اختيار ضخم ومتنوع من الرجال غير المتزوجين الذين يبحثون عن زوجات مطيعات. إذا ابلغتن بأنكن ترغبن باقامة عائلة، ستحصلن على سيل من العروض. وبمجرد وضع علامة على مرشح معين، سيتم تعيين مقابلة لك لدى الراعي، وسيحضرون العريس، ويمكنك الانطباع منه بحضور طرف ثالث. لكنه يمنع الالتقاء به على انفراد. وفقا للشريعة، إذا قرر الزوجان الاجتماع قبل الزواج، فإن الشيطان سيجلس بينهما.”

يسمح للنساء برفض عروض للزواج. “اذا كان المرشح غير ملائم من حقك رؤية المزيد من المرشحين. لاحظي أنه قد تكون هناك مشكلة في اللغة، عندما يكون أحد الزوجين لا يتكلم العربية أو كلاكما تتحدثان بلغات مختلفة. ولذلك، من المستحسن دراسة اللغة العربية خلال مراحل الإعداد لهذه الرحلة، أو تعلموا كيفية التواصل بدون كلمات. أنا اعرف الكثير من الأزواج الذين ادى عدم الاتصال بينهما، بالذات، إلى النجاح في حياتهم الزوجية”.

لا تقلقوا بشأن المسائل المالية، توصي الوثيقة. السكن والغذاء والمياه والكهرباء والتعليم للأطفال، والرعاية الطبية، والرعاية الصحية – كلها مجانا. و “لكن كما تعلمون، في بعض الأحيان تطفح مستشفياتنا بالجرحى، ولذلك من المستحسن أن تتعلموا دورة في الإسعافات الأولية كي يعرف المحارب كيف يعالج نزيف أخ اصيب بقذيفة، وكي تتعلم الأخت كيفية الولادة في المنزل ومعالجة صديقاتها وامراض الأطفال”.

يعد داعش بدفع رواتب (“في اول كل شهر”) لجميع الإخوة والمهاجرات. ويبدأ ذلك بمبلغ 100 $ ويمكن أن يرتفع إلى 500 $ لأصحاب المهام الخاصة، وهناك مبلغ إضافي قدره 50 $ لكل طفل وهدية للأعياد الإسلامية – هبة شخصية قيمتها 150 $ من الزعيم البغدادي.

كل شيء متاح

لا شك بأن مكانة المحارب هي اعلى مكانة والأكثر احتراما في التنظيم، ولكن “نصائح للمهاجر” تؤكد أن أحدا لن يجبر المتطوعين على تنفيذ عمليات انتحارية. “إذا كان مهتما، عليه تبليغ المسؤول الميداني، وسيتم ادراج اسمه في القوائم. سيرسلونه إلى معسكر التدريب، ويسمح له بالندم، ولكن من المفهوم ان الهجمات الانتحارية تعتبر ذروة المعركة. يجب أن يعرف المحارب بأننا سنهتم بالدعم المادي والمعنوي لأرملته وأطفاله وإخطار اسرته في بلاد الكفار”.

تحظى الأسر في مواطنها الأصلية باهتمام واسع النطاق. ويشرح البريطاني بأنه يمنع مشاركة أولياء الأمور وأفراد الأسرة بقرار الهجرة، لأنه “من المتوقع أن يفعلوا كل ما هو ممكن لنسف القرار: الابتزاز العاطفي، مصادرة جوازات السفر، بل حتى إبلاغ الشرطة.” ويوصي البريطاني الابناء بتعويد العائلة على مغادرة المنزل كل أسبوع “من اجل الدراسة خارج المدينة، او لزيارة الأصدقاء أو الأقارب: هكذا ستنجحون بالاختفاء دون أن يتعقبون خطواتكم حتى تصعدون الى الطائرة.” ويوصي النساء باشراك صديقة مقربة لها دون كشف جهة الرحلة، ونقل حقيبة اليها، وكل يوم اخراج قطعتين او ثلاث من المنزل وإخفاء جواز السفر لديها.

“عندما يحين موعد الرحلة، يمكنك الانتقال اليها، اجمعي الحقيبة المليئة وروجي امامها قصة حول حدوث نزاع عائلي. من المرجح أن يلاحظوا غيابك فقط بعد قيامك بوضع حزام الامان على مقعدك في الطائرة.”

ويتطرق البريطاني، أيضا، إلى المتطوعين الذين لم يتمكنوا من الانضمام لداعش، على الرغم من رغبتهم:.. أولئك الذين ألغي سفرهم الى الخارج، وتمت مصادرة جوازات سفرهم أو اكتشفت أسرهم الرحلة المخططة ونسفوها “لا تستسلموا”، يكتب لهم. “حاولوا الوصول عبر مسار طيران آخر، أو انتظروا لشهر وجربوا حظكم مرة أخرى”.

وينصح هؤلاء بمقترحات عملية بديلة: “بدون خجل وبدون تردد، عليكم السرقة من الكفار ونقل الاموال لمقاتلي التنظيم أو أسرهم – الأرامل واليتامى. إذا حصلت على قرض من الكافر، يجب إعادته، ولكن إذا كانت لديك فرصة لاقتحام مؤسسة حكومية للكفار (البنوك، على سبيل المثال)، لا تتردد في السرقة. مصلحة دولتنا تسبق كل شيء”.

يعرض البريطاني دورات مكثفة في القتال، بما في ذلك كتابا بعنوان “المصارعة”، المذكور باسمه العبري (كراب مغاع)، مدعيا أنه يمكن تركيب القنابل والأحزمة الناسفة من دون التعلم عبر الانترنت: “يمكنك حتى الربط بين الغاز والنفط واشعاله في ذروة العملية ضد الكفار”.

ويثني البريطاني بشكل خاص على “الذئب الوحيد”، المحارب الذي يعمل لوحده. “القيادة والمقاتلين على الأرض سيثنون عليك ويمجدون عملك بعد استشهادك، اقتل وزراء في الحكومة واعضاء في البرلمان ورجال الجيش في دول التحالف التي تهاجمنا، وقوات الشرطة وكل من له علاقة بسلطة الكفار. منذ الآن فصاعدا، فان اكثر ما يوصى به هو قتل الكفار على أراضيهم، تماما كما يقصفوننا. إذا كنت تؤمن بشكل راسخ بأن هذه هي حرب الإسلام ضد أعدائه، فان مكان الحرب ليس محدودا: كل شيء متاح”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى