ثقافة وادبزوايا

غدا هل “نربي الأمل” في المدارس

317274C

سادتي الآباء سيداتي الأمهات، زملائي المعلمون والمعلمات:غدا موسم آخر لتفتح الزهر؛ فماذا أعددنا من عصافير وألوان وحكايات وألعاب وفرح ونور ووعي وحب للمكان وانتماء له وللزمان القادم، زمانهم/ن!

وزير التعليم الشاب د. صبري صيدم يحب الأطفال والشعر، ينتمي للعصر، ونشعر في حديثه بحرارة حبه للمكان، وهو قصة فلسطينية ناجحة، ربما نأمل بتعميمها، فالفلسطيني الذي خطط له النفي من المكان والزمان صار الأكثر حضورا. لذلك اخترت أن نكون مع محمود درويش كمفكّر نستمد من شعره أبعادا تربوية عميقة على مستوى الفرد والجماعة.

الأشجار والأدب مصدرا قوتنا هنا؛ نصعد معهما نحو السماءالثامنة، لأجل ذلك بقينا متذكرين نزهاتنا مع المعلم في “جبل بريطة” المقابل لمدرستنا الصغيرة، والقصائد الشعرية، والقصص!

كنا أطفالا نصعد قمم الجبال واثقين بأننا سنغير العالم، وعندما كبرنا، وصارت تتسلل إلى أنفسنا مشاعر الاكتفاء الواقعي، كنا نقاومها بالإكثار من الاقتراب من الأرض، والكتب، فنقوى، ونواصل أيامنا على أمل وبأمل.واليوم، نحن أكثر حاجة لنقوي أنفسنا ونقوي بعضنا بعضا بالأمل:

ألتقي بأحد قليل الأمل، يسلمني لمثله/ا، فأصرّ على أن هناك متسعا دائما لزراعة الأمل؛ فكل هذا الفضاء أمل. ولولا أننا تربينا في المدارس والبيوت على الأمل ما كان بالإمكان أن نكون ونبقى.

في قصيدته “حالة حصار”، اختار الشاعر في ضمير متكلم الجماعة تربية الأمل:

هنا،عند مُنْحَدَرات التلال،أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت،

قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ،

نفعل ُما يفعلُ السجناءُ،

وما يفعل العاطلون عن العمل:

نُرَبِّي الأملْ.

ذكرنا درويش بتربيتنا للطيور الصغيرة، والتي ما أن تكون قادرة على التعامل مع الفضاء بأجنجتها، نطلقها للريح فرحين:

“لا ينبغي أن نسجن الطيور”!

ماذا أعددنا فعلا من عصافير وألوان وحكايات وألعاب وفرح ونور ووعي وحب للمكان وانتماء له وللزمان القادم، زمانهم/ن حتى لا “نصير أَقلَّ ذكاءً في بلادٌ على أُهْبَةِ الفجر”.

لعل الوزير الشاب د. صبري صيدم هو من يبذور بذور التطوير ليقطفها الأطفال والمجتمع بعد سنوات، في ظل البطء التقليدي المعروف في العمل التربوي عربيا وعالميا.

في اتفاقية حقوق الطفل الدولية، ثمة أربع محاور رئيسة: التزويد، والحماية، والتعليم، والترفيه؛ ولو تأملنا قليلا سنجد أنه من الضروري الاطمئنان على:

تزود الأطفال بطعام الفطور بالتعاون بين البيت والمدرسة، حتى لا تصير البامبا طعاما.

حماية الأطفال من كل ما يؤثر على أمنهم وأمانهم واطمئنانهم البريء، حتى يكون تواجدهم في فضاء المدارس بأريحية، تمكنهم من التركيز والاندماج في غرف الصف.

التعليم حقهم/ن، ولن يكون متجليا إلا إذا تم اختيار الشكل المناسب لمائه، هل هتف أحدنا هنا وقال الأساليب!؟ نعم هي كذلك، فجوهر التعليم يكمن في كيفية وضع المعرفة لأطفال في مراحل عمرية في الكتب وغرفة الصف.

والترفيه ند لما سبق، فحاجات الصغار له كحاجاتنا نحن الكبار، ولنا أن نتذكر ساعات ابن المقفع الأربعة، التي ختمها بساعة الأصحاب، واصفها ومبررها بأنها عون على الساعات الأخر: العبادة والأسرة والعمل.ولنا الآن أن نتذكر حبنا للتجارب الطبيعية، والألعاب الشعبية المجانية.

وعليه تنهض العصافير وتطير لتعيننا في المدرسة، بجدرانها السعيدة في الساحات والغرف، بلون البرتقال المحبب والمثير للتعلم، وتشارك الحكايات والألعاب في مشوار التعلم، فتصبح المدرسة مكانا محبوبا، يتلهف الطلبة عليه.

هو الفرح، والسرور، والمتعةلجميع أطفال العالم، وللأطفال الذين يعانون الصراعات والنزاعات بشكل خاص، كأطفالنا، لنرسم ابتسامات دائمة، حتى لتصبح الوجوه كأنها مخلوقة هكذا:مبتسمة.

هنا في فضاء الفرح هذا، سيقيل الطلبة على المعلمين/ات، وتصبح كل مدرسة خلية حب.

أما التعليم من سياق حياة الطلبة واهتماماتهم، فسيجعلهم على ألفة معه لا يعانون الاغتراب الفكري، حيث سيجدون ليس فقط الصلة، بل سيرون بأنهم بالتعليم يصيرون أقوى في الحياة.وهنا فقط يصبح للوعي معنى، حيث يجد المتعلم نفسه كفرد، وكجزء من جماعة أيضا، فنبذر بذور التكامل بين المصلحة الشخصية والعامة، وأنه لا تناقض بينهما. وهنا أيضا يحب الأطفال مكانهم في المدرسة والشارع والوطن، ولا يكونون بحاجة لموعظة ودروس عن حب الوطن والانتماء له.

وهم ونحن، الطلبة والمعلمون والتربويون، نتشارك في مهارات حياتنا هم ونحن، مستقبلهم ومستقبلنا أيضا، فننتمي لهذا الزمان والزمان القادم، وألا نظل مخدرين/ات لا بالأمس القريب ولا البعيد، فنبحث عما يعيننا من وسائل تقربنا من اليوم وغدا.

“كُلَّما جاءني الأمسُ، قلت له:

ليس موعدُنا اليومَ، فلتبتعدْ

وتعالَ غداً !”

“نحبُّ الحياةَ غداً

عندما يَصِلُ الغَد ُسوف نحبُّا الحياة

غدا موسم آخر لتفتح الزهر؛ فماذا أعددنا من عصافير وألوان وحكايات وألعاب وفرح ونور ووعي وحب للمكان وانتماء له وللزمان القادم، زمانهم/ن؟

إعادة الاعتبار لكون المعلم/ة أساس التعليم، دون أن يتعارض ذلك مع كون الطلبة هم وهن هدف العملية. والتفكير بعمق بمكونات التعلم والتعليم في غرفة الصف وخارجها، وفهم العمل الإداري كميسر للتربية، وألا يحدث أي تغول للإداري على الفني والخبير، والتأكيد على السرور والمحبة، وحرية الاختلاف لا الخلاف، والتربية على التوازن ما بين الفرد والجماعة،. اقرأ معي شعر درويش:

“واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا.

ولنا هدف واحد ٌواحد ٌواحدٌ: أن نكون.

ومن بعده نحن مُخْتَلِفُونَ على كُلِّ شيء…”

واقرأ معي فهمه للتفكير بالوطن خارج نطاق الوعظ، حتى نحرر االأجيال الجديدة من عيوبنا، حيث يلحّ صاحب المصلحة المتحققة على ما يتوهم من وطنية، وحيث يحرد أحدنا أيضا فيشتمنا جميعا لأن مصلحته تأخرت قليلا في التحقق.

“قال لي في الطريق إلى سجنه:

عندما أَتحرّر ُأَعرفُ أنَّ مديحَ الوطنْ

كهجاء الوطنْ

مِهْنَةٌ مثل باقي المِهَنْ !”

سادتي الآباء سيداتي الأمهات، زملائي المعلمون والمعلمات: الأمل هو ما نحتاج متعلمين/ات ومعلمين/ات، سلام لكم/ن من محمود درويش:

“سلامٌ على مَنْ يُشَاطرُني الانتباهَ إلى

نشوة الضوءِ، ضوءِ الفراشةِ، في

ليل هذا النَفَقْ.”

نربي الأمل:قالها الشاعر للتأكيد على وجود الأمل حتى ولو كان صغيرا، قريبا من حد اليأس، لأنه بدون ذلك نكون قد حكمنا على أنفسنا وشعبنا بالنفي خارج المكان والزمان.نربي الأمل، حين نكون واثقين وواثقات بالقدرة على التغيير، وألا يقتصر الخلاص على الخلاص الفردي في زمن التحولات.

نربي الأمل بابتسامات تمنح صباحات طلبتنا نهارات إضافية.نربيه عندما تكون أعيننا ونحن نخطط لأي برنامج تطويري على تعلم الطلبة وسلوكياتهم وأفكارهم وأحلامهم أيضا.نربيه حينما نعيد امتلاك الإرادة من جديد في استقلال التربية والثقافة والإعلام الحر، لأن ذلك هو من سيشكل ضمان الاستقرار والسلم الاجتماعي وإبعاد شبح الاغتراب.نربيه حينما نكون قدوة في العدالة، عدالة الكبار تحفّز عدالة الصغار وتقوي الأمل بماء الحكم الرشيد والشفافية.

ابذر بذورك أيها الوزير الشاب وامض، فإذا هبت رياح كانون، فإن الأمر عاديّ، فقط اقترب من الأرض واطمئن على أن البذور مضت في تربتها كي تنمو مع قطرات أمل السماء.

 

الكاتب: تحسين يقين

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى