ثقافة وادبزوايا

عين الحلوة.. الهوية الحقيقية

thumb-6-1rexdjkv4qto0ginjyqdivsmtyxad74dfk04mhrzpe4k

 

بيروت -وفا- وسام يونس- خلافاً لما يتم تداوله عن أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان والذي يعتبر بالنسبة للاجئين الفلسطينيين عاصمة الشتات الفلسطيني، يظل مخيم عين الحلوة “الموسوم” بإيواء الخارجين عن القانون والمطلوبين للعدالة اللبنانية، مالكا لكل معاني الحياة والفرح والتفاؤل والإيمان بغد مشرق.

لم يخرج الكثير من متتبعي الأحداث عن نمطية معينة في التعاطي مع المخيم من زاوية واحدة فقط، ألا وهي اعتباره ملفاً أمنياً. يتنكر هؤلاء، نتيجة عدم إلمامهم واطلاعهم عن كثب على أوضاع المخيم، لأوجاع أهالي “عين الحلوة” وآلامهم الانسانية من جهة، وإبداعهم وحبهم للحياة من جهة أخرى.

 

المخيم الذي يعيش فيه حوالي مئة ألف إنسان يعاني ما يعانيه كغيره من المخيمات الفلسطينية في لبنان. غير أن نظرة واقعية على أوضاع المخيم، تبين لزائره وجها آخر، شعب هُجّر من أرضه منذ ثمانية وستين عاما وما زال متمسكا بعاداته وتقاليده الفلسطينية، حاملا أمل العودة يوما ما إلى أرضه.. ويحمل رسالة الحفاظ على تراث وثقافة لم يسقطها رغم مرارة العيش.

يقع مخيم عين الحلوة ضمن مدينة صيدا الساحلية، والتي تعتبر عاصمة الجنوب اللبناني. تبلغ مساحته حوالي كيلومتر مربع واحد، وهو أكبر مخيم في لبنان من حيث عدد السكان، ومعظمهم هجر إثر النكبة في العام 1948 من قرى الجليل في شمال فلسطين.

وبعيداً عن أحاديث الأمن والسلاح وضرورة استتباب الاستقرار، يعتبر الشاعر طه العبد، انه حين تغيب الثقافة داخل المخيم تسود لغة الرصاص العبثي. طه يعتبر أن الوسط الثقافي في عين الحلوة بدأ حراكا ثقافيا هدفه الأساسي إظهار الوجه الحقيقي للفلسطيني في لبنان وحبه للحياة والثقافة والفنون والعلوم. وحول هذه الخطوة يشير إلى أنها جاءت بوسائل متعددة من خلال المسرح، الشعر، القصة، الرواية، الغناء، الفلكلور، والندوات والتظاهرات الثقافية، ويلفت إلى أن تواصلا حصل مع شخصيات لبنانية وعربية زارت المخيم وقدمت عروضها على مسارحه، وخروج فلسطينيين نحو المنتديات اللبنانية وتقديم ما ينتجه أمام المثقفين والنقاد.

يؤكد طه أنه لا يمر شهر دون إقامة أمسية شعرية داخل عين الحلوة، كما ان هناك نشاطا شهريا يسمى “ملتقى النورس الأدبي” حيث يلتقي عشرات الشعراء والكتاب والأدباء والفنانون من المخيم وجواره في حلقة حوار ونقاش حول آخر الإصدارات الأدبية والفنية والتراثية.

بحسب طه فان المخيم يزخر بالمتفوقين والمثقفين، ويجب تعويم هذه الفئة من أبناء المخيم لما لها من إبداعات ومساهمات في تغليب لغة الفن والجمال والإبداع التي يمتاز بها شعبنا الفلسطيني. ويشدد على ان للمخيم وجهاً حضارياً إبداعياً يجري تغييبه عن سابق إصرار وتصميم لأهداف لا تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني.

وفي موضوع الحفاظ على التراث الفلسطيني، أسس عام 1985 معرض التراث الفلسطيني، وهو مركز يعنى بإنتاج التراث الوطني وعرضه خلال المعارض المحلية والدولية.

تقول مسؤولة المعرض علياء عبد الله، إن الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية والمؤسسات الحركية أرادت إعادة صناعة التراث الفلسطيني بعد انسحاب الاحتلال الاسرائيلي من صيدا عام 1985، وكان هدفنا الحفاظ على هذا التراث الوطني والحفاظ على الذاكرة الجمعية لشعبنا. بدأنا بصناعة الثوب الفلسطيني بشكل كامل بعد أن كان يباع قطعاً غير مكتملة، وقمنا بعرضه للجمهور واشتركنا في أكثر من معرض محلي في لبنان وأقمنا عروضا للأزياء للتعريف بالزي الفلسطيني الذي تفوق على الأزياء الأخرى بسبب الحرفية العالية في خياطته وتطريزه.

وتعتبر عبد الله ان رسالتهم هي الحفاظ على التراث الذي توارثته الاجيال الفلسطينية من خلال تعريف العالم به كونه يمثل أحد المرتكزات الحضارية والتاريخية لشعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة وحمايته خوفا من سرقته من قبل الاحتلال الاسرائيلي. وتشير إلى ان الزي الفلسطيني يعرض خلال المناسبات الوطنية كذكرى النكبة ويوم الأرض وانطلاقة الثورة. وتؤكد عبد الله ان من يعيش في مخيم عين الحلوة هم فلسطينيون وطنيون محافظون على عادات وتقاليد شعبنا وتراثه الوطني، وتأسف لمن يصور المخيم على انه بؤرة أمنية خارجة عن القانون والنظام.

ويوجد حاليا في المخيم أربعة مراكز لإنتاج التراث الفلسطيني؛ معرض التراث الفلسطيني، النجدة الشعبية الفلسطينية، مؤسسة الكرامة للمعوقين، والبرامج النسائية في الأونروا.

في “عين الحلوة” ايضا ست فرق فنية فلكلورية تضم المئات من أطفال المخيم، هدفها نشر الوعي الوطني بين هؤلاء والحفاظ على الموروث الشعبي الفلسطيني في مواجهة مشاريع الاحتلال الاسرائيلي الساعي دائما لسرقة ونهب تراثنا وهويتنا الوطنية.

تؤكد مسؤولة فرقة الكوفية للتراث الفلسطيني حورية الفار، ان تعريف الاجيال الفلسطينية على تراث وتاريخ أجدادهم يشكل أولوية للقيمين على هذه الفرق، ومن هنا يقع على عاتقنا واجب وطني واجتماعي وتوعوي في تحصين هذا التراث والحفاظ عليه من الاندثار، وحماية أجيالنا الجديدة من الاستغلال في أماكن تدمر البنية الاجتماعية والوطنية في المخيم. تشارك فرق المخيم في المهرجانات والمسابقات الثقافية والوطنية محليا ودوليا وتسعى من خلال مشاركتها هذه بتعريف العالم بالتراث الوطني الفلسطيني ونقل صورة حقيقية للمخيم وأبنائه المتمسكين بجذورهم وتراث أجدادهم.

وتشدد الفار على أن من حق أطفالنا ان تغني وتفرح وتعيش طفولتها البريئة أسوة بأطفال العالم، وتشير إلى أن أطفالنا يكبرون قبل أوانهم نتيجة للظروف الحياتية الصعبة والقاهرة التي يواجهونها يوميا.

من جهته، اعتبر نائب رئيس اتحاد الفنانين الفلسطينيين في لبنان محمد رمضان، أن هناك بيئة ثقافية فنية نشأت لترسم الصورة الجميلة لهذا المخيم الذي يتوزع الكثير من أبنائه على دول العالم طلبا للعلم أو العمل. ويشير الى أنه وبالرغم من  كل ما يحدث، فان المخيم يضم مسارح ودور ثقافية وتعليمية وملاعب رياضية وفرق فنية مثلت فلسطين في المحافل العربية والدولية. ويطالب رمضان بزيادة الدعم المادي والمعنوي لهذه الفرق لما تمثله من عامل ثقافي وحضاري في حياة اللاجئ الفلسطيني، ودورها الفاعل في إبراز التاريخ الحقيقي لشعبنا المتمسك بحقه في العودة وتعريف العالم بقضيته العادلة، ويؤكد على أن هذه الفرق تعمل بإشراف مدربين متخصصين في الكتابة والموسيقى والرقص الشعبي، بالإضافة الى التركيز الفعلي والعملي على إنتاج أعمال فنية باللهجة الفلسطينية، والرواية الموثقة من قبل كبار السن الذين يورثون التاريخ الحقيقي غير المزيف للأجيال الحالية، ويشير الى ان الباحثين والمهتمين في مجال التراث والفلكلور والحكاية الشعبية يعملون على إعادة إحياء هذا التاريخ ليكون الشاهد الأقوى في وجه الرواية الصهيونية.

الى ذلك، يعمل 65 طبيبا من أبناء المخيم، في مستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني وعيادات الاونروا، وحوالي 120 مهندسا ومئات المعلمين والإعلاميين والرسامين والمهنيين والحرفيين.

تزدحم شوارع عين الحلوة يوميا ب 5500 طالب يتوزعون على ثماني مدارس داخل المخيم وهي؛ صفد، بيسان، الناقورة، الفالوجة، قبية، حطين، السموع، ومرج بن عامر. ويلتحق بالجامعات والمعاهد مئات الطلبة من أبناء المخيم سنويا، ومنهم من حققوا نجاحات وشهرة واسعة، ولعل من أشهرهم الفنان الراحل ناجي العلي.

__

و.ي/ ف.ع

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى