الرئيسيةزواياثقافة وادبحرب الكلب الثانية لإبراهيم نصر الله .. عالم أكثر توحشاً في مستقبل...

حرب الكلب الثانية لإبراهيم نصر الله .. عالم أكثر توحشاً في مستقبل البوم والقلعة وحمّى الاستنساخ !

20162911000844
الايام – كتبت بديعة زيدان:يمزج الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله في روايته الجديدة “حرب الكلب الثانية”، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ـ ناشرون ببيروت، بين “الخيال العلمي”، والرؤى الاستشرافية للمستقبل بالاتكاء على ما يحدث في واقعنا الحالي، خاصة ما يتعلق من حالة البطش التي ترافق الحروب بطريقة منفرة، لرسم خريطة عالم قادم يسيطر عليه توحش الإنسان، سواء في مواجهة الأغيار أو الأضداد، أو حتى من يشبهونه شكلاً، وربما مضموناً.
وفي صفحات الرواية الـ 340، يتجول راشد كشخصية محورية لا ينازعها أحد في “حرب الكلب الثانية”، وهو الذي يبدو أربعينياً معارضاً لأنظمة الحكم، لكنه سرعان ما يتلون وفق مصالحه الاقتصادية، ليصبح من أشد الموالين، والساعين لتعميق هذه الموالاة بالمصاهرة.
في الرواية لا قصور للحكم، ولا مقرات تحمل أسماء المقرات الحالية للحكام، فمقر الحاكم حمل اسم “القلعة” لها مدير عام، وضباط يتمايزون عن بعضهم البعض، وعن العامة، وفق قدراتهم الفائقة على الإبصار، فمن يحمل درجة “4 بوم”، وهي وحدة قياس ابتكرها نصر الله هنا لقوة الإبصار، له ميزاته أكثر مما يحمل درجة “3 بوم”، وهكذا، في حين كانت قوة “8 بوم” حلم أي شخص.
وفي المستقبل، الذي تجري فيه أحداث الرواية، بدأ النهار يقصر “بطريقة غير مفهومة”، فلم يعد طوله يزيد على خمس ساعات، فيما تتزايد معدلات نفوق الطيور والحيوانات، وانحدر مستوى إنتاج الخضر والفواكه والحبوب .. وليس ذلك فحسب، بل إن الفصول الأربعة اختلطت وتجمعت في فصل واحد.
وفي ضوء شح الموارد، لجأ العلماء إلى الاستنساخ، وهنا بات الفرد يرى من نفسه اثنين أو ثلاثة أو يزيد، بحيث بات أقرب المقربين له لا يميزه عن النسخ المزورة منه، ما دفع “الأصل” إلى البحث عن أشباهه للتخلص منهم، واستعادة كينونته دون منافسين على الشكل والصورة.
وبالعودة إلى نقطة التمايز فيما يتعلق بقوة الإبصار، احتكرت القوى الكبرى تقنيات الضوء، وهذا ما قد يؤهلها للتحكم بمن يرتقون في المناصب العسكرية على وجه الخصوص، هنا وهناك، لاسيما أنه في ظل ضعف الحكومات تولت السيطرة على سير الحياة في البلاد (دون أن يحددها، وربما تطلق على عموم البلاد في الكرة الأرضية)، ما يسمى بـ”القلاع”.
وبالعودة هذه المرة إلى حياة راشد، الذي اشهر بقدرته على مقاومة تعرضه لكافة صنوف العذاب في صباه جراء معارضته لنظام الحكم، قبل مصاهرته لضابط بارز في “القلعة”، فتزوج من سلام شقيقة الضابط.
والمذهل هنا، أن راشد، ومن فرط إعجابه بزوجته فائقة الجمال، امتد إعجابه ليطال شقيقتها مرام، وكونه لا يجوز الجمع بين الشقيقتين، حوّل مديرة مكتبه إلى نسخة طبق الأصل من سلام، عبر عملية جراحية وصفت في الوقت المتخيل مستقبلاً بـ”البسيطة”، لتكون بجانبه، ولو شكلاً، في المنزل ومكان العمل .. وهنا بدأت تظهر النسخ البشرية المقلدة، ومنها “الراصد الجوي”، الذي هو نسخة من راشد، وبقي الأخير يطارده للتخلص منه.
وتفاقمت ظاهرة الاستنساخ، حتى باتت تهدد النسيج المجتمعي، فهذا ينتحل صفة الزوج الغائب عن المنزل أمام زوجته، بل إن أبناء راشد كانوا يحتضنون “الراصد الجوي” باعتباره والدهم، ما دفع السلطات لاتخاذ قرار بضرورة إبراز الهوية الشخصية الصادرة عنها، قبل انتشار “الاستنساخ بهذه الشاكلة”، ومن لا يملك هذه الهوية يقتل، فحتى راشد الذي كان من السباقين لعملية الاستنساخ عانى مما بادر إليه، حيث بات لا يميز بين زوجته سلام وشبيهاتها، والعكس صحيح، فالمشكلة لم تحل رغم إجراءات السلطات.
وليس هذا فحسب، فالهاتف النقال يتحول إلى “روبابيكيا”، بينما تصل درجات إتقان التلفزيونات الذكية لدرجة أن المشاهد يمكنه “صفع المذيعة على مؤخرتها”.
وبعيداً عن استعراض نصر الله لتجليات المستقبل، تتحدث الرواية عن فكرة الاستحواذ، وقتل الآخر أو الأنا الشكلية في جسد الآخر .. ” (…) حتى الاختلاف في الرأي حول أي مسألة ! .. كان الواحد منهم يريد أن يكون الناس كلهم مثله، مثله تماماً، أو كما قيل، على شاكلته ! .. يفكرون كما يفكر، ويعملون ما يعمل .. والآن، تفضل وانظر لما يحدث، لقد أصبحوا يشبهونه، فماذا فعل، هل احتضنهم؟ .. لا، بل قتلهم!”.
واللافت في الرواية، هو ذلك الإيحاء بارتفاع نسبة القتل اليومي، حتى باتت سيارات الإسعاف وسيلة النقل الوحيدة في الشوارع، إلا ما ندر، بل بات الاتجار فيها، وبالمستشفيات تجارة رابحة، اعتمدها راشد الذي كان يدير مستشفى خاصا على علاقة بالقلعة، ويملك سيارتي إسعاف.
ويمكن فهم سبب تسمية الرواية بالحوار الذي دار بين راشد وسائق سيارة إسعاف (ص 195)، حيث قال السائق لراشد: (…) لقد جرح الناس بعضهم كثيراً، ولأتفه الأسباب. مرة قرأت رواية تنبأ فيها كاتبها بحرب الكلب، كان يتحدث فيها عن الصرع العام الذي أصاب الجميع، بحيث تحول الناس إلى وحوش فجأة، بأنياب ومخالب، ينقض الواحد منهم على الآخر لأتفه الأسباب”.
وفي الحديث عن الأغيار، يمكن التطرق إلى ما بات يسمى “جرائم الكراهية” في الولايات المتحدة وأوروبا، وما يحدث في ميانمار بحق الأقلية المسلمة (الروهينغا) أما عن غير الأغيار، ولو من حيث اللغة والدين وربما العرق، وليس الفكر بطبيعة الحال، أو الصراع على السلطة والجاه والمال، فلا أفقع مما يفعله “داعش” بالسنة والشيعة والأيزيديين وحتى من يتقاطعون معه فكرياً كجبهة النصرة، وغيرهم، ولا أبلغ مما يحدث في سورية، وهنا نقع في دائرة الأغيار وغير الأغيار، وهو ما ينطبق على اليمن، وعلى ليبيا، والتي شهدت مؤخراً، وخلال قراءتي للرواية مقتل العشرات في شجارات بسبب قرد .. والقائمة تطول.
وقال الروائي إبراهيم نصر الله في حديث خاص: موضوع المستقبل يداعب مخيلتي منذ زمن طويل، لأن كتابتي، في كثير من الروايات، تتجه إلى الخيال في حدوده القصوى، منذ روايتي الأولى: براري الحُمّى، مرورا، بـ”عو”، و”مجرد 2 فقط”، و”شرفة الهذيان”، وسواها.. الصديق الروائي فاروق وادي، كان يسألني دائما: متى ستكتب رواية تدور أحداثها في المستقبل، رواية خيال علمي، ما دمت ذهبت إلى هذا الحد؟ كان ذلك منذ عشرين سنة. لكن طريقتي في الكتابة هي، أن أفكر في موضوع الرواية لخمس سنوات على الأقل، في الوقت الذي أعمل فيه على روايات أخرى، وكنت معنيا منذ زمن بفكرة توحش الإنسان، وفي كثير من المجالات، وأبرزها المجال الطبي، وجمّعت الكثير من الوثائق والحكايات، حول ذلك، كما كنت مشغولا بفكرة تعلّقنا بأناس يشبهون أناساً نحبهم، وإلى أين يمكن أن نصل، لكن ما أشعل لحظة الكتابة، هو هذه المجازر التي يرتكبها البشر ضد أبناء أوطانهم، وأوطان سواهم، والقتل المجاني للتخلص من المختلفين عنهم. الرواية تبدأ من هنا، بعد أن دمجتُ الأفكار السابقة فيها: لقد تخلصوا من المختلفين عنهم، فماذا بعد؟ لقد انطلقتُ من الواقع الدامي الذي يعيشه البشر اليوم، لأتأملَ مستقبلهم، مستقبلنا.
وأشار نصر الله: هذه الرواية تأتي ضمن مشروعي الروائي “الشرفات” الموازي لمشروع “الملهاة الفلسطينية”، وهي ضرورية لمسار هذا المشروع .. تأملت الروايات الخمس السابقة، في الشرفات، الوضع العربي المزري، وكان على واحدة منها، على الأقل، أن تتأمل المستقبل.
وما إذا كان يمكن اعتبارها خطاً جديداً في كتاباته الروائية، أجاب نصر الله: لا أعرف إن كانت هذه التجربة بداية خط جديد، لكنني كإنسان، بقدر ما أرعبتني صورة المستقبل، إذا واصل البشر ما يقومون به اليوم، فإنني ككاتب امتحنت فيها مخيلتي أكثر من أية رواية سابقة لي، فقد كان عليّ أن أقدّم أجواء متخيلة داكنة تتحرك فيها الشخصيات في المستقبل، وكان عليّ أن أخترع، أو أطوّر كثيرا من الاختراعات العلمية الموجودة حاليا، وهذا في الحقيقة هو الأمر الممتع، لي، في الرواية، لأنه جزء من اللعب التخيّلي، الذي يمكنني القول بعده، إنني أحسست أن مخيلتي أصبحت أكثر اتساعا.
واعترف: في الجانب الإنساني كانت الرواية قاسية عليّ في فترة كتابتها، فقد انتابني حسّ عميق بأن ما يدور فيها يدور خارج الغرفة التي أكتبها فيها، فبدأت ألغي المواعيد، أو أعتذر عنها، ولا أتحرك في الليل، مثل شخصيات الرواية. أي أن الدّور تلبّسني، ولم يعد سهلا أن أقتنع بالذهاب إلى سهرة، وتطلب الأمر الكثير من الانتباه لكي أستيقظ وأقنع نفسي أن هذا ما يدور في الرواية وليس في اللحظة التي أعيشها! .. لكنني لاحظت بعد أن سلّمت الرواية للناشر، أن أفكارا كثيرة حول المستقبل بدأت تخطر لي، وتغريني بالكتابة عنها، لكن أظن أن ذلك لن يحدث قريبا، فهناك رواية عن تجربة السجون، أزور فلسطين من أجلها منذ ثلاثة أعوام، ومنذ العام 1990 أعدّ لرواية عن بيت ساحور، وقد اتسعت هذه الرواية، بحيث باتت تغطي الفترة من 1917 حتى نهاية الانتفاضة الثانية، ودخلت فيها شخصيات سيكون لها مساحات واسعة مثل المصورة الفلسطينية كريمة عبود، القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، وهذه وسواها ستتجاور مع شخصيات متخيلة، وآمل أن أنهيها خلال العامين المقبلين.
واستعير في النهاية ما قاله الناشر حول الرواية، بعيداً عن تأويلاتي الشخصية لها، والتي قد تحتاج لمقال آخر، حين قال على الغلاف الخلفي للرواية إنها “رواية جديدة يفاجئ فيها إبراهيم نصر الله قارئاته وقراءه، بتجدد مستمر، وقدرة على استحضار المستقبل من قلب الظلام، من خلال شخصيات تتحرك في طبيعة منتهكة ونور أقل، وهواء قليل يبدو فيه التقاط الأنفاس مهمة مستحيلة”.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب