الايام -بديعة زيدان:”نستحضره كأنه ما زال معنا، إلياس فركوح المتقد إنسانياً، الثريّ إبداعاً، مجمع الأصدقاء، غادرنا في 15 تموز 2020، كان ذاك الأربعاء حزيناً على كل من عرفه.. كانت أجواء كورونا، والحزن، والعزلة، ولم تتهيأ الفرصة لتأبينه، حيث مضى وحيداً، وشيّعه قلّة من عائلته وأصدقائه، لكنه لم يغب عن ذاكرة كل من عرفه، وقرأه، وتابع سيرته الإبداعية الثرية”.
بهذه العبارات بدأ الروائي والمسرحي مفلح العدوان رئيس مختبر السرديات الأردني، حديثه عن إلياس فركوح الروائي والمترجم والناشر والناقد، مدشناً الندوة الاستذكارية لمناسبة مرور ثلاث سنوات على رحيله، التي نظمها منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي، في العاصمة الأردنية عمّان، مساء أول من أمس.
بدوره أشار أستاذ الأدب والنقد وعميد كلية الآداب في جامعة فيلادلفيا د. محمد عبيد الله في مداخلته، إلى أن كتابة الأديب الراحل إلياس فركوح تقيم في منطقة بينية وسطى، يمكن أن نصطلح على تسميتها “أرض اليمبوس” أي بالتسمية التي اختارها فركوح عنوانا لروايته الثالثة، وهي تسمية مستوحاة من الثقافة المسيحية، بما يقرب من منطقة “الأعراف” وفق التصور الإسلامي، وإلى أنها أيضاً من ذلك الأصل وتتوسع به إلى حدود بعيدة، أي أنه امتد بهذه المنطقة ذات الأصل الاعتقادي البيني، وتعامل معها بوصفها استعارة وجودية تشمل حياته وتفكيره وأدبه، وتصلح أن تكون أوسع مدخل أو مفتاح يمكن أن يعيننا على قراءة مدوّنته الأدبية والثقافية الواسعة.
وممّا أشار إليه عبيد الله فإن فركوح لم يكتب سيرة صريحة أو حتى مقنّعة لنفسه، لكنه طوّر القصة القصيرة وحفّز الرواية لا ليروي من خلالهما سيرته فحسب، وإنما ليصقل السيرة مستعيناً بآليات الذاكرة وبإمكانات الوعي السؤول، فتغدو الرواية سبيلاً من سبل المساءلة.
وقدم الناقد الأردني فخري صالح قراءة في عالم فركوح القصصي، قرأ منها بالنيابة عنه مفلح العدوان، وجاء فيها: مثّل إلياس فركوح واحداً من مجددي دم القصة والرواية العربيتين في العقود الأربعة الماضية، إذ استطاع أن يمنح الكتابة السردية تلك القدرة على وصف الأعماق، وتأمل الصراع الداخلي للشخصيات، بالانتقال من الوصف الخارجي للعالم إلى الغور عميقاً فيما يعتمل داخل شخصياته، لكي يلقي ضوءًا كاشفاً على التصدعات التي أصابت الحلم بدولة عربية قومية ديموقراطية، عبر هزائم وخسارات متوالية تركت علامات غائرة في كتابة جيله من المبدعين والمثقفين العرب.. ولعل رغبته في أن يفهم ما حدث، منذ ولادته في عام النكبة الفلسطينية (1948)، هي التي دفعته إلى تفحص الكوارث المتوالية.
وتحدثت هيفاء أبو نادي أستاذة اللغة الإنكليزية عن مقالات فركوح، لتخلص إلى أن المقالة عند إلياس بناءٌ متراصُّ اللبنات، يشتبك مع الذات ومع العالم، غير متكلف، مختصر ومحدد الفكرة والموضوع، يعبّر فيه تعبيراً صادقاً عن شخصيته ووجهة وجهات نظره، ويحرص فيه على إمتاع قرائه بلغته البليغة المحببة، ويتناول السياسة، والأدب، والاجتماع، والنقد، والعلوم، وغيرَها فيه.
وكشفت أبو نادي أنه قبل وفاة إلياس فركوح بمدة، جمع مقالاته التي كتبها في “تكوين” بموقع عمَّان نت الإخباري، وفي “ضفة ثالثة” التابعة لصحيفة العربي الجديد، ومن مواقع أخرى أيضاً، في مخطوط لكتاب منحها إياه لتدققه وتراجعه له، وكان قد أطلق عليه عنوان “من حلم اليوتوبيا إلى وقائع الديستوبيا”، وأنها قامت بالمهمة، غير أنه وقبل وفاته بيوم سلّمها مقدمة جديدة لكتابه هذا، وأضاف بعض الأسماء، وعدَّل بعض الجمل، وطلب منها أن تراجعها وتضيفها إلى المخطوط الذي راجعته وإيّاه، بل إنه صمّم غلاف كتابه الجديد هذا وأرسله لها.
واختتمت فعالية استذكار فركوح بمداخلة الشاعر والمترجم الأردني وليد السويركي حول تجربة إلياس في الترجمة، لافتاً إلى أنه، وعلى مدار أربعين عاماً من الحضور الثقافي المؤثر كانت الترجمة في صلب تجربته، مشيراً إلى أن نشاطه الترجمي توزّع على ثلاثة محاور رئيسة، هي: الصحافة الثقافية، وترجمة الكتب، ونشر الكتاب المترجم في تجربتين؛ أولاهما مشاركته الشاعر طاهر رياض في تجربة دار منارات، ومن ثم تأسيسه دار أزمنة وإدارته لها.





