لم تكن النهاية المفاجئة لنظام آل الأسد متوقعة، بهذا القدر من السرعة والسهولة، حتى قبل أيام قليلة. وهذا يدل، في جانب منه، على تسارع ما يطرأ على البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط من تحوّلات راديكالية تماماً، ووثيقة الصلة بشرارة الحرب، التي أطلقها، هجوم السابع من تشرين أول 2023، ولم تتوقف بعد.
لم يكن سقوط النظام الأسدي متوقعاً قبل أسبوع مضى. لذا، تركز التحليل في معالجة الثلاثاء على معاني ودلالات النصر والهزيمة، بعد وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، ومسارعة الطرفين اللبناني والإسرائيلي إلى إعلان الانتصار. كانت خلاصة التحليل، وما زالت، أن للحروب حياة مستقلة، وأن معاني الفوز والخسارة تتبدّل مع مرور الأيام.
وهذه النقطة بالذات تعيدنا إلى هجوم السابع من تشرين أوّل (أكتوبر) حين تركّز التحليل بعد الهجوم بأيام قليلة على حقيقة أن ما نتكلّم عنه لن يكون، بالضرورة، كل ما نتكلّم عنه بعد صمت المدافع، فثمة تحوّلات غير منظورة، وتداعيات لا تنضج في وقت قريب. ومع هذا في البال، فمن المنطقي، تماماً، التفكير في وجود صلات موضوعية بين الحرب على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية، ونتائجها المنظورة، وانهيار نظام آل الأسد في دمشق.
ولنلاحظ، هنا، أن انهيار النظام تحقق بطريقة غير مسبوقة من ناحية، وكجزء من التداعيات متوسطة المدى، لموجة الربيع العربي الأولى من ناحية ثانية. الطريقة غير مسبوقة لأن اجتياح المعارضة السورية المسلحة للمدن السورية، ونجاحها في إسقاط النظام في العاصمة دمشق، لم يكن نتيجة لانقسام الجيش، ولم يكن محمياً بالغطاء الجوي لقوّة أجنبية. وقد وقع الأمران في الحالة الليبية.
أما النظر إلى انهيار النظام كجزء من التداعيات متوسطة المدى للموجة الأولى للربيع العربي، فيستمد مبرره من حقيقة أن الكتلة الرئيسة للمسلحين خرجت من مخيمات اللاجئين على الحدود السورية، التركية، ومن مدينة إدلب السورية، الخارجة عن سلطة الدولة الأسدية المركزية، والتي تحوّلت إلى عاصمة للمعارضة والميليشيات على اختلاف ألوانها وراياتها.
تحوّلت المناطق المذكورة إلى مستودعات بشرية هائلة، تضم لاجئين خرجوا أو أُخرجوا هم وعائلاتهم من مناطق كثيرة، بعد استعادة النظام الأسدي، بمساعدة الروس والإيرانيين، للمبادرة، قبل قرابة عشر سنوات. ولهذه المسألة، بالذات، أهمية استثنائية لأن إحياء ذكريات وذاكرة الربيع العربي، ونجاح معارضة مسلحة في الاستيلاء على البلاد، وإسقاط النظام، يمثل تهديداً وجودياً للكثيرين في الشرق الأوسط.
سيكون لدينا الوقت الكافي لتحليل كل ما تقدّم، ولكن الأمر الحاسم يتمثل في القول إن انهيار الدولة الأسدية غيّر البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط بطريقة راديكالية تماماً. لا يقتصر التغيير، في هذا السياق، على طرف دون غيره. وما يعنينا، الآن، يتجلى في أمور ستحظى بالأولوية في أذهان كبار اللاعبين وصغارهم، وتمثّل خطوط التماس القادمة على الأرض السورية.
لن يتضح هذا الأمر بما يكفي دون التذكير بأن البيئة الاستراتيجية، وحتى قبل انهيار النظام بدقائق، كانت وجود كتلة عسكرية وسياسية وأيديولوجية، تضم دولاً وميليشيات، أطلق عليها أصحابها اسم «محور المقاومة». وما يعنينا أن الدولة الأسدية كانت ذخراً استراتيجياً للقوة الإقليمية الإيرانية الصاعدة، وأن عنوان الصراع على سورية، على مدار أربعة عقود، كان تجريد الإيرانيين من ذخرهم الاستراتيجي، وأن وجود النظام الأسدي نفسه كان أهم ضمانات المحور. وقد تغيّر هذا كله الآن. بيد أن التغيير لا يعني عدم وجود طموحات ورهانات استراتيجية للآخرين على الأرض السورية.
لن ندخل في تفاصيل كثيرة. المهم أن تركيا، وهي قوّة إقليمية صاعدة، ترى في نفسها مرشحة طبيعية لملء فراغ القوّة، وفي سورية مرشحاً طبيعياً لتوسعها الإقليمي، بالمعنى السياسي، والعسكري، والأيديولوجي، لأسباب وثيقة الصلة بالمسألة الكردية، والانعطافة العثمانية الأردوغانية نحو الشرق، وحقيقة علاقتها الخاصة بالمعارضة المسلحة.
قد تكون المجابهة الحتمية بين الأتراك وبقية اللاعبين، خاصة الإسرائيلي، من نتائج طموحات ورهانات كهذه، وستبقى على الأرجح في خلفية صراعات مختلفة لانتزاع النفوذ، أو اقتسامه، أو المساومة عليه، مع بقية اللاعبين، في قادم الأيام.
أما الطرف الثاني، الذي يضع نفسه في طليعة الساعين إلى تخليص الذخر الاستراتيجي السوري في قبضة الإيرانيين، فيرى في انهيار الدولة الأسدية، وفي الفترة الواقعة ما بين انهيارها، وإنشاء سلطة مستقرة، فرصة لتحقيق مكاسب استراتيجية على الأرض السورية. ويمكن التفكير، في هذا الصدد، في أشياء من نوع:
الاستيلاء على المنطقة العازلة في الجولان (وقد يتم الاستيلاء على المزيد من الأرض)، تأمين الحدود بإنشاء مناطق أمنية، وتأمينها بميليشيات وقوى حليفة على الجانب السوري، تأمين، وتدمير، المقدرات العسكرية للدولة الأسدية، وعلى رأسها الأسلحة الكيماوية، والصواريخ، ومعامل الإنتاج، إضافة إلى الأسلحة الثقيلة، التي لا يجب أن تقع في الأيدي الخطأ. وفي السياق، شنّوا في الأيام القليلة الماضية، غارات واسعة النطاق على مواقع ومنشآت عسكرية في مناطق سورية مختلفة.
سبقت الإشارة، في مقالة الأسبوع الماضي، إلى محاولة الإسرائيليين ممارسة دور القوّة الإقليمية، بالإصرار على حق التدخل، لدرء أخطار محتملة في سورية ولبنان. ولكن الاستيلاء على المنطقة العازلة في الجولان، يحرض على عدم استبعاد سيناريو ممارسة دور القوّة الإقليمية بفرض شروط مسبقة على عديد وعتاد سلاح الجيش السوري الجديد.
على أي حال، وهم القوّة الإقليمية شيء، وإمكانية تحقيق الأوهام شيء آخر. والصحيح أن الاستيلاء على المنطقة العازلة يخدم نتنياهو أكثر مما يخدم مصلحة الإسرائيليين. فاصل ونواصل.





