بقلم: يوسي فيرتر /لا يجب على المرء أن يكون خبيراً كبيراً في السياسة أو في الطب ليدرك أن بنيامين نتنياهو يفضل التنازل عن المرحلة الثانية في صفقة إنقاذ المخطوفين. يشكل هذا الامر وجع رأس بسيطاً: هو مرتبط بانسحاب كامل من قدس أقداسنا؛ محور فيلادلفيا، وتحرير عدد كبير من “المخربين”، الذين يوجد في سجلهم الدموي عشرات المؤبدات. وبالاساس هو مرتبط بالفعل السياسي المنبثق عن ذلك: خطر واضح وفوري لحل الحكومة.
انسحاب الجيش الإسرائيلي من محور فيلادلفيا يمكن أن يحدث في الأيام الـ 43 حتى 50، بين 2 – 9 آذار. حتى نهاية الشهر الحالي يجب تمرير الميزانية، وإلا فان الحكومة ستسقط. إذا طبق بتسلئيل سموتريتش تهديده بالانسحاب فربما سيأتي الحل حتى قبل ذلك. ينضم لهذه الثغرة أيضا قانون الاعفاء. لقد تجلى الخلاف المفتوح بين الجيش الإسرائيلي ووزير الدفاع، إسرائيل كاتس، في هذا السياق في لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، حيث جلس بجانب رئيس شعبة القوة البشرية، الجنرال دادو بار حليفه، الذي شرح بالتفصيل وبشكل احترافي من جهة الاحتياجات الملحة، ومن الجهة الأخرى عدم جدوى العقوبات التي يدور الحديث عنها، وكان كاتس مكفهر الوجه، وظهر عليه أنه غير راض عن هذا العرض.
يمكن القول إنه للمرة الأولى منذ تشكيله قبل سنتين يمر الائتلاف بحدث صادم ومهم. 24 شهراً ولم يهدد هذا الائتلاف أي شيء سيئ. سواء عندما اشتعلت الشوارع بالاحتجاج التاريخي ضد الانقلاب النظامي، أم عندما ذبح حوالي 1200 مدني وجندي، واغتصبوا واحرقوا واختطفوا خلال ساعات الى قطاع غزة، ولا كذلك في ظل الحرب التي استمرت تقريبا 15 شهرا في القطاع، والتي تحولت منذ فترة الى مراوحة زائدة في المكان، وهي تكلفنا حياة الجنود. كم هو مخيف ومثير للسخرية أن تكون الاحتمالية الملموسة لاطلاق سراح جميع الأشخاص الـ 94 من الاسر هي وحدها التي تهدد كراسي رئيس حكومة الفشل وشركاءه!
يعرف نتنياهو أنه عند بداية انسحاب قوات الجيش من محور فيلادلفيا فان وسائل الاعلام ستحتفل بالمؤتمر الصحافي التاريخي الذي عقده في 2 أيلول (الذي جاء ردّاً على الصدمة والاحتجاج بعد العثور على جثث المخطوفين الستة)، الذي وصف فيه ترك محور فيلادلفيا بأنه جحيم أمني، سيضمن بالتأكيد حدوث 7 تشرين الأول آخر. الخارطة الضخمة وصور الصواريخ والاوصاف الدراماتيكية لما سيحدث اذا حدث- لا سمح الله- ذلك. استهدف هذا المشهد أن يدق المسمار الأخير في خطة بايدن – بيبي من أيار، التي كانت لا تزال تتنفس بصعوبة. أي وجه سيكون لنا اذا قمنا بالانسحاب بعد بضعة أسابيع من هناك؟
على فرض أن نتنياهو يمكنه العيش مع هذا الاحراج، عند اسقاط الحكومة والذهاب الى الانتخابات في الصيف سيكون اقل قدرة على التعايش. في الشهر القادم يمكن أن يلتقي مع الرئيس دونالد ترامب في واشنطن، وهو اللقاء الذي سيحسم مصير الصفقة. سيقول نتنياهو له بأن تطبيق الصفقة سيعمل على اسقاط الحكومة، وهو سيطلب الرحمة والاهتمام به وليس بالمخطوفين.
توقف سموتريتش من ناحيته عن الاهتمام به، بالتأكيد بعد أن حاصره بن غفير من اليمين، وقام بالانسحاب من الحكومة. ومنذ ذلك الحين يقوم بتطويقه ويعرضه ككذاب يتمسك بالكرسي. شرط رئيس حزب “الصهيونية الدينية” يظهر أنه قاطع: استئناف القتال في غزة أو إسقاط الحكومة.
كل ما أغدقه عليه نتنياهو لم يجعله يلين تهديده. حتى ولو إضافة سريعة ومتسرعة لهدف آخر “في اهداف الحرب” بعد نقاش قصير وغير جدي في الكابنت. “المس الشديد بمنظمات الإرهاب في يهودا والسامرة وتعزيز الدفاع والامن فيها، مع التأكيد على الحفاظ على أمن الحركة وعلى المستوطنات”، ارتجال كلاسيكي لنتنياهو. الآن من كثرة الأهداف لم نعد نرى الحرب.
في موازاة ذلك ينتظر نتنياهو عودة الابن المارق بن غفير. حقائب حزب “قوة يهودية” قام بنقلها الى وزير السياحة حاييم كاتس، وهذا إشارة استخذاء للمستقيل.
الخوف الدائم، الذي يلقي بظلاله على الأمل في اوساط عائلات المخطوفين من المرحلة الثانية، يجد التعزيز السلبي من رئيس الحكومة ومحيطه. يجب الانتباه: عندما يرسل المتحدثون بلسانه ولسان وزرائه كي يعدوا بأن محور فيلادلفيا لن يسقط مرة أخرى، فانه بذلك يعرض للخطر إعادة المخطوفين الـ 14 الأخيرين في النبضة الحالية، الذين سيتحررون في اليوم الـ 42 من وقف اطلاق النار. الجمهور المليء بالامل الذي منحوه إياه عند بداية تطبيق الصفقة وعودة المخطوفات الثلاث الأوائل، على قناعة بأن الـ 33 مخطوفا سيتحررون بالتأكيد. اذا وضعت مرة أخرى اعتبارات بقاء نتنياهو في المقام الأول فان هذا يمكن أن ينتهي بخمس المخطوفين الباقين فقط وبمأساة فظيعة.
القدرة على الإقناع
المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية تم صدها بانغلاق لا يحتمل، مرة تلو الأخرى، على يد الحكومة في كل منبر ممكن. الوزراء مجندون لهذا الهدف، رغم أنه في كل استطلاع فان دعم الجمهور لتشكيل لجنة التحقيق الرسمية واسع وثابت، إلا أنهم يرددون البند 1 في صفحة رسائل مكتب رئيس الحكومة: يجب أن تكون لجنة التحقيق متفقا عليها من قبل معظم الشعب. البند 2 يقول إنه لا يمكن الاعتماد على نائب رئيس المحكمة العليا، اسحق عميت. والبند 3، “لجنة التحقيق يتم تشكيلها فقط بعد انتهاء الحرب”، الخ.
في هذا الأسبوع تمت إضافة بند جديد اليها: “سنشكل لجنة تحقيق مع ممثلين عن عائلات المخطوفين والعائلات الثكلى، هكذا فقط سنصل الى معرفة الحقيقة”، قالت الوزيرة غيلا غملئيل، التي جاءت الى الكنيست من اجل مصادقة الحكومة على مشروع قانون قدمته اوريت فركش هكوهين (المعسكر الرسمي). المذبحة في 7 تشرين الأول وصفتها غملئيل بأنها “احدى الحالات الأكثر صعوبة التي مرت على الشعب اليهودي منذ الكارثة”. وأضافت بأن “كل الفحوصات سيتم القيام بها بشكل ممتاز”. ووبخت المعارضة بالقول: “ليس كل شيء سياسة”. اقوال مضحكة بشكل خاص، ومن المؤسف أن تكون حزينة جدا. في مقابلة مع راديو 103 اعترفت غملئيل بأنها وبحق أيدت تشكيل لجنة رسمية، ولكنها تراجعت عن رأيها. “لقد أقنعوني”، قالت.
غملئيل هي من الوزراء الذين تحدثوا في بداية الحرب بصورة قاطعة لصالح تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وهكذا أيضا كان نير بركات، آفي ديختر، وميكي زوهر. جميعهم قاموا بتغيير جلودهم. جدعون ساعر (بنسخته السابقة) كان بالتأكيد يفضل وصفهم بـ “خرقة بالية”. ناهيك عن النظام البيئي البيبي، بقيادة القناة 14، الذي يأخذ الذريعة البائسة، “محظور السماح للمحكمة بالتدخل”، ويصنع منها مأكولات مقرفة كالعادة. بعد أسبوعين تقريبا يمكن للحكومة أن تعطي الرد للمحكمة العليا بخصوص الالتماسات التي قدمتها عدة منظمات واشخاص (مثل معهد زولت وحركة “طريقنا” والأب الثاكل يزهار شاي)، الذين طلبوا معرفة لماذا لا تجري النقاش في موضوع تشكيل لجنة التحقيق. في هذه الاثناء نتنياهو عالق. ضغط العائلات الثكلى، بقيادة “مجلس تشرين الأول” غير السياسي، لا يترك الائتلاف، خاصة القلائل فيه الذين ما زال لديهم القليل من الضمير والحس السليم – عدد من أعضاء الكنيست من “الليكود” و”شاس”. في هذه الاثناء مشروع قانون الغبي المبتذل اريئيل كلنر (الليكود) لتشكيل لجنة سياسية، عالق.
تلوث حكومي
البشرى الجيدة في قائمة المرشحين الثلاثة لاستبدال رئيس الأركان، كما قال لي شخص كان حتى وقت قريب في مركز جهاز الامن، هي أن لا أحد منهم سيكون “داني ليفي لنتنياهو وكاتس”. من الجهة الأخرى، ستمكنهم الاستقالة من التاثير على إيجاد هيئة اركان صورتها اكثر راحة لهم. سلسلة طويلة من المناصب سيتم اخلاؤها، وكما هو معروف فانه لا يمكن تعيين جنرالات بدون موافقة وزير الدفاع.
المقارنة بالمفتش العام للشرطة، الذي تم تعيينه في اعقاب علاقاته الحميمية مع الوزير ومع زوجة رئيس الحكومة، ليست صدفية. بين بيان استقالة هليفي ونشر قائمة الثلاثة: ايال زمير، تمير يدعي، وامير برعام، تم طرح اسم السكرتير العسكري لرئيس الحكومة، رومان غوفمان، أيضاً. حاملو البشرى هم عدد من المراسلين المقربين من رئيس الحكومة، الامر الذي يدل على أن نتنياهو تسلى بهذه الفكرة الحالمة. لقد أطلق بالون اختبار، بعد أن اخرج الهواء منه. خلافا للسكرتاريين العسكريين لنتنياهو، الذين اجتازوا مقابلات قبول لدى “ركيزة حياته”، في هذه الحالة الوحيد الذي جلس بجسده امام المرشحين هو كاتس (ليس لأن فرع ميامي للعائلة لا يحاول التنقيب). على كل الأحوال هو سيكون وزير الدفاع الأقل استقلالية في هذه العملية من غير المستبعد مثلا أنه سيصعب على المرشحين بالسؤال عن “مظاهر الرفض في اعقاب تشريع قانوني” (قانون الاعفاء).
عندما كان غادي ايزنكوت رئيسا للأركان اضطر الى مواجهة تلوث سياسي عام، لفترة طويلة، على صورة قضية اليئور ازاريا. واجه هليفي مثل هذا التلوث، لكنه أصعب بكثير، بفضل حكومة الكارثة. أي شخص معيب ومصاب بالصرع، من سموتريتش وبن غفير وحتى آخر من يطلقون الهراءات في وسائل الاعلام، قام بشتمه واستهزأ به. لا ينسى اليمين له “التسامح” مع الذين أعلنوا بأنهم سيتوقفون عن التطوع اذا لم يتم وقف الانقلاب النظامي. الموقف الرسمي لهليفي، الذي سيكون بالتأكيد أيضا موقف المرشحين لوراثته، هو العمل ضد كل مظاهر الرفض مهما كانت. ولكن الواقع ليس أوراق مواقف؛ الواقع المشوه لكاتس ومن ارسله أسوأ بكثير. هما سيرغبان في معرفة أن المرشحين لهذا المنصب سيفضلون محاربة “الرافضين” من “اخوة في السلاح” على الرافضين الحقيقيين؛ الشركاء في الائتلاف من “شاس” و”يهدوت هتوراة”.
عن “هآرتس”




