“لم يبقى لدينا ما نخسره”، لسان حال أهل قطاع غزة اليوم بعد أن فقدوا الأبناء والاحفاد والأمهات والآباء. بيوتهم تحولت إلى ركام، وخيامهم البلاستيكية التي لا تقي من حر صيف ولا من برد شتاء تلاحقها صواريخ الحقد الصهيوني. يتفنن جيش الاحتلال في ابتداع أساليب التدمير النفسي والمعنوي باجبارهم على النزوح والتنقل من منطقة إلى أخرى ذهابا وايابا في مسار أقسى من طريق الجلجلة. يبحثون عن النجاة بأرواح أبناءهم في وقت يعلن فيه أحد أبناء القادة الحمساويين أن لديهم ما يكفي من الاكفان للاطفال.
لم يبقى لأهل غزة ما يخسروه، فخرجوا إلى ما كان في الماضي شوارعا في مناطق مختلفة من القطاع، متحررين من عقدة الخوف والتنكيل، ومطالبين بالحياة ووقف مسلسل الموت والمتاجرة بدمائهم، وخروج حماس من الحكم لأن الصمت لم يعد خيارا. اختفت طواقم قناة التضليل “الجزيرة” ولجأ مراسلوها للاختباء في أماكن مغلقة كالمستشفى الاندونيسي وغيره تجنبا لنقل الحقيقة، لأن الحقيقة هي النقيض لاعلامهم المأجور. أما العقل الإخواني السلطوي فهو لا يرى في احتجاجات أهل غزة وارادتهم في الحياة سوى خيانة وتعاملا مع العدو الصهيوني، إذ صرح مصدر فيما يسمونه بالجبهة الداخلية في القطاع بأن العذاب والمعاناة أفضل من أن تكون في صف العدو. ثم تطالعنا الحركة ببيان تعلن فيه أن الإحتجاجات في غزة تخدم إسرائيل وتشق الصف الفلسطيني، في إشارة إلى أن كل من يخرج عن طوعهم هو عميل وخائن .
وعلى مدى المراحل السابقة لم تكن حركة حماس راغبة في قراءة المشهد جيدا، لأن رؤيتها لشعب فلسطين ولكل الجغرافيا نبتت من جذور الإسلام السياسي الإخواني الذي تغيب عنه قيمة الإنسان وكرامته لصالح المشروع العام. واليوم ترفض الحركة إدراك الواقع، تصم آذانها وتغمض أعينها حتى لا ترى ولا تسمع نبض الشارع الغزاوي الرافض للموت والتهجير والاندثار من أجل بقاء هذا أو ذاك. لكن من الصعب اليوم على كائن من كان إلصاق تهمة العمالة والخيانة بالجماهير المنتفضة لأنهم جميعهم مشاريع شهادة، تصطادهم الصواريخ الصهيونية كل يوم في حرب لم يختاروها، بل بادر إليها أصحاب الأجندات والمغامرات العبثية والتي تستغلها دولة الإجرام للامعان في القتل وإنهاء الوجود الفلسطيني.
فمنذ ذلك الانقلاب في القطاع عام ٢٠٠٧ صاغت الحركة معادلة “كل من ينتقد خائن وكل من يعارض عميل”. لكن حين يفقد الإنسان كل شيء ولا يتبقى لديه ما يخسره، يمزق عباءة الخوف ويكسر جدار الصمت، وينتفض في وجه مشروع الموت من أجل مشروع الحياة لمن تبقى من أطفاله أو عائلته.
رغم كل ذلك وكالعادة لا تريد حماس قراءة المعطيات الجديدة حتى في الداخل الإسرائيلي. فنتنياهو المتعجرف والمدعوم بشكل غير مسبوق من الإدارة الأمريكية الحالية، يحسن ترتيب أوراقه. فبعد استئنافه للحرب على القطاع، تمكن من الفوز في صراع الموازنة العامة التي مررها في الكنسيت، مما يضمن له البقاء رئيسا للحكومة حتى العام ٢٠٢٦ ، لأن الفشل في تمرير الموازنة كان سيعني سقوط الحكومة وفقا للقانون الإسرائيلي، ولذلك اختار نتنياهو عودة بن غفير إلى الحكومة لإقرار الموازنة لمنع سقوطها تلقائيا. ومن المعروف أن استئناف الحرب على القطاع وتكثيف حرب الإبادة كان شرطا لدى بن غفير للعودة.
مخطئ من يعتقد أن الهم الأساس لنتنياهو اليوم هو القضاء على حركة حماس، لأن وجودها وإن ضعيفة، يمثل له حجة ومبررا يتكىء عليه للاستمرار في حرب الإبادة والتطهير وتفريغ القطاع. فخطة ترامب للتهجير وإن تراجع الكلام عنها نسبيا، إلا أنها ما زالت قائمة، كما أن العدو الصهيوني مستمر في إجراءاته التهجيرية،حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أن مديرية خاصة تم إنشاؤها في وزارة الدفاع للمغادرة الطوعية لسكان غزة، وستباشر العمل على ترتيبات المغادرة بحرا وجوا وبرا. ولذلك فإن نتنياهو لم يستنفذ حتى اللحظة اهدافه من وجود حركة حماس في القطاع، كما وأن الحركة لا زالت تبني سياساتها على نظريات وبأدوات قديمة تجاوزتها الأحداث. فهل تدرك الحركة أن ورقة الرهائن الإسرائيليين الموجودين لديها قد فقدت زخمها بعد استرجاع معظمهم في جولات التبادل السابقة، ولم يتبقى من الأحياء في يدها سوى قلة من الجنود، وهؤلاء عسكريون يمكن لنتنياهو أن يتخلى عنهم بوصفهم جنودا يمكن أن يتعرضوا للقتل دفاعا عن الكيان وليسوا مدنيين يتوجب الدفاع عنهم، بل ويمكن أن يفقدوا حياتهم على يد الجيش الإسرائيلي نفسه في ظروف محددة استنادا إلى نظرية أو قانون هانيبال المعتمد لدى دولة الإحتلال. وبذلك يتحول موضوع الرهائن من ورقة ضغط لدى حماس إلى عبء عليها، ورقة يستخدمها نتنياهو للهروب إلى حرب جديدة. ولذلك ليس في وارد نتنياهو التفاوض بمبدأ مقايضة من تبقى من الرهائن بأي دور أمني أو إداري أو سياسي لحماس في المستقبل، بل انه الآن ليس في وارد التفاوض لوقف الحرب بشكل نهائي لا سيما بعد سيل المتغيرات الدراماتيكية في المنطقة التي خدمت أهدافه وطموحاته وعلى مختلف الجبهات. لا تريد الحركة أن تفهم ان إسرائيل قد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز حدودها غزة وفلسطين لتطال الشرق الأوسط بأكمله. فبعد حربه على لبنان وتمدده في سوريا وانكفاء المحور الإيراني، بدأت تلوح في الأفق معالم صراع إسرائيلي تركي على النفوذ والسيطرة في سوريا. فقد ذكرت القناة ١٢ الإسرائيلية قبل أيام بأن الضربات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا هي رسالة لتركيا، كذلك ذكر نتنياهو أمام مستشاريه بان المواجهة مع تركيا في سوريا حتمية. يأتي ذلك بعد سلسلة أنباء عن توافق سوري تركي لإنشاء قواعد عسكرية تركية في سوريا للمساعدة في بناء الجيش السوري الجديد.
إن تشويه احتجاجات أهلنا في القطاع ووضعها في إطار خدمة العدو الصهيوني هو العار بعينه. فهذه الجموع خرجت مطالبة بوقف آلة الحرب والعيش بسلام كما كل شعوب الأرض، وامتلكت الجرأة لمطالبة حركة حماس بالنزول عن الشجرة والاستماع إلى صوت العقل إنقاذا لما ولمن تبقى. كما وأسقطت مقولات الصهاينة بأن كل غزة هي حماس تلك المقولة التي كانت تستخدم كمسوغ لحرب الإبادة ، واظهرت للعالم ايضا أنه لا يمكن اختزال أهل غزة بفصيل أو حركة أو حزب.





