الإثنين, مايو 4, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارنتنياهو يدفن مستقبل إسرائيل في رمال غزة

نتنياهو يدفن مستقبل إسرائيل في رمال غزة

بقلم: عاموس يادلين وأودي أفينتال /تعبّر زيارة ترامب إلى الشرق الأوسط عن رؤية أميركية – عربية مشتركة للتقدم الإقليمي والازدهار الاقتصادي والتطور التكنولوجي المتقدم وازدياد التنسيق السياسي. إسرائيل أمام فرصة تاريخية لتستقل هذا القطار السريع الذي لا ينتظر في المحطة، بعد أن ألحقت إسرائيل ضرراً عسكرياً بالغاً بأعدائها، وبنجاح كبير، وبلغ استخدام الأدوات العسكرية ذروته، خصوصاً في قطاع غزة. والآن، تقف إسرائيل عند نقطة حاسمة لترجمة الإنجازات الميدانية إلى مكاسب استراتيجية توسّع الفجوة في القوة بينها وبين أعدائها، وذلك من خلال خطوات سياسية ترسّخ العلاقات مع الولايات المتحدة، وتعزز اندماجها في المنطقة وشراكاتها، كجزء من نظام إقليمي محدّث يشكل ثقلاً موازناً لإيران.
من أجل اغتنام هذه الفرصة التاريخية، على إسرائيل أن توقف الحرب في غزة، والتي تحققت أهدافها العسكرية منذ وقت طويل، بعد أن تلقت حركة «حماس» ضربة قاسية تمنعها من تكرار هجوم 7 تشرين الأول. سيتيح وقف الحرب لإسرائيل التقدم نحو صفقة شاملة لتحرير المخطوفين، وإعادة التركيز على مسار التطبيع مع السعودية، وضمان انخراط الدول العربية في حلّ مسألة غزة، واستثمار هذا التحول لتعميق التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن المعايير التي ستوقف البرنامج النووي الإيراني وتضمن عدم تمكّن طهران من الوصول إلى سلاح نووي.
في المقابل، إذا أصرّت الحكومة الإسرائيلية على مواصلة الحرب وتوسيعها إلى ما لا نهاية، ومن دون جدوى، بذريعة السعي لتحقيق نصر كامل على «حماس»، أو بهدف إيجاد ضغط من أجل صفقة تبادُل جزئية، فإنها ستفشل في تحقيق أهداف الحرب، وستواصل إضعاف مكانة إسرائيل وتعميق عزلتها، وسيرسّخ نتنياهو موقعه كـ»مُعرقل» إقليمي. وفقاً لهذا السيناريو الذي يتبلور أمام أعيننا، قد تُقدم الولايات المتحدة ودول المنطقة على فرض إنهاء الحرب، بمبادرة منها، أو في المقابل، قد تفقد اهتمامها بقطاع غزة، وتترك إسرائيل تغوص وحيدة في هذه المشكلة، خارج صفقات الاستثمار الضخمة، والمشاريع التكنولوجية الرائدة (في مجالات الذكاء الاصطناعي، والشرائح الإلكترونية، وغيرها)، وخارج المسارات الإقليمية.
في أعقاب إصرار الحكومة على مواصلة الحرب الاختيارية، التي تفتقر إلى أيّ جدوى وطنية في غزة، يبدو أن إسرائيل، بقيادتها، تفقد السيطرة على أمنها القومي، بالتدريج، لدرجة أن حليفتها الكبرى والوحيدة، الولايات المتحدة، تفاجئها بدفع عمليات استراتيجية محورية في القطاع والمنطقة، مع تجاهُل تام للمصالح الإسرائيلية.
وفي ظلّ التخبط في الحرب على غزة، وفي أثناء زيارته للشرق الأوسط، أدار ترامب مفاوضات مباشرة مع حركة «حماس» من وراء ظهر إسرائيل، وبتجاهُل تام لها، من أجل الإفراج عن المواطنين الأميركيين الأسرى في غزة، حتى إنه توصل إلى تفاهمات إضافية مع «حماس». فطريقة الإفراج عن الجندي عِيدان ألكسندر، على الرغم من أنها حدث مُفرح بحد ذاته، فإنها تمثل ذروة جديدة لعملية تهميش إسرائيل وإبعادها عن الخطوات التي يقودها البيت الأبيض في المنطقة، ويُعد ذلك تعبيراً عن رؤية أميركية تعتبر أن السياسة الإسرائيلية لا تساهم في تحقيق الاستراتيجية التي يسعى ترامب لدفعها في الشرق الأوسط، بل تعرقلها.
إن استدعاء نتنياهو إلى البيت الأبيض لتبليغه، في اللحظة الأخيرة، أن الإدارة الأميركية دخلت في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، والقرار الذي فاجأ إسرائيل بخصوص وقف الحرب مع اليمن لتقليل الخسائر، وكذلك فصل مشروع الطاقة النووية المدني في السعودية عن مسار التطبيع بينها وبين إسرائيل، أمور كلها عبارة عن إشارات تحذير ساطعة إلى التدهور المرتقب في متانة العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وقد تدخل حكومة نتنياهو في مواجهة مباشرة وصدامية مع ترامب، وهو ما قد يجعله يسرّع خطواته لتشريع المشاريع النووية في كلٍّ من إيران والسعودية، من دون أخذ مواقف إسرائيل ومصالحها في الحسبان، وقد يُقدِم على خطوات ترغم إسرائيل على الانصياع، مثل وقف المساعدات العسكرية الحيوية لحرب طويلة في غزة، أو إيران، وربما يمسّ بجوانب أُخرى من العلاقات بين البلدين، بما في ذلك تآكل الالتزام الأميركي بشأن الحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي. وفي هذا السياق، ربما لم تأتِ تصريحات نتنياهو من العدم خلال نقاش في لجنة الخارجية والأمن بشأن ضرورة «الفطام» عن المساعدات الأمنية الأميركية.
في المقابل، إن الموافقة على وقف الحرب في غزة ينطوي على إمكانات أكبر لتحقيق أهدافها عبر وسائل سياسية، مقارنةً باستمرارها العسكري من دون غاية أو جدوى، والذي يجرّ إسرائيل إلى الغرق في القطاع بثمن باهظ من حياة المخطوفين وجنود الجيش وأمن إسرائيل لسنوات طويلة مقبلة. فإلى جانب تحرير الأسرى، تستطيع إسرائيل مطالبة إدارة ترامب، في المقابل، بضمانات جانبية شبيهة بتلك التي حصلت عليها لدى وقف إطلاق النار في لبنان، وتنص على أن إعادة إعمار غزة لن تتم إلا بالتزامن مع نزع سلاحها وإنهاء حُكم «حماس»، مع احتفاظ إسرائيل بحقها في العمل بكافة الوسائل لمنع إعادة بناء «الإرهاب» وتعاظُمه، ومحاسبة منفّذي «مجزرة» 7 تشرين الأول.
أمّا الخطة المصرية – العربية للإدارة في غزة وإعادة إعمارها، والتي تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، فستكون مشروطة بنزع سلاح القطاع، بموافقة دولية وإقليمية، وهو ما يعزز بشدة الضغط الشعبي على «حماس» من طرف سكان غزة. وفي ظل هذه الأوضاع، ستدخل قوات عربية إلى غزة لتحل محل «حماس»، بالتدريج، مستغلةً الضربة التي تلقّتها وضعفها، بدلاً من أن تضطر إسرائيل إلى احتلال القطاع والسيطرة عليه بشكل دائم، بكل ما يحمله ذلك من تبعات عسكرية، واقتصادية، وسياسية وأخلاقية.
في المحصلة، لا يزال في إمكان نتنياهو الظهور كقائد، ويتحرر من قبضة اليمين المتطرف المسيحاني داخل حكومته، من أجل أمن إسرائيل القومي. وعلى النقيض من ذلك، فإن توسيع الحرب في غزة من أجل «إنعاش» هذه الحكومة سياسياً، سيزج بها في عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة، وسيدفع الثمن من حياة الأسرى والقتلى والمصابين في صفوف جنود الجيش، النظاميين والاحتياط، ومن الموارد الوطنية والاقتصاد، ومن مكانة إسرائيل وقوتها.

عن «N12»

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب