بين القلق والخشية من المجهول، يعيش اللاجئ الفلسطيني في لبنان على وقع هواجس الحرب الأمريكية الإسرائيلية على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا “وارتداداتها على واقعه المعيشي وعلى حياة أبناءه ومستقبلهم. فهذا اللاجئ يجد نفسه عالقا بين مطرقة المنع من العمل في لبنان والقوانين المجحفة بحقه وبين سندان تقليص الأونروا لخدماتها إلى حد لافت واحتمالية توقف بعضها أو معظمها كنتاج لتلك الحرب المعلنة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والتي تحمل ابعادا سياسية هدفها القضاء على قضية اللاجئين والقضية الفلسطينية برمتها. صحيح أن هذا الواقع يشكل عامل تهديد لكل اللاجئين الفلسطينيين في الأقاليم الخمسة التي تقع ضمن نطاق عمل الأونروا، كما انه ،في الوضع الحالي، لا يمكن المقارنة بين معاناة أبناء شعبنا في اي منطقة أو إقليم وبين ما يتعرض له أهلنا في قطاع غزة من إبادة وقتل ممنهج ومحاولة اقتلاع جماعي من أرض الآباء والاجداد، والتي كانت إحدى ادواتها استهداف الأونروا وتدمير مراكزها الخدمية والصحية والتعليمية والقضاء على كل مقدراتها. لكن الهدف الأمريكي الصهيوني لا يقتصر بابعاده على إنهاء عمل الأونروا في القطاع والقدس والضفة الغربية، وإنما يهدف إلى القضاء عليها نهائيا لما تمثله من بعد سياسي عالمي يكرس حقوق اللاجئين بصفتها الهيئة الوحيدة الضامنة للوضع الدولي للاجئين الفلسطينيين من احتلال أرضهم وإقامة دولة الاحتلال عليها ، ومن كون وجودها شاهدة على المأساة والنكبة، ومتراسا لحق العودة. لذلك توظف الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها على النظام الدولي والهيئات الاممية من أجل القضاء على هذه المنظمة الدولية استجابة للادعاء والاطماع الصهيونية.
والحقيقة أن الحرب الأمريكية على الأونروا لم تبدأ مع السابع من أكتوبر بل قبل ذلك بسنوات. ففي عام ٢٠١٨ أعلنت إدارة ترامب عن وقف جميع المساعدات المالية للاونروا، حيث كانت الولايات المتحدة اكبر المانحين قبل هذا القرار وكانت تساهم بنحو ثلث ميزانية الوكالة. وفي العام ٢٠٢١ استأنفت واشنطن تقديم التمويل بعد انتخاب الرئيس بايدن، لتعود مجددا عام ٢٠٢٣ لتعليقه على خلفية اتهام وجهته إسرائيل لبعض موظفي الوكالة بالمشاركة بأحداث السابع من أكتوبر.
وقبل ذلك كانت الأونروا تعاني من أزمة مالية حادة لها أسبابها، ترافق ذلك مع مرور لبنان بأسوأ ازماته المالية والاقتصادية في التاريخ، مما انعكس أيضا سلبا على حياة اللاجئ الفلسطيني حيث أفادت التقارير أن ٨٦ بالمئة من لاجئي فلسطين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر، مع تصاعد القلق إزاء الوضع المالي المتردي للاونروا وقدرتها على مواصلة تنفيذ مهام ولايتها في مواجهة التحديات المالية والسياسية، لا سيما وانها تعتمد على المنح والتبرعات الطوعية المقدمة من مجتمع المانحين الذين تتأثر مساهماتهم بالمتغيرات السياسية الدولية والاقليمية وعلى رأسها الضغوط الأمريكية الكبرى. فبسبب نقص التمويل اضطرت الأونروا إلى إدارة السيولة النقدية بشكل شهري، مما أدى الى تقليص في العديد من الخدمات المقدمة ومن تغطية البرامج الصحية والتعليمية والخدمية، وتعليق العديد من البرامج المهمة والتي كانت تخفف من وطأة الحاجة والفقر، كبرنامج المساعدات النقدية التي كان يتم تقديمها لأبناء المجتمع الفلسطيني ممن هم دون سن الثامنة عشر وفوق سن الستين ولذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تعجز الأونروا منذ أشهر طويلة عن إيجاد التمويل اللازم لهذا البرنامج. كذلك فإن عملية دمج بعض المدارس والتوجه نحو نظام الدوامين(مدرسة قبل الظهر واخرى بعض الظهر في ذات المبنى) كان له أثره السلبي على الواقع التعليمي للاجىء الفلسطيني. فعلي صعيد المثال،تم إقفال مدرسة فلسطين في البرج الشمالي في منطقة صور ونقل طلابها إلى مدرسة أخرى في ظل الاكتظاظ الهائل في الصفوف الذي يتجاوز في أحسن حالاته الخمسين تلميذا في معظم المدارس. كذلك فإن هناك ثلاثة مدارس في مخيم عين الحلوة في منطقة صيدا تضررت وبشكل كبير خلال الاشتباكات بين حركة فتح والجماعات التكفيرية صيف العام ٢٠٢٣ لم يتم ترميمها حتى الآن، ويتم نقل التلاميذ الى مدارس أخرى ضمن نظام الدورتين في المبنى الواحد،كما ان مكتب مدير المخيم الذي تضرر خلال تلك الاشتباكات لم يتم حتى الآن ترميمه أو إعادة اعماره، ويمارس المدير عمله من مكتب منطقة صيدا الواقع في مدينة صيدا خارج المخيم.
كذلك فإن الأزمة التي تعصف بالاونروا نتيجة الهجمة الأمريكية الصهيونية وخضوع بعض المانحين للضغوطات وتردد البعض الآخر، يثير المخاوف لدى أهلنا في مخيم نهر البارد في الشمال اللبناني من احتمالية عدم التمكن من الاستمرار في ترميم وإعادة إعمار المخيم الذي تعرض لدمار كبير إثر المعارك التي خاضها الجيش اللبناني مع تنظيم فتح الاسلام والجماعات التكفيرية عام ٢٠٠٧ ، لا سيما وانه تم إبلاغ المعنيين بأن التمويل من قبل المانح الألماني هو آخر تمويل من هذا الطرف، وهذا يضع الأونروا أمام معضلة جدية ان لم يتم توفير التمويل اللازم لاستكمال برنامج الترميم وإعادة الاعمار.
على الصعيد الصحي، تترك الأزمة بصماتها على مجمل النواحي الخدمية في هذا المجال، من نقص في تأمين بعض أصناف الدواء وعدم الاستقرار في تأمين بعضها الآخر، إلى تقليص في تغطية جزء من خدمات الاستشفاء وغيرها. كذلك كان للأزمة انعكاساتها على صعيد تغطية الشواغر في الوظائف لدى الأونروا في مختلف المجالات. كل ذلك كانت له،ولا زالت، تأثيراته السلبية على حياة اللاجئ الفلسطيني في لبنان مع خوف متزايد مما يمكن أن تحمله قادم الأيام من ارتدادات كارثية إذا ما تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤهم من تحقيق اهدافهم في هجمتهم على وكالة الاونروا. فهذه الوكالة الاممية بالنسبة للفلسطيني في لبنان تمثل حاجة وطنية واجتماعية وخدماتية وانسانية لا يمكن السماح بالقضاء عليها،فهي الشاهد على النكبة والضامن للوضع الدولي للاجىء لحين العودة.





