واشنطن – “القدس” دوت كوم – سعيد عريقات
ويُشير مصطلح “السنوات الحياتية المفقودة” إلى مجموع السنوات التي كان من المتوقع أن يعيشها الفلسطينيون الذين فقدوا حياتهم، لو لم يتعرضوا للقتل المبكر. وبحسب التقرير، فقد أُجريت الحسابات استنادًا إلى جداول الحياة المبسطة للفلسطينيين لعام 2022 وفق بيانات الأمم المتحدة للسكان والوفيات، مع الأخذ بعين الاعتبار الجنس والفئة العمرية.
وحدد التقرير أن عدد السنوات الحياتية المفقودة بين الذكور بلغ حوالي مليوني سنة، في حين بلغت بين الإناث أكثر من مليون سنة. كما أكد أن معظم هذه الخسائر وقعت بين المدنيين، حتى عند تطبيق التعريف الموسع للقتال الذي يشمل جميع الذكور بين 15 و44 عامًا. وللأطفال دون سن الخامسة عشرة نصيب كبير من هذه الخسائر، حيث فُقد أكثر من مليون سنة حياتية لهم.
ويأتي هذا التقرير بعد أسابيع قليلة من بدء وقف إطلاق النار في غزة، الذي لم يمنع استمرار القصف الإسرائيلي. فقد قُتل أكثر من 150 فلسطينيًا منذ تطبيق ما يُعرف بخطة السلام الأمريكية، بينهم أكثر من 100 شخص في أقل من 12 ساعة بتاريخ 29 أكتوبر، بعد ادعاء إسرائيل خرق حماس للهدنة.
وتُشير وزارة الصحة في غزة إلى أن عدد القتلى الرسمي تجاوز 71 ألف شخص، إلا أن تقارير علمية ومنظمات دولية، بما فيها “ذا لانسيت”، تشير إلى أن الرقم الحقيقي قد يقترب من 100 ألف، وقد يصل إلى نحو نصف مليون حالة وفاة إذا أُضيفت الوفيات غير المباشرة الناتجة عن تدهور الخدمات الصحية والجوع والأمراض.
تسلط هذه البيانات الضوء على البُعد الإنساني الهائل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث لا يُقاس حجم الكارثة بعدد القتلى فحسب، بل بما يُعرف بـ”السنوات الحياتية المفقودة”، التي تعكس خسارة المجتمعات لفئات عمرية كاملة كان من الممكن أن تسهم في التنمية والتعليم والمجالات الثقافية والاجتماعية.
إن استخدام معيار “السنوات الحياتية المفقودة” يضيف بعدًا علميًا حاسمًا لفهم أثر الحروب على المجتمعات، فهو يقيس الخسارة البشرية بطريقة تتجاوز الأرقام الإحصائية التقليدية، ويبرز الأثر طويل الأمد على النسيج الاجتماعي والأسري.
كما يؤكد التقرير أن المدنيين والأطفال هم الأكثر تضررًا، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى احترام قوانين الحرب الدولية وحقوق الإنسان في مناطق النزاع، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية.
التقرير يعكس أيضًا فجوة خطيرة بين الأرقام الرسمية والحقائق الميدانية، وهو ما يشير إلى الحاجة إلى آليات مستقلة وشفافة لرصد الخسائر الحقيقية، مع التأكيد على أهمية تقديم المساعدات الطبية والإغاثية الطارئة للسكان المتضررين.
في النهاية، ما كشفه “ذا لانسيت” ليس مجرد رقم، بل صرخة إنسانية عالمية تحذر من أن استمرار هذا الصراع سيكلف البشرية ثمنًا لا يُقاس فقط بالأرواح، بل بسنوات كاملة من الحياة التي لم تُعش، وبإمكانات بشرية ضائعة كان من الممكن أن تسهم في بناء مستقبل أفضل للجميع .





