أقلام واراءزوايا

الصراع الإسرائيلي الداخلي طفا على السطح بقلم: بلال ضاهر


أعاد رئيس كتلة “أزرق أبيض”، بيني غانتس، تفويضه بتشكيل حكومة إلى الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، بعدما فشل طوال مهلة الـ28 يوما بمهمته. وسبقه فشل زعيم حزب الليكود ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي لم ينجح بتشكيل حكومة خلال مهلة تفويضه بذلك. وجاء فشلهما بعد انتخابات الكنيست التي جرت في أيلول. وكان نتنياهو قد فشل بتشكيل حكومة بعد انتخابات الكنيست التي جرت في نيسان الماضي، وبعد مهلة تفويض استمرت 42 يوما، وقرر بعدها حل الكنيست.
وبعد جولتي الانتخابات، في العام الحالي، تبدو الأمور الآن أن المؤسسة السياسية الإسرائيلية وصلت إلى طريق مسدود، لا تقودها إلى أي مكان، باستثناء العودة إلى البداية، إلى انتخابات ثالثة للكنيست، والمحاولة من جديد لتشكيل حكومة.
ورغم أن التفويض بتشكيل حكومة سلمه ريفلين للكنيست، كي يحاول أحد أعضاءه الحصول على دعم 61 عضوا لتشكيل حكومة، خلال الـ21 يوما المقبلة، إلا أن احتمال نجاح خطوة كهذه ضئيل للغاية.
ويعتبر الكثيرون أن رئيس حزب “اسرائيل بيتينا”، أفيغدور ليبرمان، تسبب بهذه الأزمة لأنه رفض الانضمام إلى كتلة أحزاب اليمين والحريديين، بعد جولتي الانتخابات. ولو وافق على ذلك لتشكلت حكومة أخرى برئاسة نتنياهو، ولما كانت هناك حاجة لجولة الانتخابات الثانية.

ومبررات ليبرمان لموقفه هذا واضحة، وهي أنه لا يريد المشاركة في ائتلاف حكومي يضم الأحزاب الحريدية، حزب شاس وكتلة “يهدوت هتوراة”، وإنما يريد المشاركة في حكومة قادرة على سن قوانين جديدة تتعلق بالأحوال الشخصية خصوصا، تلبي احتياجات جمهور ناخبيه، وتغيير الستاتيكو (الوضع القائم) في العلاقة بين الدين والدولة، الذي يسيطر الحريديون عليه منذ تأسيس إسرائيل.

إلا أن هذا جزء من الحقيقة، ولا يعكس الواقع كلّه في إسرائيل. فقد رفضت كتلة “أزرق أبيض” أيضا الانضمام إلى حكومة يشارك فيها الحريديون والخلاصيون، أي الأتباع المتشددون لتياري الصهيونية الدينية والحريديون القوميون، أمثال عضوي الكنيست بتسلئيل سموتريتش ورافي بيرتس. من جهة أخرى، فإن ليبرمان شارك في حكومات عديدة ضمّت الحريديين، كما أن ليس جميع قادة “كاحول لافان” يرفضون الجلوس مع الحريديين في حكومة واحدة، وإنما يعارض ذلك بالأساس رئيس حزب “ييش عتيد”، يائير لبيد.

ويبدو أن الأزمة السياسية الحالية تعود لأسباب تاريخية، وتحولات في السنوات الماضية، وأبرزها أن الصراع الديني – العلماني في إسرائيل طفا على السطح. فقد كان الرأي السائد في العقود الماضية أن إسرائيل بحاجة إلى الصراع مع الخارج، أي العرب وخاصة الفلسطينيين، من أجل صيانة تكتل اليهود في الداخل. ويعود ذلك إلى أن اليهود في إسرائيل منقسمون إلى فئات ومجتمعات وطوائف متنوعة ومختلفة، بل ومتخاصمة في بعض الحالات، والقاسم المشترك بينهم هو الديانة اليهودية فقط، التي تجري محاولة تحويلها إلى “شعب”.

وفي هذا السياق، بالإمكان تقسيم اليهود في إسرائيل إلى أربع مجموعات، يوجد تداخل كبير بينها:

1. اليمين، ويضم حزب الليكود وأحزاب الحريديين والصهيونية الدينية. وتوجد في الليكود أجنحة حريدية وصهيونية دينية ومهاجرون روس. وهذا الخليط يمثل التيار المتدين. ويضاف إلى تيار اليمين حزب “اسرائيل بيتينا” الذي يرأسه ليبرمان، وتأسس كحزب يمثل المهاجرين الروس.

2. الوسط – يمين ويضم “أزرق أبيض”، والوسط – يسار ويضم حزبي العمل وميرتس، وهذا تيار علماني، أو تغلب عليه الصبغة العلمانية.

3. المهاجرون الروس، وبينهم يهود وغير يهود وعلمانيون يمينيون (يشكلون أغلبية تصوت لليكود أو لـ”اسرائيل بيتينا”.

4. صهاينة ينتمون لليمين، أي لليكود والصهيونية الدينية، وصهاينة ينتمون لجميع أحزاب الوسط – يمين والوسط – يسار؛ غير صهاينة، وهم بالأساس الحريديون الأشكناز، وتمثلهم كتلة “يهدوت هتوراة.

في الماضي، لم ترفض الأحزاب “العلمانية”، مثل الليكود والعمل، مشاركة الحريديين في حكوماتهم، كما لم يرفض حزب العمل مشاركة خصمه الأكبر، في حينه، الليكود، في حكومة واحدة، أو الانضمام إلى حكومة برئاسة الليكود. وهذا المشهد لم ينجح الآن، بعد أن حلّت “كاحول لافان” مكان حزب العمل مقابل الليكود. وكان حزب “شينوي”، برئاسة يوسف لبيد (والد يائير لبيد)، الحزب الصهيوني الوحيد، في التسعينيات وبداية سنوات الألفين، الذي يخوض الصراع ضد الحريديين.

وبرز الصراع العلماني – الديني بقوة، لدى تشكيل نتنياهو حكومته الثالثة، عام 2013. فقد بقيت الأحزاب الحريدية خارج هذه الحكومة، بعد اشتراط “ييش عتيد” برئاسة يائير لبيد وكتلة “البيت اليهودي” الصهيونية الدينية برئاسة نفتالي بينيت، انضمامهما لحكومة بدون الحريديين. وعلى ما يبدو أن موقف لبيد كان نابعا من الصراع العلماني – الديني، بينما موقف بينيت المتدين نابع من أسباب عدة بينها أن الحريديين، وخاصة الأشكناز، ليسوا صهاينة أو “شبه صهاينة”. وبعد انتهاء ولاية الحكومة، تراجع بينيت عن موقفه حيال الحريديين، بينما استمر لبيد بالإصرار على موقفه حتى اليوم.

وعودة الصراع العلماني – الديني بقوة، الآن، والتخلي عن فكرة “التكتل اليهودي”، نابع من عدم وجود تهديد خارجي جدي، بنظر الإسرائيليين، ما يسمح بالتفرغ للصراع الداخلي، بهدف كبح سيطرة الحريديين على مجال الأحوال الشخصية، وما يصفه “العلمانيون” بتقاسم الأعباء، بأن يدخل الحريديون إلى سوق العمل والخدمة العسكرية وتدريس المواضيع الأساسية (كاللغة الانجليزية والعلوم)، والتوقف عن الاعتماد على مخصصات الدولة للمؤسسات الحريدية والأفراد الحريديين، بعد أن أظهرت أبحاث نُشرت في السنوات الأخيرة، أن من شأن تغيير كهذا أن يطور الاقتصاد ويمنع تراجع تطور الدولة.

لكن رغم كل ما تقدم، فإن التوقعات تشير إلى أن انتخابات أخرى للكنيست لن تغير من الاصطفافات الحزبية، بل أن نتائجها قد تكون متطابقة تقريبا مع نتائج جولتي الانتخابات الماضية. والمتغير الوحيد الذي قد يطرأ هو رحيل نتنياهو بعد توجيه لوائح اتهام بشبهات فساد ضده. ورفض نتنياهو الانفصال عن الحريديين من أجل تشكيل حكومة مع “أزرق أبيض” وليبرمان من دونهم. وليس مؤكدا أن ينفصل خلفه عن الحريديين أيضا، خاصة وأن التوقعات الديموغرافية تشير إلى ازدياد كبير في نسبة الحريديين بين السكان في المستقبل، وبذلك يشكلون مخزون مصوتين لا يستهان به، لتُرحّل الأزمة السياسية إلى الانتخابات المقبلة، وقد تكون انتخابات 2020 الأولى وليس الأخيرة في العام المقبل.

عن “عرب ٤٨”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق