الرئيسيةزواياثقافة وادب"اسمي زيزفون".. حكايات سوريّة تستعصي على الوصف!

“اسمي زيزفون”.. حكايات سوريّة تستعصي على الوصف!

الايام- بديعة زيدان:استطاعت الروائية السورية سوسن حسن جميل، أن تمدّ جسوراً ما بين كتلتين سرديّتين حول بلادها المنكوبة، حتى تلتصقان مشكّلتين معاً رواية “اسمى زيزفون” الصادرة عن منشورات الربيع في القاهرة، وتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، بوصولها إلى القائمة الطويلة.

“ماتت زيزفون، بسلامة راسكم”، كانت هذه الجملة الافتتاحية للرواية، هي عتبة مُشوّقة بفعل تلاشيها سريعاً كفقاعة صابون، حيث تبيّن للميتة المٌفترضة التي تخطت عتبة الستين من عمرها، كما للحزينين بهذا النبأ السرابي، أنها محض غيبوبة عابرة لتلك المولودة في 17 نيسان 1958، وهو “يوم الجلاء” الذي كان احتفالاً وطنيّاً في الضيعة “العلوية”.

كان والدها التسعيني المؤيد للنظام السوري، على النقيض منها، ينتظرها ولداً ليسميه “جهاد” فأسماها “جهيدة”، وهو الاسم الذي أعاده الطبيب إلى الحياة بعد أن دفنته لأعوام، حيث بات الجميع أو الغالبية العظمى ممن هم حولها يعرفونها باسم “زيزفون”، وهو اسمها الذي ألبستها إيّاه والدتها، وسكنها حدّ التماهي.

وما بين واقع مُعاش في العام 2019، وتبعات الأحداث المتواصلة منذ ما قبلها بثمانية أعوام، وما بين استعادات “من الدفتر” ترجع إلى ما يزيد على النصف قرن، تنقلنا الروائية ما بين ليس فقط أزمنة وأمكنة متعددة تعكس ما كانت عليه سورية وما آلت إليه ولا تزال، بل ما بين الشخصية المحورية وما بينها أيضاً، أي ما بين “جهيدة” و”زيزفون”، وما بين “زيزفون” ونفسها، مع عبور شخصيات لم يكن دكّان والدتها هو ملجأ حكاياتها فحسب، في اختلاط للفسيفساء السورية وداخل نفوس باتت لا تعرف نفسها.

لم يكن ثمة ضحايا بوقع “براميل النظام” في ضيعتها “العلوية”، بل إن غالبية ضحايا البيوت المجاورة هم من عناصر الجيش السوري، ممن أجبروا أو لم يُجبروا على الانضمام إليه، وسط خلافات داخل البيت الواحد إزاء ما يحدث، ومن المتسبب به، ففي وقت كان يرى فيه والدها التسيعيني أن المعارضين محض إسلاميين يريدون تدمير سورية، كانت هي في الجهة المقابلة له، إلى حدّ ما.

“الضحايا عددهم كبير (…) بكى وراح يشهق حتى لم يعد بإمكانه مواصلة الحديث، يبكي ويقول سأموت وفي قلبي حرقة على هالبلد، لماذا يتآمرون عليه؟.. طوّل بالك يا بيّي، بكرا بترجع سورية أحسن من الأول، أصلاً لازم ترجع أحسن من الأول، وإلا ما قيمة الدم الذي سقى ترابها؟.. صار يشهق أكثر ويقول: يا بنتي أنا خايف من الأعظم، خايف عالبلاد، وليس على نفسي، أنا سأموت، لكن خوفي أنو تصير سورية في الأيام القادمة بإيد التكفيريّين، ويصير الناس بعدها غير قادرين على العيش مع بعضهم البعض، لم أشأ أن أجادله في قناعته، وهو على أبواب التسعين مكوّماً أمامي مثل هيكل مطوي، لم نتفق أنا وهو طيلة السنوات الماضية على رأي أو موقف ممّا يجري، هو الذي أمضى عمره يتهم النظام على ممارساته مع الشعب، على فساده وفساد رجاله، على زجّ المخالفين برأيهم في السجون، بل كثير من رفاقه أو معارفه أمضوا سنوات طويلة في السجون، كانوا ينتمون، إن كان بالفعل أو التعاطف، إلى أحزاب يحاربها النظام.. صار يرى في انتفاضة الناس المسحوقين مؤامرة، وأن المقصود تركيع سورية وخراب شعبها، وتدمير مؤسسات الدولة حتى لا تعود تقوم قائمة لها، وتصبح مرتعاً للنفوذ والسيطرة واستغلال ثرواتها.. نسي أن كل ما كان يحكيه في الماضي، كان كافياً ليمنح الناس شرعيّة انتفاضتهم، صار مؤمناً يوماً بعد يوم أن المستهدف هي سورية بسموّها وأهميتها ودورها القومي، وزيادة على ذلك أن الطائفة مستهدفة وبقوّة، ولم أكن أملك الحجة الكافية لأنفي عن حراك الناس هذه التهمة، إذ يوماً بعد يوم كان الحراك يذوي ويتراجع أمام المدّ الإسلامي، وسيطرة القوى الإسلامية على الموقف وتمثيل الحراك في الخارج، وازدياد الفصائل المسلحة المتطرفة وخطابها الطائفي والإقصائي الكاره للآخرين”.

“شعبان” شقيق “جهيدة” أو “زيزفون” كان ضابطاً فاسداً تقلّد مناصب رفيعة في الجيش، بعد أن تزوج ابنة مَن هو أكثر منه نفوذاً وسلطة وفساداً، في حين أن شقيقتها الصغرى “عواطف” ابنة الخمسة عشر عاماً، وكانت في مدرسة تمريض حكومية داخلية، كانت ضحية هروبها من اعتداء جسدي وشيك اعتاد مدير هذه المدرسة بمساعدة رجال الأمن فيها على تنفيذه مع غيرها من ممرضات المستقبل المُفترضات، إلا أنها وعلى عكس كثيرات، فرّت إلى السطح هرباً منه، وسقطت من علّو، وسُجلت على أنها “مُنتحرة”، بينما فرّ الشقيق الأكبر في العائلة “إبراهيم” من كل هذا السواد إلى أبو ظبي.

كان والدها يرصد “مواكب التشييع لضحايا الجيش في المنطقة، كان يبكي ويقول انظري: شباب مثل الوردة كيف يُقتلون بحقد، ما بقي بيت في هذه المنطقة إلا وقدّم شهيداً أو اثنين أو أكثر.. لقد أصبح طريق الضيعة الصاعد باتجاه الضيع الأخرى مرصعاً بصور ضحايا الجيش، كلهم شباب بعيون فاغرة على الدهشة والخوف.. أحياناً لا أستطيع ضبط نفسي فأردّ عليه: والله قلبي بيتقطّع على هالشباب، بس يا بيّي، يعني الله يكون بعون الناس الساكنين بالمناطق التي فيها مواجهات، شوف كيف البراميل تنهمر عليهم من السما وهم نايمين ببيوتهم، أو أمام الأفران حتى يحصلوا على خبزهم، طيب شو ذنب هالناس؟”.

ويتواصل النقاش ما بينها وبين والدها المسن بدارجة امتزجت، برأيي، بشكل غير موفق، بالفصحى، مشكلة إزعاجاً ما للقارئ في ظل حالة عدم الاتساق هذه، مع أن هذا الحوار يكاد يكون هو التعبير الأمثل عن حالة مؤيدي هذا الفريق أو ذاك أو ما بينهما إزاء الحرب في سورية.

وما بين تلك النقاشات وغيرها من الوقائع السردية وصولاً إلى الزمن الكورونيّ، كانت تعود إلى “دفترها” متحدثة عن ذكريات شخصية أو عائلية، كحكاياتها مع الأستاذ القادم من دمشق إلى ضيعتها، أو الشيخ أديب الذي كان وشى بتلك العلاقة، أو علاقتها الاستثنائية بـ”سعيد” الذي كان يشكل لها ملجأ بل وربما طبيباً نفسيّاً، وأخرى مجتمعية كارتهان النساء لترّهات من يُوصفون بالمشايخ وشعوذاتهم، كـ”الشيخ عبّاس” ومن هم على شاكلته، ومنها الجمعيّة التي شكلت مفاصل تاريخية لا يمكن تجاهلها بالنسبة للسوريين ومجاوريهم كحرب العام 1967، وسقوط الجولان، والضفة الغربية والقدس، وسيناء، ومساحة من جنوب لبنان تحت السيطرة الإسرائيلية.

“لا أعرف كيف راح شريط من الذكريات يكّر في بالي ويستولي على ساحة بصري ويشلّ تفكيري، صرت كأنني في وادٍ بعيدٍ عن الجموع الواقفة أمام القبر.. أعادني إلى الواقع صوت أديب وهو يكمل الدعاء: اللهم اغفر لعبدك واخلف على أهله، اللهم كن مع جيشنا وانصره على أعدائه، وكن مع قائدنا في هذه المحنة التي نمرّ بها وخذ بيده في وجه المؤامرة التي يتعرض لها وطننا.. شعرت أن قلبي ينصهر في صدري، وأن سعيد يختنق في قبره وهو يسمع دعاء أديب (…) في هذه اللحظة انتبهت إلى بعض من الرجال يقفون جانباً لا يشاركون في الصلاة، لكنّ الخوف كان بادياً عليهم، كانوا صامتين في خشوع مهيب كأنما يؤدون صلاة أخرى، عرفت من بينهم سهيل”.

و”سهيل” هذا كان طالباً جامعياً حين انتظمت “زيزفون” في عملها بمقصف الجامعة، وسيق إلى الخدمة الإلزامية في الجيش السوري عقب تخرّجه، وبُعيد أن عُيّن مًدرساً، وبعد أن انتهت مدّة تلك الخدمة سادت حالة من الفوضى والتشديد الأمني بعد سلسلة اغتيالات كانت تجري بين حين وآخر بحق شخصيات محسوبة على “العلويّين”، لتبدأ مواجهات بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، ويرتفع منسوب الاعتقالات السياسية، لتطال “سهيل” من بين من طالتهم، فيغيب في الزنازنين لاثني عشر عاماً، هو الذي في البداية لم تتعرف إليه، فقد “ترك الزمن ندوبه على وجهه وابيض شعره.. عندما تأملته أدركتُ أن السجن لا يُجمّد الأعمار، بل يحرقها.

وفي البلاد التي يلتبس فيها الموت على الناس حيناً، ويتلبّسهم أحياناً، كما سورية التي روتها “زيزفون”، إما أن تكون ظالماً فاسداً قاتلاً، وإما أن تكون مظلوماً مقهوراً مُعدماً، وإن حالفك الحظ، كما “سعيد” و”منير”، فإنك تعتزل الناس إلى حيث البرية، لترافق الكلاب أو الأفاعي والعقارب، أو كما الراوية نفسها التي باتت ترى غيرها في المرآة، وكأن لسان حالها يقول: “كم هو مؤلم أن تتقطع أوصال البلاد، وتتقطع سبل التقاء حتى الأب بابنه، ولا تستطيع الأم احتضان ابنها ووداعه متشبّثة برائحة ثيابه.. هكذا هي الأمور في واقعنا العصيّ على الوصف، كل الأسر منكوبة، كل العائلات لديها ما يفوق احتمالها من النكبات، والفقد، والانهيارات”.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب