
الايام – يوسف الشايب:في كتابها “المُغيّبات: النساء والمدن الفلسطينية حتى سنة 1948″، الصادر بالعبرية، ونشرته، حديثاً، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بالعربية في ترجمة أنجزها علاء حليحل، تناولت الباحثة منار حسن محاور عدة توزعت على أربعة فصول ومدخل وخلاصة، تناولت “الخطاب الجندري في المدينة الفلسطينية”، و”النهضة النسائية في الحيز الحضري”، و”النساء في حيزيّ الترفيه والثقافة”، و”ظواهر من الحيز الاقتصادي”.
وأشارت حسن، وهي محاضرة وباحثة وناشطة نسوية، في أمسية إطلاق الكتاب، واحتضنها مركز خليل السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله، إلى أن الكتاب “يقدم نساء حقيقيّات في المدن الفلسطينية التي كانت موجودة، وهو ليس الأول عن المجتمع الفلسطيني في الفترة التي سبقت التدمير، غير أنه لم يتم حتى الآن التأكيد على دور المدينة كمُولّد حياة حضارية بما فيه الكفاية، وربّما مرد ذلك أن المجتمع الفلسطيني فقد سجلّه التاريخي، أي أرشيفه”، لافتة إلى أن الكتاب، وعبر مصطلح “مغيّبات” في العنوان والمضامين، يسدّ شيئاً من هذه الثغرة، كما أن لـ”مغيّبات” وظيفة ثنائية، فهي تُعبر عن المدن الفلسطينية التي أبيدت في العام 1948، ومن جهة أخرى تعكس “استنساخ الحياة الحضرية لنساء كثيرات عشن بها”، ومن هنا “عملتُ على إعادة صياغة التاريخ الاجتماعي للنساء في المدينة، عبر اللوحات والوقائع المكتوبة والمنطوقة والقصاصات الصحافية والسير الذاتية والمقابلات مع من عاشوا تلك الحقبة في حيفا ويافا والرملة وغيرها”.
ومّما خلصت إليه حسن في كتابها هذا، أنه “حتى سنة 1948، اختفت مرّة واحدة في أعقاب النكبة، وهي الكارثة التي دمّرت المجتمع الفلسطيني وقضت على مدنه، كل مظاهر الحضرية التي تشكلت حتى ذلك الوقت: الحركة النسائية الواسعة والمزدهرة، والمنظمات السياسية، والنوادي الثقافية، والجمعيات وحضور النساء فيها، و”الجناكي”، والخيّاطات، والمُعلمات، ومديرات المدارس، والطبيبات والمُمرضات، وصاحبات المقاهي ودور السينما، وسائر المهن والأعمال، ومهرجان النبي روبين، والاستقبالات، وغيرها”.
وكان د. سليم تماري، أشار إلى أن منار حسن، في كتابها “المغيّبات”، حاولت استعادة الحراك النسائي في مدن فلسطين قبل العام 1948، من خلال استقراء مادة بحثيّة تعوض غياب أرشيف منظم يوازي “أرشيف الدولة ومؤسساتها”، ويعني الأرشيف الإسرائيلي بتفرّعاته، بحيث اعتمدت على وسائل بديلة عدّة، منها: مذكرّات، ومصادر صحافية وبدرجة أولى صحيفتا “فلسطين” و”الدفاع”، ولقاءات مع شُهود عيان ممّن عايشوا النكبة أو جيلها، ومعظمهم من النساء اللواتي لجأن إلى الأردن، وهو جهد سمته “إعادة بناء فسيفساء المدن المنسية”، كما يشكل الكتاب قراءة جندرية لنكبة فلسطين، مسلطاً الضوء على بعض الاكتشافات داخل الكتاب، مع عدم إهمال الحديث عن حالة من اللااكتمال، أو “الجزئية” في الطرح.
د. همّت الزعبي، الأكاديمية والباحثة والناشطة الفلسطينية، وفي مداخلتها عبر الأقمار الصناعية من برلين أشارت إلى أن أهمية كتاب “المُغيّبات” لمنار حسن، “تعدّت الانتصار للرواية والسرديّة التاريخية، فالأمثلة الكثيرة فيه تسلط الضوء على فكر وممارسة نسوية يمكن الادعاء أن محوها من السرديّة الرسميّة ساهم في إعاقة تراكميّة لإنتاج المعرفة النسوية في فلسطين والمنطقة، ما أدى إلى تكبيل وإعاقة الخطاب النسوي وتراجعه ما بعد النكبة”.
ولفتت الزعبي إلى أن لهذا الكتاب “أهمية تتعدى الماضي والحاضر، بحيث يُساهم في تخيّل مُستقبل مغاير في فلسطين والمنطقة، ومن بين ذلك موضعة المدن الفلسطينية في شبكة علاقاتها مع محيطها العربي، والدور التبادلي لهذا الامتداد لجهة بناء الحضرية في فلسطين والمنطقة، وأيضاً في استحضار دور النسويات الفلسطينيّات ومشاركتهن في الحركة النسوية العربية، عبر مشاركتهن في الكتابة السياسية والنسوية أو في المؤتمرات الإقليمية”، لتخلص إلى أن ما جاء في الكتاب يدفع إلى القول إنه بات على “النظام الفلسطيني، وللتخلص من النظام الاستعماري والاستيطاني الصهيوني، الاستناد إلى رؤية تحررية سياسية واجتماعية أوسع من تلك التي تفرضها حدود المخيال السياسي المحصور في إطار زمنية 1948، مخيالاً سياسياً يشمل الحرية والتحرر”.




