الأعاصير تعصف بمنطقتنا العربية، وعواصف التغييرات الاستراتيجية تطغى على المشهد. المايسترو الدولي والاقليمي يوجه الريح، ونتنياهو ينتشي بإنجازاته على أشلاء عشرات الآلاف من الضحايا من أبناء شعبنا، واطلال مدن وبلدات وقرى مدمرة، وأطفال ونساء يموتون قتلا أو بردا أو جوعا، وكأن قدر فلسطين أن تكون دوما في عين العاصفة لتدفع فاتورة المغامرات العبثية والحقد الصهيوني الأعمى. فإلى أين نحن ذاهبون في ظل تسارع أحداث فتنوية في جنين وغيرها، وتطورات متسارعة مفاجئة في المنطقة، وسيف صهيوني مسلط على رقاب أبناء شعبنا هدفه إنهاء الوجود الفلسطيني برمته.
لقد كانت منطقتنا على مر التاريخ هدفا للاطماع الخارجية. لكن في عالمنا المعاصر، لا يمكن لأي قوة خارجية أن تتغلغل وتفرض ارادتها ونفوذها إن لم تتأمن لها الأرضية الخصبة والظروف المناسبة. هذه الأرضية متوفرة اليوم وبشكل كبير في معظم عالمنا العربي. فشعوبنا لم تشيد اوطانا ولم تبني دولا، وإنما أنشأت هياكل دول تابعة ومرتهنة وآيلة للسقوط مع هبوب العواصف. وإذا ما حاولت إحداها النهوض وشغل موقعها الطبيعي في المنطقة يتم استنزافها واسقاطها. وهذا ما حصل لدولة العراق مع الغزو الأمريكي لها، ومن ثم وضعها تحت اليد الإيرانية في إطار التخادم في مساحة المصالح. وبعدها كرت السبحة لتطال الدولة تلو الأخرى إلى أن وصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم. عالم عربي مريض، وقوى دولية وإقليمية تسرح وتمرح، تتقاسم الحصص وترسم معالم جديدة تكون بنتيجتها دولة الكيان الصهيوني الرابح الأكبر.
لقد استثمرت إسرائيل في انقلاب العام ٢٠٠٧ في قطاع غزة، والذي وجدت فيه فرصتها لتعميق الانقسام في الساحة الفلسطينية بشكل جذري، مقدمة كل التسهيلات لاستمراره باعتباره أقصر الطرق لفصل القطاع عن الضفة. كما وغضت الطرف عن شراء بعض الأطراف في الضفة الغربية للسلاح الفردي من السوق السوداء الإسرائيلية لثقتها بعدم فاعليته بمواجهة جيشها، ولقناعتها بأنه سيكون له الدور الفاعل في إحداث فتنة داخلية تنهك السلطة الوطنية الفلسطينية، وستكون وجهته صدور كل من لا يتفق مع معتقداتهم الإخوانية أو مبايعاتهم الولائية.
إن فرحة وسرور نتنياهو بما تقوم به هذه المجموعات في مخيم جنين تفوق فرحته بكل ما قام به من حرب إبادة في قطاع غزة وإضعاف لحزب الله في لبنان وتدمير لمقدرات الجيش السوري وإنهاء لوجود المحور، لأن الضفة بالنسبة له ولكيانه هي الجوهر والمقصد، وفلسطين هي عين العاصفة. هذه المجموعات تؤدي الدور الذي كان نتنياهو يعلم أنها ستقوم به، فانغلاقها الفكري يمنعها من إدراك أنها بممارساتها الفتنوية تقدم أكبر الخدمات للمشروع الصهيوني الاستيطاني. فهذه المجموعات لم تعد مجرد أفراد أو تجمعات خارجة عن القانون، وإنما تحولت إلى أدوات في مسلسل العبث الأمني الإسرائيلي في الضفة هدفه تقويض السلطة وضرب مكانتها ودورها. كما وأنها من خلال ولاءاتها للخارج، لا سيما مبايعاتها الأخيرة لولاية الفقيه ودعواتها لإقامة دولة المهدي، إنما تضرب النسيج الوطني الفلسطيني الذي بقي على مدى تاريخ نضال شعبنا نسيجا وطنيا متجانسا نابذا لكل الأفكار والمعتقدات الخارجة عن تاريخ وتقاليد شعبنا الفلسطيني.
كذلك فإن توقيت محاولات نشر الفوضى في الضفة ليس معزولا عن تطورات المنطقة وتداعياتها، وارتباطها بما يخطط لها على المستوى الدولي وعلى وجه التحديد من الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل، وكذلك على مستوى دول الإقليم وخاصة إيران التي خسرت محورها الممتد من طهران إلى بيروت.
إن اختلال موازين القوى في المنطقة لصالح دولة الكيان يعزز من اندفاعة نتنياهو الإجرامية لتحقيق الحد الأقصى من أحلامه وأحلام كيانه، لا سيما في ظل نظام عربي متهالك ودول هياكلها من ورق وزجاج. ينظر نتنياهو بشغف إلى ما يحصل في جنين ومناطق أخرى. يتقدم في الجولان ليحتل أراض جديدة مستغلا الوضع السوري الحالي. أما بالنسبة لايران، فلابأس بنظرها من نشر الفوضى في الضفة بعد خساراتها الاستراتيجية في مناطق الإقليم لإثبات وجودها. كذلك تجد تركيا في الوضع الحالي الفرصة الملائمة لتعزيز نفوذها من خلال التأثير الأبرز لها والمستجد في سوريا، واللحظة المناسبة لتصفية الحساب مع المجموعات الكردية، إضافة الى تحقيق مطامع اقتصادية أبرزها مد خط أنابيب للنفط من سوريا إلى تركيا ومحاولة الإمساك بمفاصل الاقتصاد السوري.
الصراعات الإقليمية مزقت منطقتنا العربية وحولتها إلى مريض يرجو الدواء من صاحب الداء الذي لا مصلحة له في شفاء المريض. بعض العرب ينتظر قدوم دونالد ترامب الواعد بإنهاء الحروب متجاهلين كيف ولمصلحة من. فمهما اختلف ترامب الجديد عن ترامب القديم، تبقى مصالح إسرائيل في سقف أولوياته مهما اختلفت الطرق والوسائل. فالرئيس الأمريكي القادم ليس حمامة سلام وإنما يدعي رغبته في إنهاء الحروب ليتفرغ للعقدة التي طالما شكلت كابوسا مرعبا له وهي الصين.
يتنازع العالم والاقليم على النفوذ على الرجل العربي المريض. أما العرب يبدو أن بعضهم قد خرج بخفي حنين، أما البعض الآخر فقد أصبح شريكا كاملا في ضرب وحدة الشعب الفلسطيني ومحاولات تصفية قضيتنا الوطنية.
أما شعبنا الفلسطيني، فرغم هذا الظلام الدامس، لا زال وسيبقى متمسكا بخياراته في تعزيز الصمود وتصعيد المقاومة الشعبية بمختلف اوجهها حتى تحقيق أهداف شعبنا في التحرر والعودة وإقامة الدولة وعاصمتها القدس، والمضي قدما في النضال السياسي والقانوني والدبلوماسي لمحاسبة مجرمي الكيان وتحقيق العدالة. ولن ييأس.





