الأحد, مايو 3, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءترديد الرواية الإسرائيلية.. أيّ رواية؟ .. الكاتب: عامر بدران

ترديد الرواية الإسرائيلية.. أيّ رواية؟ .. الكاتب: عامر بدران

كيف يمكن لشخص لم تظهر عليه، طوال حياته، أي علامات من الاهتمام بالشأن الوطني أو الشأن العام، ولمجرد أن له صفحة على «فيسبوك» أو منصة «إكس»، أن يمتلك كل هذه اللغة الاتهامية تجاه من يخالفونه الرأي، أو كيف يمكنه فجأة أن يشكّل رأياً يستطيع من خلاله إصدار حكم بهذا الثقل والتبعات الأخلاقية والوطنية؟
قد نفهم خلفيات ذلك حين يصدر من أنصار «حماس» أو منتسبي الفصائل وجمهورها، أما من أولئك الذين لم يتعاطوا السياسة في يوم من الأيام، فهذا بحاجة إلى دراسات نفسية واجتماعية جادة ومطولة. أتحدث هنا عن انتشار وتطور اتهامات مستندة، أساساً، إلى جملة تبدو في ظاهرها محقة لو تم التعامل معها بشكل مجرد، أي بإخضاعها للمقارنة اللفظية فقط، ودون التطرق إلى تأويلات القائل والمستمع ونواياهما، ألا وهي جملة «ترديد الرواية الإسرائيلية»، خصوصاً فيما يتعلق بهذه الحرب وتفاصيلها ويومياتها.
فمنذ اليوم الأول للحرب كانت هناك شريحة، ولو صغيرة، من الفلسطينيين الذين لم تعجبهم بعض المشاهد التي تم تصديرها لعملية السابع من أكتوبر، أو الذين اعتبروا أن هذا الشكل من «النضال» لا يمثلنا، وهو مستمد من بيئات أخرى لا تشبهنا. ومن تجرأ من هذه الشريحة على إعلان اعتراضه، مبرراً وداعماً هذا الاعتراض بتخوفاته مما سيحيق بغزة وأهلها، تمّت مهاجمته بأقذع الشتائم وبأسوأ عبارات التخوين، وعلى رأسها «ترديد الرواية الإسرائيلية، والتماهي مع العدو». وكان هذا التخوين مدعوماً لا برأي مضاد، بل بفتاوى من قبيل «لا يفتي قاعد لمجاهد» و»لا يفتي أهل الدثور لأهل الثغور»، وكأن الذي يوجه هذه النصائح يتأهب برشاشه على الجبهة.
ما هي إلا أيام قليلة بعد السابع من أكتوبر، وبدأ يظهر حجم الهجوم الإسرائيلي على غزة ونواياه بالتهجير، ولا عذر لمن اعتقد ولو للحظة أن نتنياهو وحكومته المتطرفة قد يتوقفان في منتصف الطريق، سواء تحت ضغط الوسطاء أو تحت ضغط «ضربات المقاومة». لقد كان على رأس الأهداف المعلنة لهذا الهجوم الإسرائيلي استعادة الرهائن الموجودين في قبضة «حماس» وبعض الفصائل. وهنا، وبسبب عدد الضحايا الفلسطينيين الآخذ في الزيادة المجنونة، ازداد عدد العقلاء أو لنسمّهم «المعترضين» واحداً أو اثنين.
هؤلاء المعترضون طالبوا بتسليم الرهائن، ولو دون ثمن، وذلك من أجل سحب الذريعة الإسرائيلية ووقف نزيف الدم الفلسطيني في القطاع. كان هذا هو الثمن المقدس الذي يسعون إليه؛ وقف قتل الناس بالجملة والمفرق، ووقف تشريدهم وتجويعهم. لم يقل أحد أن هذه النتيجة مضمونة ومؤكدة، لكن الرهان فيها كان على إحراج هذه الحكومة أمام العالم، وأمام جمهورها. ولم يقل أحد من هؤلاء، أيضاً، إن الحرب سوف تتوقف فوراً، لكن القناعة كانت أنها بالتأكيد لن تستمر طويلاً، ومع ذلك فقد تم اتهام أصحاب هذه المطالبة بأوصاف ومصطلحات على شاكلة المرجفين والمثبطين، ومرددي تصريحات نتنياهو والرواية الإسرائيلية.
ثم دخلنا في مسار مفاوضات لا ينتهي، ويبدو أنه لن ينتهي قريباً. وإضافة إلى أن هذه المفاوضات لا تتطرق للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني من قريب أو بعيد، ولا لكثير من الأهداف التي وضعها هجوم السابع من أكتوبر، وإضافة إلى إدخال وسطاء مشكوك في نواياهم تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته، وتسليمهم دفة المبادرة ليتحدثوا باسمنا ويقرروا باسمنا، وإضافة إلى أن هذه المفاوضات اعتمدت على منطق «الصفقة» لا على منطق الحل، الصفقة التي تتغير عناصرها باستمرار حسب قدرة ومزاج البائع والمشتري، وحسب الثمن المتوفر للسلعة المعروضة في اللحظة الآنية لسوق المناقصات، إضافة إلى كل ما سبق، فقد تم تحويل المشروع الوطني الفلسطيني برمّته إلى قضية أمنية من جهة، وقضية أناس مشردين وجائعين بحاجة لمن يشفق عليهم بكيس طحين، من جهة ثانية.
الأصوات ذاتها التي اعترضت سابقاً، ازدادت قليلاً تحت ضغط المشاهد المروعة القادمة من غزة، وبدأت تطالب «حماس» بالتنحي وتسليم هذا الملف للسلطة أو لجهة عربية أو حتى لجهة دولية. هذه المطالبات تأتي من زاوية أنه لا يعقل أن يستمر هذا العبث التفاوضي، وهذا التذاكي في الرهان على أوراق خارجية مثل تظاهرات أهالي الرهائن، أو أمل الاعتراف الأميركي بـ»حماس»، أو هتافات «إخوان» الأردن والمغرب، بينما الشعب الفلسطيني في غزة تُسحق أجساد أطفاله وتُسحق كرامته مع كل دقيقة من انتظار الفرج التفاوضي الذي لا يأتي.
ومجدداً، تم وصف هؤلاء المطالبين بأوصاف الحاقدين على المقاومة، وكتيبة أفيخاي أدرعي وبالمتصهينين المرددين للرواية الإسرائيلية.
21 شهراً كاملة من القتل اليومي للفلسطينيين، مرفقة بما هبّ ودبّ من اتهامات في حق كل من يمتلك رأياً مخالفاً أو ناصحاً، ودون أن يتوقف مطلقو هذه الاتهامات ولو للحظة ليتمعّنوا بالنتائج على الأرض، وبما حدث، ليس فقط في غزة، بل في كامل الإقليم، ودون أن يراجعوا خطابهم أو إستراتيجياتهم، أو حتى يناقشوا رأياً لا يصب في خانة شعاراتهم، والتي أصبحت مع مرور الوقت هي السمة الغالبة على الفضاء العام.
على العكس تماماً، فقد تطور هذا التخوين ليطال المتعرّضين يومياً للقتل والتهجير في غزة، إن هم تجرؤوا ورفضوا ما يجري لهم، أو طالبوا بوقف هذه الحرب بأي ثمن من الأثمان المذكورة أعلاه، وكأن المطلوب منهم هو فقط أن يموتوا دون أن يعرفوا لماذا. وفي أحسن الأحوال، يمكنك أن تسمع من يقول لك: أهل غزة يحق لهم الحديث، وكأن الموضوع لا يتعدى كونه شفقة على أناس لا تدري ما تقول لأنها تحت السيف، وبالتالي فهذا لا يعني أن نأخذ بكلامهم.
لو شئنا الرد على هذا الخطاب التخويني، والمنطلق تحديداً من فكرة «ترديد الرواية الإسرائيلية» فهل يمكننا التساؤل: ما الموقف من أولئك الذين يتلقفون كل تصريح إسرائيلي يضخم من قدرات المقاومة ويسمّنها لتشريع ذبحها، ثم يرددونه بلا كلل وهم يتفاخرون به؟ كيف يمكننا فهم من يؤكد، يومياً، نظريات وادعاءات اليمين الإسرائيلي بأنه لا أبرياء في غزة، وأن الأطفال فيها يقاتلون بلحمهم؟ في أي خانة نستطيع وضع التصريحات التي تزاود على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حين تقول إن في غزة خمسمائة كيلومتر من الأنفاق، فيقول: لا لدينا أكثر من سبعمائة، ثم يتم مسح مدن بأكملها بحثاً عن هذه الأنفاق. كيف نفهم أنه كلما تعرضت إسرائيل لضغوط دولية، يخرج منها من يقول إن «حماس» استعادت قوتها كاملة، فيأتي الإعلام المشبوه ومحللوه ليحتفلوا بمعلومة كهذه تطيل من أمد الإبادة؟
عشرات الأسئلة التي يمكن طرحها حول من يردد ويؤكد الرواية الإسرائيلية ويشرعن لها، لكن الأهم هو أن نعرف ونميز تلك الرواية التي تريد القضاء علينا، وكيف تتم صناعتها وطرحها للترويج من قِبل بعضنا على شكل شعارات وطنية.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب