خلال عامين من الحرب الإسرائيلية على غزة، تسيّد في الساحة الفلسطينية وبين نُخبها وكُتّابها، خطاب لا يمكن وصفه إلا بالعدمي أو العبثي، أو حتى الأناني الذي لا يقيم وزناً لا لأرواح الناس ولا لمستقبلهم ومستقبل أجيالهم القادمة.
ناهيك عن أن هذا الخطاب لا يستمد قوته وديمومته من نجاح معيّن على الأرض، أو من نجاح افتراضي في مؤشرات المستقبل فيما يخص مجمل القضية الفلسطينية، بل يستمد هذه الديمومة من رهانه على جهل الناس والاحتماء بمشاعر الحزن والغضب لديهم.
لم يبرهن هذا الخطاب على صحته في أي محطة من محطات الحرب، لا حين اقتحمت عناصر حماس مستوطنات الغلاف في السابع من أكتوبر، ولا حين بدأت آلة الحرب الهمجية بسحق القطاع وسكانه، لا حين نزح الناس من شمال القطاع إلى جنوبه، ولا حين عادوا. لا في وقت مجاعتهم ولا في وقت بحثهم عن حبة دواء.
وهو فوق ذلك لم يكن صادقاً مع الذين تعرضوا ويتعرضون حتى الآن لكل الفظاعات الممكنة وغير الممكنة، لأنه لا يسمعهم ولا يعتبر نفسه معبّراً عنهم من الأساس.
من أجل فهم هذا الخطاب وفهم أسباب فشله لا بد من التأكيد أولاً على أنه ليس جديداً على الساحة الفلسطينية، وليس نتاجاً للحرب الحالية، بقدر ما أن هذه الحرب قامت بفرزه وإظهاره بالصورة القصوى والواضحة التي هو عليها، والتي من خلالها صرنا نستطيع تبيان مزاياه ومنطلقاته:
الميزة الأولى لهذا الخطاب هي أنه يتماهى مع من يُفترض أنه خُلق ليوجههم أو ليصوّب أخطاءهم، وإن شئنا الدقة فهو تحتهم لا فوقهم وخلفهم لا أمامهم، بمعنى أن الفعل على الأرض أو القرار الصادر عن المستوى القيادي لأصحاب الفعل هو ما يقود هذا الخطاب وأصحابه، ما يجعلهم زائدين عن الحاجة وليس لهم أي ضرورة سياسية.
فما معنى أن تكون مع حماس حين تطالب بالتحرير من النهر إلى البحر، ثم تكون معها حين تطالب بدولة على حدود السابع من حزيران، ثم تهلل لها حين تُصرّح عن رغبتها بهدنة لعقدين دون أي شروط سياسية تتعلق بدولة أو استقلال.
كيف يمكن فهم خطابك الذي يمتدح حماس حين تقوم بتسريبات ترفض فيها خطة ترامب، ثم يمتدحها ويؤكد على ذكائها حين توافق على تلك الخطة.
في المحصلة فإن هذا الخطاب منصاع ويتم توجيهه لا العكس، أي أنه يمثل دور الصدى لا الصوت، ينتظر الفعل والتصريح ليبني مرافعته، ولا يقوم هو باقتراحات سياسية أو أخلاقية أو ثقافية، ما يفقده قيمته كخطاب ويحوله إلى هتاف مهمته التشجيع والشد على الأيادي، أو إلى بوق يكرر ما يُقال ويقوم بتسويقه بطريقة أكثر جاذبية.
في مقابل التماهي المذكور فإن هذا الخطاب لا يعير انتباهاً لآلام الضحايا ولا يستمع لأصواتهم ومطالبهم، وإن فعل ذلك بين الحين والآخر، فإنه لا يتناول هذه الآلام إلا من باب الشفقة، ولا يتطرق إلى هذه الأصوات والمطالب إلا من باب تخوينها أو على الأقل إيجاد المبرر الإنساني وليس السياسي لها، وكأنه يتعامل مع حفنة من المظلومين وليس مع أكثر من مليوني إنسان من الشعب الفلسطيني.
الميزة الثانية لهذا الخطاب هي أنه فاقد للمعرفة، وبالتالي فهو يتعامل مع القضايا التي يطرحها بمنطق التعميم والسطحية، مستنداً بذلك على كليشيهات جاهزة مستمدة من الماضي.
بالنسبة لهذا الخطاب فإن العداوات الأيديولوجية أهم من المصالح الاقتصادية في قيادة الحروب، ولذلك فهو قائم على منطق تلفيقي يقول، فيما يقول، إن الحق لا بد أن ينتصر، وما دام الأمر كذلك فإن الخسائر مهما بلغت فهي ثمن طبيعي لهذا الانتصار المنتظر والقادم لا محالة.
أي أن فقدان المعرفة يؤدي في النهاية إلى فقدان للمسؤولية وانعدام للإنسانية تجاه الضحايا المصنفين كثمن لا غير.
وهو أيضاً يتعامل مع القضايا بمنطق الحزمة الكاملة والثابتة لا بمنطق التفكيك، أو التحالفات المتغيرة. فالغرب عدو ومتآمر، وعدو عدوي صديقي حتى لو كان عدو عدوي هذا إرهابياً أو عبارة عن دولة فاشلة.
الميزة الثالثة للخطاب هي أنه خطاب جبان، على عكس ما يبدو عليه، أو على عكس ما يحاول تقديم نفسه به من استخدام مفاهيم ثورية ومصطلحات مأخوذة من ساحة المعركة. فالهروب جُبن، وهذا الخطاب دائم الهروب من فكرة إلى أخرى ومن تبرير إلى تبرير. فهو يقول لك إن النصر قريب في غزة مثلاً، وحين يكتشف أنه تورط وورطك لا يعترف بخطأ تقديراته، بل يذهب بك إلى إيران، وحين يرى النتيجة المخيبة يبيعك انتصاراً في اليمن، ثم حين تهدأ الأمور لغير صالح توقعاته يذكرك بانتصارات بوتين في أوكرانيا، أو لعلك لا ترى نتائج انتخابات نيويورك أو تحدي مادورو في فنزويلا.
الميزة الرابعة، وهذه ميزة مزمنة، وهي التناقض المخلوط مع الراحة والاسترخاء. فهذا الخطاب لا يدفع ثمناً، بل يطالب به كاستحقاق غير معروف مصدره.
هو يهاجم السلطة وليس لديه أي اعتراض على من يطالبون بإسقاطها أو حلّها بل ويشاركهم مطالبهم، وفي نفس الوقت يطالبها بتقديم واجباتها على أكمل وجه من تأمين رواتب وتعليم وصحة وما إلى ذلك.
هذا الخطاب يصوغ مرافعته حول التضحيات في غزة «على طريق التحرير»، وفي نفس المرافعة يطالب الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة بحماية احتفالاته.
يهاجم الرئيس كموقع انتهت ولايته منذ عشرين سنة، ويتبنى خطاب عضو تشريعي انتهت ولايته منذ نفس الفترة الزمنية.
وبإمكان أي متابع أن يضع يده على عشرات الأمثلة الصارخة من التناقض، سواء استطاع تبريرها أو لم يستطع.
الميزة الأخيرة، بما تسمح به هذه المساحة، هي أن هذا الخطاب يدّعي ما ليس فيه أو ما ليس له، ثم يهاجمك من الموقع ذاته الذي قام بادعائه زوراً وبهتاناً.
إنه خطاب يستمد شرعيته من مفرداته وشكله لا من مضمونه ومحتواه أو صلاحيته على أرض الواقع، إذ يكفي أن يستخدم مفردات وطنية ليدعي أنه وطني، أو يصاغ بقالب ثقافي ليدعي أنه ينطق باسم شريحة المثقفين.
وهكذا يتم قلب الحقائق رأساً على عقب، في حالة نادرة لا تؤدي إلا إلى شرعنة المأساة وتقبلها.
عن صحيفة الايام





