يبذل أهالي حي الزيتون في المنطقة الشمالية من قطاع غزة جهوداً مضنية لإزالة أنقاض الدمار التي خلفتها العمليات العسكرية الإسرائيلية، مستخدمين أدوات بدائية وأيديهم العارية في محاولة لفتح ممرات ضيقة تتيح لهم التنقل. وتأتي هذه التحركات الشعبية في ظل انسداد شبه كامل للشوارع الرئيسية والفرعية، مما جعل الحركة داخل الحي ضرباً من المخاطرة اليومية.
وأفادت مصادر محليّة بأن الاحتلال دمر البنية التحتية للحي بشكل شبه كلي، حيث لم يعد بإمكان السكان الوصول إلى الأسواق أو المراكز الحيوية إلا عبر شارع صلاح الدين. ويشكل هذا الشارع خطراً داهماً على حياة المواطنين، إذ تستهدف قوات الاحتلال المتمركزة في الجوار كل جسم متحرك، مما دفع الأهالي لابتكار طرق بديلة عبر هدم أجزاء من منازلهم المنهارة لتسهيل المرور.
وناشد سكان الحي المؤسسات الدولية والجهات الإغاثية بضرورة التدخل العاجل لإرسال آليات ثقيلة تساعد في فتح الشوارع المغلقة، مؤكدين أنهم يضطرون للتنقل بين البيوت المهدمة وفوق الأنقاض لتجنب نيران القناصة. وتزداد المعاناة مع دخول فصل الشتاء، حيث يفتقر النازحون في الحي للخيام والمأوى الآمن، وسط دمار هائل طال كافة مقومات الحياة الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف، يواجه أصحاب المعدات الثقيلة القلائل الذين يحاولون المساعدة تحديات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة، حيث ارتفعت أسعار الزيوت وقطع الغيار إلى مستويات خيالية. ويصل سعر أربعة كيلوغرامات من الزيت اللازم لتشغيل ‘البلدوزر’ إلى نحو 15 ألف شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرة الأفراد والبلديات على حد سواء في ظل الحصار المطبق.
وأكد أحد سائقي المعدات أن تكلفة إصلاح إطار واحد فقط بلغت 1500 شيكل، مشيراً إلى أن الدخل الذي يحصل عليه لا يكاد يغطي مصاريف الصيانة والتشغيل. وبالرغم من هذه التكاليف، يواصل السائقون العمل بدافع إنساني لتخفيف وطأة الحصار عن جيرانهم، رغم علمهم بأن كل ساعة عمل قد تكون الأخيرة في ظل الاستهداف المباشر.
وتحدثت مصادر عن تعرض العاملين في إزالة الركام لهجمات مباشرة من طائرات ‘كواد كابتر’ المسيرة، رغم وجود تنسيق مسبق مع جيش الاحتلال عبر المنظمات الدولية. وتستهدف هذه الهجمات تعطيل أي محاولة لإعادة الحياة إلى المناطق المدمرة، مما يفاقم من عزلة الأحياء السكنية ويمنع وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحتاجين.
ما تم رفعه من ركام في حي الزيتون حتى الآن يعادل قطرة في بحر الدمار الذي خلفه الاحتلال.
من جانبها، تحاول بلدية غزة العمل ضمن الحد الأدنى من الإمكانات المتاحة، حيث شرعت منذ فترات التهدئة في فتح الطرق الرئيسية لتسهيل حركة سيارات الإسعاف والدفاع المدني. وأوضح موظفون في البلدية أن العمل يتركز حالياً على تمكين السكان من الوصول إلى المستشفيات، إلا أن نقص الوقود والمعدات الثقيلة يظل العائق الأكبر أمام إتمام هذه المهمة.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن البلدية إلى أنه تم رفع ما يقارب 100 ألف طن من الركام في حي الزيتون وحده، لكن هذا الرقم يظل ضئيلاً جداً مقارنة بحجم الدمار الفعلي. وتصف البلدية هذه الجهود بأنها ‘قطرة في بحر’، نظراً لأن مساحات شاسعة من الحي لا تزال مدفونة تحت أطنان من الإسمنت والحديد الملتوي الذي يحتاج لآليات متخصصة.
أما على صعيد مدينة غزة بشكل عام، فقد تمكنت الطواقم المحلية بالتعاون مع منظمات دولية من إزالة نحو 1.5 مليون طن من الركام، من أصل تقديرات تشير إلى وجود 2.4 مليون طن. وتعمل البلدية على إعادة تدوير بعض هذه الأنقاض لاستخدامها في تسوية الطرق الترابية وتمهيدها، في محاولة لتعويض النقص الحاد في مواد البناء والأسفلت.
وتؤكد التقارير الفنية أن الحاجة ماسة لتسوية أكثر من مليون متر مربع من الأراضي والشوارع التي تعرضت للتجريف والتدمير الممنهج، حيث لم يتم إنجاز سوى 20% من هذه المساحة حتى الآن. وتفتقر الطواقم الفنية إلى الجرافات والحفارات وقطع الغيار الضرورية، مما يجعل عمليات إعادة التأهيل تسير ببطء شديد لا يتناسب مع حجم الكارثة.
وبحسب بيانات رسمية، فقد طال الدمار الإسرائيلي نحو 800 كيلومتر من شبكة الطرق في قطاع غزة، من أصل شبكة إجمالية تبلغ 910 كيلومترات، مما يعني تدمير نحو 88% من الشرايين الحيوية للقطاع. هذا التدمير الممنهج يهدف إلى تقطيع أوصال المدن ومنع التواصل بين الأحياء، مما يحول دون تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
وإلى جانب أزمة الركام، يواجه السكان مخاطر صحية بيئية متزايدة، حيث أدى تراكم الأنقاض وتوقف خدمات الصرف الصحي إلى انتشار القوارض والجرذان بين خيام النازحين. ويحذر مختصون من تفشي الأوبئة في ظل انعدام النظافة العامة وصعوبة وصول طواقم البلدية لجمع النفايات من المناطق التي لا تزال مغلقة بالركام والأنقاض.





