ومتى سيدقّق كل من يكتب فيما كتب، ويراجع ما سبق أن قاله ويقارن بين أول جملة وآخر ما كتب، وما أدلى به اليوم وما صدر عنه بالأمس.
في الحالة الفلسطينية تحديدًا، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا، الجميع يتحدث عن الوحدة الوطنية، لكن عند الاختلاف يصبح لكل طرف تعريفه الخاص للوحدة ولكل طرف ديمقراطيته التي تنتهي عندما لا تأتي النتائج كما يريد.
يتحدث البعض عن صندوق الاقتراع حين تخدم نتائجه موقفه وحصته، ويتجاهله حين تأتي النتائج على غير ما يشتهي ويواصل آخرون تكرار اللغة ذاتها والشعارات ذاتها وكأن الزمن لم يتغير وكأن الناس لا تميّز بين الموقف الحقيقي والخطاب المعلّب.
المشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف طبيعي ومشروع وإنما في ازدواجية المعايير أن نطالب بالديمقراطية حين تخدمنا وبالوحدة حين نحتاجها وبالشرعية حين توافقنا ثم نضع لكل ذلك استثناءات عندما تتعارض النتائج مع حساباتنا.
لكن السؤال الأهم: إلى أين أوصلنا هذا كله؟
الانقلاب في غزة تحوّل إلى انقسام والانقسام يكاد يلامس الانفصال. والقدس تُهوَّد رويدًا رويدًا والضفة تُصادر وتُقطّع، والبوابات والحواجز تتكاثر، حتى باتت الجغرافيا الفلسطينية نفسها تُستنزف أمام أعيننا.
وفي خضم ذلك كله، يبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: أين المشاريع الوطنية؟
أين الخطة التي تحمي القدس؟ وأين المشروع الذي يصون الأرض ويواجه الاستيطان ومصادرة الأراضي؟ وأين الرؤية التي تعيد وصل غزة بالضفة بدل تكريس الانقسام؟ وأين المؤسسات القادرة على تحويل الحديث عن الوحدة إلى ممارسة وعن الصمود إلى سياسة وعن الحقوق الوطنية إلى أفعال قابلة للحياة
لقد أُشبعت الناس كلامًا عن الوحدة والمقاومة والشرعية والديمقراطية والثوابت. لكن الكلام مهما كان بليغًا لا يحرر أرضًا ولا يحمي مدينة ولا يأوي نازح او يطعم جائع ولا يوحّد شعبًا.
نحن بحاجة إلى الانتقال من هلام الكلام إلى صلابة المشروع.
مشروع وطني واضح له أهداف محددة وأولويات معلنة بلا تدخل خارجي ومسؤوليات معروفة ومواعيد زمنية وآليات للمحاسبة. مشروع لا يتغير بتغير العواصم ولا يتبدل بتبدل المصالح، ولا يختزل القضية في سلطة أو فصيل أو شخص.
إلى كل المتجوّلين خارج المكان والزمان والمنتقلين بين العواصم وفنادق المدن: أعيدوا النظر فيما تبثّونه.
فالناس ليست جمهورًا بلا ذاكرة ولا تتلقى الكلام كما يُلقى عليها. الناس تقرأ وتقارن وتتذكر، وترى التناقض بين ما يُقال وما يُفعل.
ومن يريد فعلًا الوحدة الوطنية فليبدأ باحترام عقل المواطن الفلسطيني وبمراجعة خطابه قبل أن يطالب الآخرين بمراجعة مواقفهم.
المطلوب ليس مزيدًا من البيانات بل إعادة بناء القدرة الوطنية على الفعل إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وحماية الأرض، وتثبيت الناس في القدس والضفة ومسار العوده للاجئين وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة وتجديد الشرعية السياسية على أساس المشاركة والانتخابات واحترام نتائجها.
فالوحدة ليست كلمة تُكرَّر والديمقراطية ليست شعارًا انتقائيًا والشرعية ليست نصًا يُستدعى عند الحاجة.
أما إعادة إنتاج الخطاب الخشبي نفسه بالمفردات ذاتها والطريقة ذاتها فلن تجعل الناس أكثر اقتناعًا بل ستجعلها أكثر سؤالًا وتدقيقًا ومقارنة.
فالسؤال الحقيقي لم يعد من يملك الخطاب الأكثر وطنية؟
بل: من يملك مشروعًا قادرًا على وقف خسارتنا المستمرة؟ ومن يملك الشجاعة لتحويل هذا المشروع إلى واقع؟
لأن الوطن لا يُدار بالشعارات والحقوق لا تُستعاد بالأمنيات والتاريخ لا ينتظر من يختلفون على تعريف الوحدة بينما تتغير الوقائع على الأرض كل يوم.
فالناس اليوم لا تحتاج إلى من يشرح لها ما يجب أن تفكر فيه إنها تحتاج فقط إلى من يحترم قدرتها على التفكير ويقدّم لها مشروعًا ترى أثره في حياتها وأرضها ومستقبلها.





