الجمعة, مايو 1, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراء    الغياب المر ..... الحضور البهي              

    الغياب المر ….. الحضور البهي              

 

                 

 

                                                     الغياب المر,الحضور البهي

                                                                                                              بقلم:سليم النفار

إن قافلة الغياب تمضي,يوما اثر يوم,تأخذ منا الأجمل والأنبل.يؤلمنا ذلك,غير انه سنة من سنن الوجود,ولكن ما يعذبنا كفلسطينيين:الراحلون والباقون,الذين ينتظرون, أننا نمضي دون أحلامنا.

الدكتور سمير غوشه..أب من آباء الحركة الوطنية الفلسطينية,يترجل نحو الغياب,بعد عمر مديد,أفناه في السعي الدؤوب والنضال المرير,نحو أحلامه, أحلام شعبه في الحرية والاستقلال,هكذا كان مثله مثل أبناء جيله الذين افنوا حياتهم في سبيل الأحلام الكبيرة.

غير أن الواقع كان صعبا,واقسي واشد..والمواجهة التي خاضوها كانت أعتا مما توقعوا,لكنهم مضوا في سبيلهم بفروسية عالية وإيمان عال, بنبل أهدافهم,وعدالة قضيتهم…هؤلاء الفرسان يتدافعون اليوم نحو الغياب.

أربعون يوما مضت,كأنها البرق,مضت بغياب فاجع,لم أكن قد تهيأت له على المستوى الشخصي.

لحظة الغياب الأولى,لم استطع أن اكتب شيئا,لا اعرف ولكن ربما لأنني لم أتعود بعد هذا الغياب,من الدكتور سمير..فلم يكن يمضي أسبوع واحد بدون أن ارفع سماعة الهاتف باتجاه رام الله,أحدثه ويحدثني في شؤون كثيرة,وحتى لو لم يكن من دواع للاتصال التنظيمي,فقد كنت اتصل لأقول له:صباح الخير أو مساء الخير..كيفك؟

صوته كان يشعرني بطمأنينة ممتدة,من المستوى الشخصي حتى المستويات الأخرى تنظيميا أو سياسيا  ,قد لا تدركون ذلك,غير أن الذي عاش مع الدكتور سمير,أياما طويلة سيشعر بما أقول,بلا شك.

منذ يفاعتي وأنا على تواصل معه, لم يغلق أبوابه أبدا أمام رفاقه, بغض النظر عن مراتبهم,بل كان منفتحا ومنصتا لكل رفاقه الكوادر,يشعرك دائما انه:الأب والأخ والرفيق قبل كونه القائد المسئول,يستمع لكل المشاكل والهموم,للآلام والآمال..ولم يتأخر ذات يوم عن مد يد العون,لأي كان,فكيف يتأخر وهو الأب؟

كانوا يطلقون على جبهة النضال:تنظيم العائلة..لأنهم جميعا كاسرة واحدة,يتحسسون آلام وآمال بعضهم البعض..وهذا مفخرة لصانع هذه القيم الأسرية الرفيعة,لصانع تلك الروح انه الدكتور سمير..صاحب الحضور البهي.

هناك أكثر من موقع,وأكثر من ذكرى نمر عليها..كي نرى صورته,وحضوره البهي,لنستمع إلى هسيس روحه التواقة للعمل,للفرح والانتصار.

لن أتحدث عن السياسة والتنظيم,بما يشكلان مكونا أساسا من مكونات حياته وشخصه,فربما الكثير منكم يعرف ما اعرف..وربما أكثر مما اعرف..ولكن أحاول استذكار بعض الملامح والتفاصيل الإنسانية,تلك التي كنت أتحسسها,ونتحسسها جميعا بقلوبنا وعيوننا.

هناك في البعيد من الزمان والمكان..في مخيم اللاذقية,كانت لقاءاتي الأولى برفيقي وصديقي وقائدي..عندما كان يأتي إلى هناك كان يشيع مناخا من الغبطة والفرح والعمل..رغم المشاغل والانشغالات الكبيرة في تلك الحقبة,فقد كان يفرد وقتا كبيرا لنا,لإشاعة المناخ الذي تحدثت عنه,وكان دائما يقول:أين الأشبال والزهرات؟

أحضروهم..يفرد وقتا لهم يحدثهم ويلاطفهم,يستمع إليهم ويقدم لهم الهدايا..يلعب معهم.. كان يجري في حلقاتهم الطفولية,فكثيرا ما كان يلعب معهم”طاق طاقية”وغيرها من الألعاب التي تدخل البهجة إلى قلوب الأطفال..سيما هؤلاء أطفال المخيمات المقهورين والمحرومين.

لم يكن غوشه يتصنع ذلك اللعب,فقد كنت أراه على سجيته,يفرد طفولته,يوقظها من سباتها,ليخرج من جحيم السياسة التي تأكل كل شيء.

نعم لقد كان يوقظ أفراح الطفل,ليفرحنا نحن الكبار أيضا,فلا شك بأنه الواعي إلى ضرورة إيقاظ الفرح,داخل قلوب الأطفال…ليس ذلك وحسب,بل إعلاء الاهتمام بهم,من خلال التحدث إليهم لإيصال رسالة ما,والاستماع إليهم بشغف.

لقد كان يتعلم منهم..هكذا كان يقول,نحن نتعلم الكثير من الأطفال,وليس منا من يستطيع القول:انه ختم العلم لا تستهينوا بهم,لا تبسطوا الأشياء لهم وكأنكم تفهمون أكثر منهم..تخطئون لو فعلتم ذلك..فان حسهم ووعيهم يستطيع معرفة الأشياء أكثر منكم…هذه الروح التواقة لإشاعة الفرح,الساعية لتحسس هموم الناس,التواقة للتعلم والمعرفة..إنها بوصلة حلم لا تضل سبيلها.

اليوم تغيب هذه الروح..اليوم يغيب د.سمير غوشه فيزيائيا من بين صفوفنا..يغيب عن مشروعنا الوطني الذي نواصل الخطى باتجاهه..يغيب عن رفاقه,ولكن هذا الغياب المر,لن يستطيع أن يغيب الحضور البهي له,فهو باق فينا ما حيينا..في كل ذكرى وفي كل موعد مع الانتصار..مع الفرح.

سلام عليك يا ابن النكبة..يا ابن الثورة..يا ابن الحلم الذي لا ينام…سلام عليك فانك فينا لن تنام.

                                                                   

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب