السبت, مايو 2, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءحين فقدت أمريكا عدواً كانت تعرفه...بقلم:عاطف الغمري

حين فقدت أمريكا عدواً كانت تعرفه…بقلم:عاطف الغمري

فهرس
طوال هذه السنوات الأربع، أصبح الشرق الأوسط، في نظر خبراء عسكريين ومخابراتيين – في أوروبا وليس في أمريكا وحدها – عاجزون عن التنبؤ بما سيقع من تطورات في المستقبل القريب
في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفييتي يوشك أن يتفكك، أرسل جورجي أرباتوف – الذي كان أكبر خبراء الكرملين فى الشؤون الأمريكية – رسالة إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، تتضمن ما يشبه التحذير للولايات المتحدة.
قال في رسالته إن نهاية الاتحاد السوفييتي سوف يترتب عليها إطلاق سلاح سري، سوف يباشر مهمته، مهما كان الرد الأمريكي عليه.
وهذا السلاح ذو طبيعة نفسية وليس له مثيل: فهذا السلاح يتمثل في حرمان الولايات المتحدة من وجود العدو الذي تعرفه.
بعدها كتب البروفيسور كريستوفر فيتويس أستاذ العلوم السياسية في عدد من الجامعات الأمريكية، ومؤلف كتاب: «أمراض القوة: في السياسة الأمريكية».يقول: إن الولايات المتحدة تعاني عدم وجود عدو تركز عليه اهتمامها.
ربما كانت من أبرز مظاهر الغياب للعدو أن الولايات المتحدة كانت طوال سنوات الصراع الأمريكي – السوفييتي التي زادت على خمسين عاماً، قد تكونت لديها كوادر متخصصة في هذا الصراع، ممن أصبحوا خبراء على أرفع مستوى، ولديهم القدرة على قياس رد فعل السوفييت، تجاه أي قرار أمريكي في السياسة الخارجية، في أي مكان في العالم، وحساب المدى الذي يستطيعون فيه التحرك، في المواجهات الناتجة عن هذا الصراع بحيث يظل محكوماً، في حدود مطلوبة، من دون أن يصل إلى حد المواجهة المسلحة بينهما.
هذا المخزون من الخبراء، صار معطلاً، أمام عالم متغير، يحتاج إلى خبرات من نوعيات مختلفة لم تكن قد تكونت.
وهو ما أدى إلى إدخال الولايات المتحدة في حالة من التناقضات في سياستها الخارجية، تجاه دول، وأحداث تقع في العالم.
وطوال 25 عاماً متصلة، حاول خبراء الاستراتيجية الأمريكيون، بعد انتهاء الحرب الباردة، وزوال الاتحاد السوفييتي في عام 1991، محاولة فهم المرحلة الجديدة من النظام الدولي.
وهو ما أدى إلى ارتباك في إدارة الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة.
وظهر ذلك في عدم قدرة استراتيجية السياسة الخارجية لبوش التي أعلنت عام 2002، على البقاء على قيد الحياة لأكثر من ست سنوات.
وبدأ كبار الخبراء، ووزراء الخارجية السابقون قبل انتهاء حكم بوش، يطالبون باستراتيجية جديدة للسياسة الخارجية، تضع في حسابها التحولات الجارية في العالم.
ثم وصل أوباما إلى الرئاسة في عام 2009، تحيطه موجات من الانتقادات من داخل بلاده، تصف سياسته الخارجية بأنها تعاني محطة عدم اليقين، ومن غياب القدرة على توقع الأحداث الخارجية، أو حتى الإمساك بزمام تحريكها، على خلاف ما كان عليها الحال في الماضي.
وازدادت هذه المحنة وضوحاً خلال السنوات الأربع الأخيرة التي دخلت فيها سياسة أوباما، مرحلة التناقضات والتخبط في مواقفها، حتى أن خبراء متخصصين في أمريكا، وصفوه بأنه يفتقد الرؤية الاستراتيجية، وأن قراراته ترتد سلباً على مكانة الولايات المتحدة ومصالحها.
طوال هذه السنوات الأربع، أصبح الشرق الأوسط، في نظر خبراء عسكريين ومخابراتيين – في أوروبا وليس في أمريكا وحدها – عاجزاً عن التنبؤ بما سيقع من تطورات في المستقبل القريب.
إضافة إلى صعوبة فهم التطورات الجارية في المنطقة، بعكس ما كانوا يتمتعون به من فهم في الماضى القريب.
ومن بين النماذج التي ظهرت من خلال التخبط في التعامل مع المنطقة، نموذجان واضحان، أولهما التطبيق العملي، لما سمي بنظرية الفوضى الخلاقة، التي تصور واضعوها، أنها ستكون محكومة بخلخلة الأوضاع الداخلية في دول المنطقة، بطريقة تمكنهم من تغيير هذه الأوضاع وفق مصالح بلادهم.
لكنهم فوجئوا، بأن الفوضى التي كانت مثل الحريق، الذي قصد به أن يشتعل في مساحة محدودة، إذا به يتمرد إلى مدى أوسع، لم يحسبوه، وفي قلب هذه الفوضى، تكاثرت ظاهرة المنظمات الإرهابية، التي اتفق الخبراء والمراقبون على أن الفوضى هي البيئة الأنسب لتواجد الإرهاب وانتشاره.
والنموذج الثاني، بدأ مع إطلاق بول وولفوتيز، نائب وزير الدفاع في إدارة بوش، والمنظر لحركة المحافظين الجدد، سياسة إقامة علاقات تعاون واسعة النطاق، مع من أسماهم «الإسلام المعتدل» الذين قصد بهم الإخوان المسلمين. وبعدها توالت الترتيبات العملية للتعاون مع الإخوان منذ عام 2005.ثم تواصلت بقوة في عهد أوباما.ولهذا كان رد الفعل العصبي، والبعيد عن الحسابات السياسية الواعية من أوباما إزاء إسقاط الشعب المصري حكم الإخوان في 30 حزيران 2013.ولما كانت قرارات أوباما، حسب ما ذكره خبراء أمريكيون، تفتقد للرؤية الاستراتيجية، فإنها ارتدت نحوه، وترتبت عليها داخل بلاده، حملة تنديد بكل سياساته تجاه مصر والمنطقة.
كل هذا قد يفسره تحذير أرباتوف، من حرمان أمريكا من العدو السوفييتي الذي كان محور حركة استراتيجيتها، ولديها عنه الفهم والخبرة به.وحين واجهت عالما متغيراً تماماً، فهي لم تجهد نفسها لفهمه، وإيجاد آليات مختلفة للتعامل معه.وبقيت متمسكة بكثير من آليات عصر الصراع القديم، مما أدخلها في هذا التشوش، والاضطراب، والتناقض.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب