أقلام واراءالاخبارزوايا

حقوق الإنسان بمفهومها الغربي ليست كافية … بقلم :عزمي عاشور

فهرس
ظنَّ الأميركيون أنهم لو هدموا العراق بمؤسساته السلطوية، فإن ذلك سيتيح بناء الديموقراطية في هذا البلد، وفقاً للحالة الفيديرالية على الطريقة الأميركية، كأنها وصفة لوجبة طعام «كنتاكي» التي صدّرتها أميركا إلى العالم. والمفارقة هنا، أن الرابطة السلطوية لنظام صدام حسين – على رغم كوارثها – كانت تساوي في الظلم بين الجميع، على عكس ما حدث مع من حكموا العراق بعد 2003، فرأينا تفصيلاً للديموقراطية وفقاً للطائفة. ومن المنطلق نفسه، يتم النظر إلى الانتهاكات المتعلّقة بإنسان هذه المنطقة من جانب الغرب ومنظمات المجتمع الدولي المعنيّة بحقوق الإنسان، فمنظورهم للمفهوم قاصر على متابعة الاستثناءات الفردية لبعض النشطاء والحالات الأخرى، من دون النظر إليه في شكله العام. فمفهوم حقوق الإنسان لا يعكس الجانب السياسي فقط، وإنما له جوانبه الاقتصادية والاجتماعية كما جاء في الوثائق الدولية، وهذا هو الأهم.
فقصر المفهوم على الحقوق الفردية من دون النظر في شكل كلّي ومجتمعي إليه، وبخاصة في المجتمعات العربية التي تمر بحالات اضطرابات عقب هزات الربيع العربي، يتطلّب إعادة النظر في هذه المفاهيم التي تستخدم كأدوات تحت مظلة نُبل أهدافها، ليتحوّل من هذا الشكل القاصر بالتركيز أو غيره حالات استثنائية لنشطاء أو غيرهم، وليتحوّل من كونه مفهوماً معيارياً، ليكون جملة من الإجراءات التي بتحقيقها تتحقق النتائج التي تعكس قيم حقوق الإنسان. ونأخذ هنا بعدين، من طريقهما يمكن تلمّس نتائج حقوق الإنسان في هذا السياق. أولاً، البعد التنموي، فالدولة يمكنها من طريق نهضة مجتمعاتها اقتصادياً وبتخليق بيئة تستوعب شباب مجتمعاتها، العمل وتقديم خدمات ومنافع عامة، بحيث يستطيع أن يعيش الإنسان في مجتمعه في شكل يحفظ له كرامته الإنسانية بأن يسدّ حاجاته الأساسية من طعام وصحة وتعليم وغيرها، ففي هذه الحالة حقوق الإنسان ليست هي حقوق ناشط أو مسجون خالف القانون، وإنما هي حقوق الملايين الآخرين الذين يتمتّعون بحقوقهم الأساسية داخل مجتمعاتهم.
فالدولة القوية بوجودها تستطيع أن توفر ذلك وغيابها يعني حدوث العكس، يمكن النظر في ذلك إلى حالة سورية الآن، تشريد ما يزيد عن ستة ملايين سوري وقتل أكثر من ربع مليون، في شكل تعجز مفاهيم حقوق الإنسان عن التعبير عن فاجعته. وبالتالي، عندما يتم النظر إلى واحد من الألف المنتهكة حقوقه السياسية، يجب النظر إليه في إطار التسعمئة وتسعة وتسعين الآخرين الذين يعيشون ويتمتعون بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، قبل أن يتم هدم المعبد على من فيه كما يحدث عندنا الآن باسم الديموقراطية وحقوق الإنسان. ثانياً، البعد المرتبط بالاستقرار والأمن. أليس من النعم المرتبطة بالكرامة الإنسانية أن يعيش الإنسان في مجتمعه في شكل آمن، وألا يكون مهدداً وهو يسير في الشارع أو وهو في بيته؟ فنعمة الاستقرار والأمن قيمة حقيقية كبيرة ظهرت كوارث غيابها على المجتمعات العربية في الوقت الحاضر، بعدما أصبح التديّن أن تقتل الأبرياء في شكل فظيع يفوق عصور البربرية الأولى للإنسان. فلماذا لا نقرأ مفاهيم حقوق الإنسان في هذه السياقات ونقرأها فقط في سياق انتهاكات الحالات الفردية وتوظيفات سياسية من دون النظر إلى المظلة الكلية لنموها داخل أي مجتمع؟ فالديموقراطية وقيم حقوق الإنسان لا يمكن أن توجد من دون وجود الدولة القوية والمؤسسات، أياً كانت درجة التزامها بهذه القيم.
فوجودهما في حدّ ذاته ضمان غرس هذه القيم في الثقافة المجتمعية، بدءاً من احترام القانون والحفاظ على المنافع العامة بشيوع ثقافة الردع التي تحول دون أن تُحلّ الصراعات من طريق الأفراد. وتصبح الدولة بقوانينها ومؤسساتها، مساهماً في تحقيق قيم الديموقراطية وهذه الحقوق حتى لو في شكلها الذي لا يدرجونه في حديثهم، كالبعد التنموي والبعد المتعلّق بالاستقرار والتماسك المجتمعي.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى