اليمين يحاول تمرير قانون يشرع مصادرة الاراضي الفلسطينية داخل المستوطنات
تكتب صحيفة “هآرتس” ان البيت اليهودي سيحاول اليوم، دفع قانون الترتيبات الذي يهدف الى تمهيد مصادرة الأراضي الفلسطينية الخاصة داخل المستوطنات، لكنه ليس من الواضح ما اذا سيتم طرح مشروع القانون للتصويت في اللجنة الوزارية لشؤون القانون. وأوضحت رئيسة اللجنة، الوزيرة اييلت شكيد انها تنوي طرح الموضوع للنقاش. كما قال الوزير ياريف ليفين، الذي يملك حق النقض في اللجنة، انه “حتى الان” سيتم طرح مشروع القانون للتصويت. لكن مسؤولين في ديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قالوا ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لا يعارض القانون، مبدئيا، لكنه ينتظر تسلم وجهة نظر قانونية في الموضوع. واعلنت عضو اللجنة الوزيرة ميري ريغف انها تتحفظ من طرح مشروع القانون للتصويت اليوم، او المصادقة عليه في المرحلة الحالية.
وقالت ريغف: “يسود لدي الانطباع بأن وزير الأمن يعمل بشكل حثيث من اجل ترتيب الأمر في مستوطنة عمونة بالتعاون مع قادة المستوطنين ورئيس المجلس الاقليمي. اؤمن انه في هذه المرحلة يجب استنفاذ عملية الترتيب، واذا لم تثمر سنضطر الى عمل ذلك بواسطة القانون. من غير المعقول ان تتغلب الشكلية القضائية الباردة على المنطق والعدالة وتؤدي الى هدم مستوطنة كاملة”.
وتوضح “يسرائيل هيوم” في هذا الصدد ان وزير الامن افيغدور ليبرمان يسعى الى دفع حل يسنح بترتيب مكانة بيوت المستوطنة، ومنع هدمها. وفي اطار هذا الحل الذي يلتف على الحاجة الى سن قانون، يقترح ليبرمان استخدام قانون املاك الغائبين الذي تم سنة في 1950، والذي يسمح بالسيطرة على املاك من غادروا الى دول معادية خلال حرب الاستقلال.
وتضيف الصحيفة ان وزير المالية موشيه كحلون، ينوي طرح المشروع امام لجنة رؤساء احزاب الائتلاف التي ستجتمع بين جلسة الحكومة وجلسة اللجنة الوزارية لشؤون القانون، لكي تقرر ما اذا سيتم طرحه للنقاش في اللجنة الوزارية.
وحسب “هآرتس” يحظى القانون المقترح بتأييد كبير بين وزراء اليمين، بسبب الضغط الكبير الذي يمارسه المستوطنون. وكان نتنياهو قد سمح للوزراء خلال الدورة السابقة بدعم القانون في اللجنة الوزارية لشؤون القانون، لكنه صد الخطوة فور ذلك، قبل وصول المشروع للتصويت عليه في القراءة التمهيدية في الكنيست.
وقالت مصادر في الليكود ان رئيس الحكومة مصر على منع دفع القانون، كما تم في المرات السابقة عندما سعى نواب من اليمين الى دفعه، رغم انه يحظى بتأييد كبير بين وزراء الليكود. وكان نتنياهو قد توجه مؤخرا الى نواب حزبه وطلب منهم اقتراح حلول اخرى تسمح بتشريع مستوطنة عمونة، او منع اخلائها، في اعقاب قرار المحكمة العليا استكمال الاخلاء حتى كانون الأول القادم. وقدر مسؤول في الليكود بأنه اذا لم يتم التوصل الى حل وتم اخلاء المستوطنة، فان من شأن ذلك ان يقود الى تفكك الائتلاف.
وكانت رئيسة كتلة البيت اليهودي، النائب شولي معلم، قد قدمت مشروع القانون، مرة اخرى، في شهر حزيران، وسيتم طرحه امام اللجنة الوزارية لشؤون القانون بشكل مواز لمشروع قانون مشابه قدمه النائب يوآب كيش من الليكود.
مؤسس كلية عسكرية يهاجم الجيش بسبب استيعابه للمثليين
تكتب “هآرتس” ان الحاخام يغئال ليفنشتاين، احد مؤسسي الكلية العسكرية في مستوطنة عيلي، هاجم الجيش الاسرائيلي وقال انه “ارتبك في قيمه”. وادعى ليفنشتاين حدوث تغيير في قيم الجيش، بقيادة سلاح التثقيف، وهو ما ينعكس، حسب رأيه، في التثقيف على التعددية الدينية والاعتراف بجمهور المثليين الذين وصفهم بالمنحرفين.
وكان ليفنشتاين قد شارك في مؤتمر “صهيون والقدس” الذي ناقش مواجهة التأثير الاصلاحي على يهودية الدولة، وطوال محاضرته وصف المثليين بأنهم “منحرفون”، ومما قاله: “توجد هنا حركة مهووسة فقد فيها الناس طبيعة الحياة، وهذه المجموعة تثير جنون الدولة ودخلت الى الجيش بكل قوة، ولا يتجرأ احد على فتح فمه والتصفير. في قاعدة التدريب العسكري بهاد 1 توجد محاضرات للمنحرفين”.
وقال ان “القمة” في النشاط التثقيفي كانت قبل عدة اشهر، حين تم اخذ متدربين في دورة للطيران للتطوع ودهن نادي المثليين في تل ابيب. واوضح: “عندما استفسر احد طلابنا الى اين يأخذونهم، قيل له انهم ذاهبون للتطوع في نادي المنحرفين في تل ابيب. دورة للطيران ينظمها الجيش الاسرائيلي ترسل الطلاب للتطوع ودهن نادي المنحرفين في تل ابيب. الطالب لم يرمش له جفن ولم يرتبك، وقال “لن اذهب. ما هي العلاقة بدورة الطيران. هذا يتعارض مع ضميري وقيمي. لست مستعدا للمشاركة”. فقال له القائد: “تسوية، انت لن تشارك في دهن النادي، لكنه لا يمكنك الانفصال عن المجموعة. واضطر الى سماع مواقف ومفاهيم هؤلاء الناس. انا اعتقدت ان هذا خطأ. فالمركز الذي تم ترميمه كان مركزا للشبيبة المثلية في تل ابيب، والذي تديره البلدية”.
كما ادعى ليفنشتاين خلال محاضرته ان الرحلات التي ينظمها الجيش الى بولندا ترتبط بإمكانية نشوء “المنحدر الحاد” وتقاد من قبل ضابط التثقيف الرئيسي العميد ابنير باز تسوك، وقال ساخرا من هدف الرحلات هذه: “نحن نمر الان بدورة تثقيف في اوشفيتس، كي لا نتحول في المناطق المحتلة الى نازيين”.
وقال الناطق العسكري معقبا، انه “منذ تأسيسه يعمل الجيش كجسم رسمي يخدم فيه قادة وجنود من مختلف اطياف وشرائح الجمهور. رحلة “شهود بالزي العسكري” هي احدى البرامج التثقيفية المميزة في هذا المجال- لغرس ذكرى الكارثة وتعزيز القيم لدي قادة الجيش”.
تكهنات باخضاع نتنياهو واسرته للتحقيق تحت طائلة الانذار
ذكر الصحفي امنون ابراموفيتش في القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي، ان فحص الشرطة في موضوع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بدأ في اعقاب معلومات وصلت من جهات مقربة منه، ويسود التقدير بأن نتنياهو، وربما ابناء عائلته سيخضعون للتحقيق تحت طائلة الانذار. وحسب التقرير فان التحقيق يوم الخميس الماضي، مع رئيس طاقم ديوان نتنياهو سابقا، اري هارو، تناول الفحص الجاري في موضوع نتنياهو.
كما قالت القناة الثانية ان التحقيق في القضية الحالية سيجري ايضا في الخارج، كما يبدو، في الولايات المتحدة وفرنسا. وحسب التقدير فقد ساهمت في فتح هذا الفحص معلومات تم العثور عليها في الحاسوب الشخصي لهارو، خلال التحقيق السابق معه حول الشركة التي يمتلكها.
وكانت الشرطة قد استدعت يوم الخميس الماضي، ايضا، مقربة من نتنياهو للإدلاء بإفادتها، ومن المتوقع ان يتم استدعاء مسؤولين كبيرين عملا في ديوان نتنياهو منذ عودته لرئاسة الحكومة في 2009، للتحقيق معهما في هذه القضية قريبا.
مشروع قانون اسرائيلي ضد الفيسبوك
تكتب “هآرتس” ان اللجنة الوزارية لشؤون القانون ستناقش اليوم، مشروع قانون الفيسبوك، الذي يدعو الى الزام الشبكات الاجتماعية على رصد وشطب منشورات التحريض الارهابي فيها. وقد بادرت الى مشروع القانون هذا النائب رفيتال سويد (المعسكر الصهيوني). ويدعو القانون الى فرض غرامة تصل الى 300 الف شيكل على الشبكة الاجتماعية التي لا تشطب منشورات كهذه. وقالت سويد ان “الفيسبوك يعمل بدوافع اقتصادية وطالما لم يتم المس بأرباحه والوصول الى جيبه العميق، فانه سيواصل تجاهل التحريض الارهابي. وكما عمل الفيسبوك من اجل منع نشر الاعتداء الجنسي على الأطفال، هكذا يمكنه ازالة كل منشورات التحريض الارهابي”.
وكان وزيرا الامن الداخلي والقضاء قد وزعا، في الاسبوع الماضي، مشروع قانون خاص بهما في هذا الموضوع، والذي سيتم طرحه امام اللجنة الوزارية بعد عدة اسابيع فقط. وانتقد معهد الديموقراطية الاسرائيلي مشروع قانون سويد وبعث بوجهة نظر مضادة الى اعضاء اللجنة الوزارية.
وجاء في الوثيقة التي كتبها د. تهيلا شفارتس التشولر، والمحامي يهونتان كلينغر، ان “مشروع القانون لا يواجه تحديات عهد الديجيتال والشبكات الاجتماعية بشكل فاعل. هذا الاقتراح يسعى الى تحويل شركات تجارية الى منظومة رقابة كبيرة تتطلب عددا كبيرا من القوى العاملة للقيام بعمليات الرصد والمراقبة. ومن اجل فحص ما هو التحريض هناك حاجة الى مهارة قاض يعرف الموازنة بين حرية التعبير والامكانية الملموسة لأن يؤدي النص المنشور الى التحريض الارهابي. ولذلك فان المقصود عملية شبه مستحيلة على المستوى التقني”.
كما تدعي الوثيقة ان مشروع القانون “يمس بشكل كبير بحرية التعبير ويسعى الى خلق منظومة لمنع المعلومات بدلا من العقاب على نشرها، وهذا كله في الوقت الذي لم يتم فيه تعريف ما يعتبر تحريضا على الارهاب بشكل واضح في القانون.
مقالات
المصالحة أخرت الرد الاسرائيلي
يكتب براك ربيد في “هآرتس” حول الرد الاسرائيلي على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، ويقول انه يمكن الافتراض بأنه بالنسبة للكثيرين ممن جلسوا في غرفة الطوارئ في وزارة الخارجية، ولأحد المقيمين في احد بيوت شارع بلفور في القدس (يقصد رئيس الحكومة نتنياهو – المترجم)، سادت مشاعر مختلطة يوم الجمعة ليلا. من جهة، ما كان احد في حكومة اسرائيل سيذرف دمعة لو كان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قد وجد نفسه صبيحة يوم السبت، معتقلا، بدل ان يحتفل مع انصاره في مطار اسطنبول بتصفية التمرد. ومن جهة ثانية، كم سيكون حجم الاحراج الاسرائيلي لو اتضح بأن اسرائيل وقعت على اتفاق مصالحة ووافقت على دفع 20 مليون دولار لشخص لم تعد له صلة.
بعد فترة وجيزة من التقارير الاولية حول محاولة الانقلاب في تركيا، تم اطلاع رئيس الحكومة نتنياهو على التفاصيل. وتم تفعيل غرفة الطوارئ في وزارة الخارجية، وحاول الدبلوماسيون الاسرائيليون في اسطنبول وانقرة، والذين طلب اليهم البقاء في بيوتهم، فهم ما يحدث قدر الامكان، ونقل ذلك الى الحكومة في القدس.
وخلال ساعات طويلة وصلت خلالها المزيد من التقارير الدرامية من تركيا، حافظت اسرائيل الرسمية على الصمت ولم تعلن موقفها. وخلال الليل، وفي خضم المعارك بين المتمردين والقوات الموالية لأردوغان، نشر الرئيس الأمريكي براك اوباما، ووزير خارجيته جون كيري، بيانين واضحين يعارضان فيهما الانقلاب العسكري ويعلنان تأييدهما للحكومة المنتخبة في تركيا. بعد ذلك وصلت بيانات مشابهة من وزارة الخارجية الالمانية ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فدريكا موغريني.
كان هناك سبب ركيك، بعض الشيء، للصمت الاسرائيلي الطويل – ففي نهاية الامر وقعت الاحداث خلال يوم السبت. لكنه كانت هناك أسباب أخرى. على خلفية الحساسية الكبيرة بين اسرائيل وتركيا وحقيقة ان اتفاق المصالحة بين الجانبين لا يزال في مهده، قررت وزارة الخارجية في القدس عدم الاسراع بالرد وانتظار اتضاح الاوضاع وفحص كيف سيرد المجتمع الدولي على الأحداث.
البيان الاسرائيلي الذي صادق نتنياهو على نصه، نشر بعد حوالي 15 ساعة من بداية محاولة الانقلاب، حين اتضح بأنه فشل نهائيا. الناطق بلسان وزارة الخارجية عمانوئيل نحشون قال في البيان ان “اسرائيل تحترم الاجراء الديموقراطي في تركيا وتتوقع استمرار عملية المصالحة بين البلدين”.
رغم ان البيان كان مقتضبا، الا ان الرسالة الأساسية الكامنة فيه كانت موجهة الى اردوغان، وهدفت التوضيح أنه بالنسبة لإسرائيل وتطبيق اتفاق المصالحة بين البلدين، تعتبر الأمور عادية. واشار مسؤولون كبار في القدس الى انه كان من المهم لإسرائيل ان تؤكد، من جهة، ان ما حدث في تركيا لا يضعف رغبة القدس بتطبيع العلاقات مع انقرة، ومن جهة اخرى، ارسال تحذير مؤدب كي لا يفكر احد في تركيا باستغلال محاولة الانقلاب كذريعة لخرق اتفاق المصالحة الغض.
من المفروض ان يصوت البرلمان التركي هذا الأسبوع على اتفاق المصالحة وتمرير قانون يلغي الدعاوى التي تم تقديمها ضد الجنود والضباط في الجيش الاسرائيلي الذين كانوا ضالعين في السيطرة على سفينة مرمرة في ايار 2010، حين كانت في طريقها الى غزة.
من دون تمرير القانون لن تقوم اسرائيل بتحويل 20 مليون دولار الى صندوق تعويض عائلات القتلى والجرحى الأتراك، وسيتهدد الخطر اتفاق المصالحة كله.
في اسرائيل يقدرون في كل الأحوال ان الأتراك ايضا يرغبون ببث صورة عادية للأوضاع ولذلك فانهم سيسعون الى مواصلة العمل حسب الخطة واجراء التصويت في البرلمان في موعده.
اذا تم كل شيء حسب خطة المصالحة بين البلدين، سيتم بعد عدة اسابيع تعيين سفير اسرائيلي جديد في انقرة. من سيتم تعيينه سيحظى بفرصة تاريخية لقيادة تحسين العلاقات، لكن احداث نهاية الأسبوع في تركيا ستجعل مهامه مثيرة واكثر حساسة.
نتنياهو لم يقرر بعد اذا كان يريد للسفير الجديد ان يكون تعيينا سياسيا او مهنيا من وزارة الخارجية. الان يسود التقدير بأنه سيختار الخيار الثاني. واذا حدث ذلك، يحتمل ان يكون الصراع بين عشرات الدبلوماسيين على نيل التعيين عاصفا وغرائزيا بشكل خاص.
الانقلاب فشل، والان دور انقلاب اردوغان القاهر
يكتب تسفي برئيل، في “هآرتس” انه يمكن لمحاولة الانقلاب العسكري في تركيا ان تشكل رافعة ضخمة للرئيس رجب طيب اردوغان، في تحقيق طموحه بالتحول الى الرئيس القاهر، وتحقيق انقلاب دستوري. بعد دورتين انتخابيتين في العام الماضي، لم يتمكن خلالهما اردوغان من الحصول على أغلبية كبيرة كافية في البرلمان، يمكن لمعركة الانتخابات الثالثة، والتي ستستغل مشاعر الجمهور المعادية للثورة والغضب على محاولة الانقلاب، أن تسمح له، اخيرا، بتغيير الدستور كما يشاء. وهذا يعني حصوله على صلاحيات تنفيذية واسعة، تجعل اردوغان رئيسا للسلطة التنفيذية في البلاد – وليس مجرد شخصية احتفالية، يتمتع بالفعل بسلطات واسعة، مثل تعيين رئيس الوزراء ورئيس هيئة الاركان، ولكن بعيدة جدا عن النموذج الأمريكي.
لقد حظيت طموحات أردوغان قبل صباح امس، بدفعة كبيرة على ساحتين أساسيتين: معظم قوات الجيش والشرطة عملت ضد مخططي الانقلاب، واعتقلت المئات من الضباط والجنود والآلاف من أتباع رجل الدين المنفي والخصم الثابت للرئيس، فتح الله كولن. وفي الوقت نفسه، سيطر المعارضون للانقلاب والمؤيدين لأردوغان على الشوارع ونالوا تأييد أحزاب المعارضة، التي أعلنت عن معارضتها للانقلاب.
لقد انعكس على هاتين الحلبتين، فشل المتآمرين الذين لم يقدروا بشكل صحيح حجم الدعم المحتمل للانقلاب. لقد اعتقدوا، كما يبدو، ان 60% من الجمهور، الذين لم يدعموا حزب العدالة والتنمية، سيخرجون الى الشوارع لدعم المتآمرين، وان كتائب اليابسة ستنضم الى القوات المدرعة والى عدد من اذرع سلاح الجو، وان الشرطة لن تتجرأ على الخروج ضد الجيش. وفي الجانب العسكري، يبدو ان الفشل نبع ايضا، من الحاجة الى الحفاظ على السرية حتى اللحظة الأخيرة، الامر الذي لم يسمح بإعداد قاعدة واسعة في الوحدات العسكرية. لأنه مقارنة بانقلابات عسكرية سابقة، لم تكن هذه المرة محاولة انقلاب من قبل الجيش كله وانما من قبل مجموعة منه، لا تمثل الهيئة العسكرية الرئيسية.
في الانقلابات التي وقعت في 1960 و1971 و1980، بكر الجيش، بشكل عام، بتحذير القيادة السياسية من نيته السيطرة على السلطة اذا لم تقم بإدارة شؤون الدولة كما يجب. وهذه المرة تم احتجاز رئيس الأركان خلوصي آكار كرهينة، في خطوة اعتبرت بمثابة تمرد عسكري داخلي. والنتيجة هي انه في المرحلة الاولى من الانقلاب، خلق المتآمرون الانقسام في صفوف الجيش والذي لعب ضدهم.
لم يكن الفشل تكتيكي فقط: انه فشل فكري وايديولوجي. في الانقلابات السابقة اعتمد الجيش على رسالته كمدافع عن الدستور الذي صاغه مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال اتاتورك، والذي يحدد هذه الرسالة. في تلك الانقلابات كانت الأسباب ظاهرة للعيان، كموجات العنف في الستينيات، او فقدان السيطرة على الحكومة في مطلع 1970. لكنه لم يكن للانقلاب هذه المرة أي اساس فكري، ولم يتجاوب مع الحاجة الفورية التي يمكن للجمهور ان يتماثل معها.
تركيا تعاني من العمليات، واقتصادها، خاصة السياحة، اصيب بشكل بالغ، وهناك حوالي ثلاثة ملايين لاجئ سوري يعيشون على اراضيها، والحرب ضد مواطنيها الأكراد اصبحت مسألة اعتيادية – ولكن بين هذا كله تنجح تركيا بالمناورة بشكل غير سيء. الاقتصاد لا يزال يعتبر قصة نجاح، وبالتأكيد في المقارنة مع الأزمة العميقة التي عاشتها تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة. اتفاق اللاجئين مع اوروبا، الذي يتوقع ان يحقق لتركيا حوالي ستة مليارات يورو، يعتبر هو ايضا انجازا. اجراءات المصالحة مع اسرائيل وروسيا، والتلميح الى المصالحة مع مصر، تجتث انتقادات المعارضة التي تدعي بأن اردوغان جعل تركيا معزولة. هذه النجاحات التي دعمتها نسبة تصويت عالية لحزبه وله شخصيا، حولت اردوغان الى رئيس (وقبل ذلك الى رئيس حكومة) لا بديل له. في غياب زعيم معارضة شعبي او مرشح منافس في حزب السلطة، الذي يدار كوحدة عسكرية، يقدر خصوم اردوغان السياسيين بأنه لا يمكن في المستقبل المنظور استبداله بطرق ديموقراطية.
ربما يكون هذا الاعتراف قد وقف في اساس تخطيط المؤامرة ضده. لكن ذلك اصطدم بمشاعر جماهيرية قوية – حتى وان كان اردوغان مكروها، فان الانقلاب اكثر كراهية. وحين تكون الأجواء هكذا، لا يمكن للجيش ان يعتبر منقذا للدولة، خاصة بعد 14 سنة من السلطة المدنية الناجحة. اضف الى ذلك، ان الجيش، وخاصة الاستخبارات العسكرية، تخضع للرقابة الداخلية التي لا تصل الى وسائل الاعلام. المنتقدون يتهمون الاستخبارات بالفشل في تشخيص منفذي العمليات واقتلاع خلايا داعش من تركيا، وكذلك بتقديم المساعدة للتنظيم، خاصة في ادارة حرب عنيفة وقذرة ضد المواطنين الاكراد في تركيا.
الحرب ضد الأكراد وسياسة اردوغان ازاء سورية، تشكل بؤرة للخلافات داخل الجيش نفسه، وفي الاروقة السياسية وفي اوساط الجمهور. باستثناء ذلك، فان الجيش الذي ابعده اردوغان عن السياسة وطهر صفوفه بشكل وحشي ممن اعتبروا معارضين له، يعتبر من قبل القسم الاكبر من الجمهور، مواليا للرئيس، ولذلك فان السلطة العسكرية لا يمكنها ضمان التغيير الذي يتوق اليه خصوم اردوغان.
في السنوات الاخيرة تعززت صورة اردوغان كزعيم لديموقراطية غير ديموقراطية. بعد قيامه بهز الجهاز القضائي، فصل مئات القضاة والمدعين، واقام منظومة حسب ما تهوى نفسه لتعيين القضاة. محاربته للصحافة الحرة، والسيطرة على الصحف ومحطات التلفزيون من قبل المقربين منه، واعتقال الصحفيين وملاحقة المنتقدين له في الشبكات الاجتماعية والتصريحات الشديدة ضد الخصوم السياسيين سدت قنوات التعبير امام المعارضين له، واثارت الغرب ضده. ولكن عندما يمنح الجمهور فرصة اسقاط نظام اوتوقراطي واستبداله بسلطة عسكرية، يتم اعتبار الخيار العسكري اشد خطورة.
بعد فشل الانقلاب يبدو ان الجيش، رغم ان غالبيته وقف الى جانب السلطة، سيتلقى ضربة قوية – ليس فقط من قبل اردوغان، الذي بدأ جولة تطهير شاملة، وانما ايضا من قبل الجمهور وحتى خصوم الرئيس، الذين يميلون الى الموافقة على تصريح رئيس الحكومة المخلوع احمد داود اوغلو، بأن “تركيا ليست دولة ما في افريقيا يمكن للجيش ان يسيطر عليها”. هذه الامور تنطوي على كثير من الرموز لما حدث في مصر قبل ثلاث سنوات، عندما قام الجيش بخلع الرئيس المنتخب بشكل ديموقراطي.
الان، من المتوقع ان يلجأ اردوغان الى سلسلة من الخطوات من اجل تحقيق الاستقرار واظهار سيطرته ازاء الغرب. يمكن للاقتصاد ان يكون ضحية لمحاولة الانقلاب، ولذلك من المهم طمأنة السوق المالية، واستئناف حركة الطيران عاجلا، ودفع سياسة المصالحة مع دول الشرق الاوسط، ومن بينها اسرائيل. سيضطر اردوغان الى محاسبة ليس من شاركوا في محاولة الانقلاب فقط، وانما رؤساء اجهزة الاستخبارات الذين لم يعرفوا عن نوايا المتآمرين. بالنسبة له ستكون هذه فرصة لإخضاع الجيش كله للقانون المدني، وربما لتغيير بنيته وطابع المهام الملقاة على عاتقه.
الجيش لم يعد قادرا
يكتب البروفيسور أيال زيسر، في “يسرائيل هيوم” ان فشل محاولة الانقلاب العسكري في تركيا يدل على ان الجيش التركي، الذي يرعب السياسيين، والذي اعتبر نفسه طوال سنوات كثيرة المدافع عن ميراث مؤسس الدولة كمال اتاتورك – هذا الجيش تحول من كلب بولدوغ شرس الى حيوان اليف، ومرة اخرى لم يعد بمقدوره عمل ما يشاء في الدولة.
لقد نفذ الجيش التركي اربعة انقلابات خلال العقود الأخيرة، بدء من انقلاب سنة 1960، الذي اعدم خلاله رئيس الحكومة، مرورا بانقلابي 1971 و1980، وانتهاء بانقلاب من وراء الكواليس في 1997، حين اضطر رئيس الحكومة من الحزب الاسلامي، النسخة السابقة لحزب اردوغان، الى الاستقالة من منصبه وتم اخراج حزبه عن القانون.
لكن هذا كله مسألة تخص الماضي البعيد، لأن الجيش لم يعد متماسكا كما كان، والتزامه بالدفاع عن ميراث اتاتورك، واستعداده للتدخل في الحياة السياسية في الدولة، تآكل ولم يعد قائما. والدليل على ذلك ان الانقلاب العسكري تم من قبل عدد من الضباط الهامشيين، وليس بموافقة غالبية رفاقهم وقادتهم، بل ليس واضحا من يقف من خلفهم. قبل ثلاث سنوات فقط تمكن الجيش المصري بقيادة الجنرال السيسي من قيادة خطوة مشابهة، لكن الجيش المصري اظهر التماسك واعتمد على الدعم الشعبي الواسع.
فشل محاولة الانقلاب تثبت، مرة اخرى، ما نعرفه عن تركيا بقيادة اردوغان، وهو ما عكسته الانتخابات التي جرت في البلاد خلال العقد الأخير: في الشارع التركي يتزايد الانتقاد لأردوغان، بل الشعور بالإنهاك من سنوات حكمه وجهوده للنيل من الديموقراطية في الدولة ومن طابعها العلماني، لكن معسكر المعارضين له، حتى وان كانوا غالبية الناخبين، ممزق ويفتقد الى القيادة والطريق. وباستثناء ذلك، لا يرغب احد في تركيا بالعودة الى ايام الانقلابات العسكرية السابقة. اردوغان، مع كل الانتقادات الموجهة اليه، هو حاكم انتخب في انتخابات ديموقراطية ويتمتع بنسبة تأييد واضحة، وهكذا ايضا خطواته، مهما كانت مدمرة من وجهة نظر معارضيه ومنتقديه.
لقد فضلت تركيا، امس، ديموقراطية مدرسة اردوغان على السلطة العسكرية. ولكن في ضوء شطب الجيش كلاعب سياسي في الدولة، سيضطر من يشعرون بالقلق ازاء محاولات اردوغان النيل من ميراث اتاتورك وتقييد الديموقراطية في البلاد الى العثور على سند ومدافع افضل من ضباط الجيش.
السلطة والجيش في تركيا: درس اردوغان
يكتب يوسي بيلين، في “يسرائيل هيوم” ان الحل الذي اوجده مصطفى كمال اتاتورك، مؤسس تركيا العلمانية، للحفاظ على الدستور، تمثل في جعل الجيش مسؤولا عن تطبيق الدستور. وكان هذا هو الترتيب الذي ضمن نوعا من استقرار السلطة، لكنه شكل تناقضا للاطار الديموقراطي، الذي يعبر عن رغبة الشعب، وليس عن تحليل الجنرالات لكيفية تطبيق الدستور. وكان اردوغان بالذات، حين كان رئيسا للحكومة، هو من دخل في صراع مع القيادة العسكرية لبلاده، ونجح بتقييد قوة الجيش الى حد كبير.
كان هناك من انتقدوه لأن ذلك لم يكن الا جزء من حملته لشل مراكز القوة المختلفة في بلاده (السلطة القضائية، وسائل الاعلام والاطار التعليمي – الديني الذي اقامة كولن، مؤيده السابق)، ولكن الاتحاد الأوروبي واخرين رحبوا بالخطوة، لأنها لاءمت المفهوم الديموقراطي الذي يعتبر الجيش منفذا لتوجيهات الحكومة وليس مراقبا لها. وكانت تلك هي الخطوة التي قربت تركيا (نظريا على الاقل)، من العضوية في الاتحاد الاوروبي.
محاولة الانقلاب التي صدمت الجميع، اثبتت بأن سيطرة الجيش ليست خطوة بسيطة، وان تغيير السلطة (كما حدث في مصر مع انتخاب مرسي وانتصار الاخوان المسلمين) لا يمكن ان يقود الى انقلاب فوري في اكبر واهم تنظيم في الدولة. والحديث عن ضباط امضوا عشرات السنوات من حياتهم في الاطار العسكري، وبلوروا مفاهيمهم خلال تلك السنوات، ولا يغيرونها بشكل فوري مع استبدال السلطة. حقيقة نجاح اردوغان في مرحلة معينة بمحاكمة مجموعة كبيرة من الضباط، بل واستبدال القيادة العليا للجيش، لا تقول ان الضباط الآخرين اقتنعوا بشكل اقل بعدالة طريقه. بل ربما حدث العكس. يمكن القول الان ان هذا الانقلاب كان يجب ان يكون اقل مفاجئا مما حدث. لم يكن بالإمكان منع محاولة الانقلاب فقط بواسطة الشبكات الاجتماعية. من يدعي ان هذه الشبكات استبدلت ميدان المدينة تعلم مدى خطأ هذه المقولة خلال الليلة الحاسمة بين الجمعة والسبت. لقد دعا اردوغان الناس للخروج الى الشوارع، فوصلوا الى المطار والشوارع والجسور والميادين، واوضحوا للمتمردين بأنهم سواء يؤيدون الرئيس او يعارضون بشدة سياسته وسلوكياته، الا انهم لا يريدون العودة الى سنوات الدكتاتورية العسكرية (بكل ابعادها السياسية والاقتصادية)، وانهم يفضلون الديموقراطية المعيبة على سلطة الجيش المتكاملة ظاهرا. لقد لعبت الشبكات الاجتماعية دورا في نقل الرسالة، ولكن لو بقي الشبان الاتراك في البيوت لكان الجيش هو الذي يحكم انقرة اليوم.
المحللون يتوقعون قيام اردوغان الآن بفرض قوته واستغلال محاولة الانقلاب الفاشلة لتبرير المس الفظ بشكل اكبر بحقوق الانسان وفرض سيطرة اكبر على وسائل الاعلام من اجل منع تكرار الحدث. التقدير هو انه سيحاول مرة اخرى تمرير التعديل الدستوري في البرلمان، لتوسيع صلاحياته (رغم انه نجح بإقامة نظام رئاسي، عمليا، دون اجراء أي تغيير دستوري). آمل ان يكون بين المقربين منه من يقترح عليه عمل العكس، وتذكيره بأنه هو، الى حد كبير، من جلب هذا الوضع على نفسه، حين بنى في قصر الألف غرفة لديه، غرفة اضافية زائدة. اذا قام الرئيس التركي بعمل ما يتوقع منه الآن، ستكون المعارضة الديموقراطية او الثكنات العسكرية هي التي ستظهر له الطريق الى الخارج.
أعجوبة اردوغان
تكتب سمدار بيري، في “يديعوت احرونوت” ان صورتان ستبقيان محفورتان في الذاكرة، وترويان حكاية الانقلاب القصير والغريب الذي انطلق بضجيج كبير وتم صده بسبب هواية. الخبراء سيشيرون الى مزيج من سلسلة اخفاقات حدثت على ساحات المواجهات، ويقظة اصحاب الحواس الحادة والمصالح السياسية في تركيا. اما المؤرخين فسيشيرون الى الدور الحيوي للمساجد التركية في اخراج الملايين لتظاهرات التأييد؛ المفتاح في أيدي الوعاظ. ولكنه حدثت اعجوبة كبيرة لأردوغان الذي لم تخنه حواسه السياسية.
في الصورة الأولى يظهر الجنرال دوندار جيوسي، قائد الفرقة الرابعة في الجيش التركي، وهو مكبل الأيدي، ومنزوع الرتب، ويقوده شرطيان يرتديان الزي الأسود. جيوسي هو صاحب اعلى رتبة عسكرية من بين 1563 ضابطا وجنديا تم اعتقالهم في نهاية الأسبوع. رأسه مرفوعة امام الكاميرات، لكن وجهه قاتما – لقد استسلم لمصيره. هذا هو طريقه الأخير، وهو يحرص على ان يتذكروه كمن لم يهرب او يتوسل من اجل حياته. الجانبان يعرفان ما الذي ينتظر جنرالا يحاول التمرد على السلطان.
في الصورة الثانية تظهر مذيعة التلفزيون الجميلة في قناة TRT الرسمية، وهي محاطة برفاقها، وقد اصابها الذعر بعد ليلة طويلة تحولت خلالها الى رهينة في ايدي الضباط المتمردين واضطرت الى قراءة بيان الانقلاب. هذا مبدأ معروف في الانقلابات في العالم الاسلامي: المتآمرون يهرعون الى استوديوهات التلفزيون من اجل نشر “البيان رقم 1″، حول السيطرة على السلطة. في الحالة التركية كتبوا للمذيعة الشقراء نص البيان وقامت هي بقراءته بنغمة غير احتفالية حين اعلنت عن “الانقلاب”. في اللحظة التي حررت فيها قوات الشرطة مبنى التلفزيون، سيطرت المذيعة بالقوة على الميكروفون وتحدثت عن الدراما التي حدثت وراء الكواليس. لم يكن الاضطراب قد انتهى، لكنه كان يتحتم عليها قول الكلمات التي ستنقذها من السجن.
محاولة الانقلاب لم تكن مفاجئة كليا لأروغان. الاستخبارات التركية حذرت من تنظيمات خفية في صفوف الجيش، لكن اردوغان، الذي اختفى عن اعين الجمهور منذ ستة أيام، أصر على الخروج لعطلته المخططة مسبقا في فندق مرمريس الفخم في بودروم الممتعة. كان المتآمرون يعرفون جدوله الزمني، ولو قاموا بإطلاق النار على الفندق قبل نصف ساعة لكانوا قد تمكنوا من تصفيته واستكمال السيطرة وتنفيذ الانقلاب العسكري الخامس في تاريخ تركيا الحديثة.
لكن اردوغان هرب من بين أياديهم. وحين تم فتح النار على الفندق كان قد غادره، وحين حاولوا اعتراض طائرته اختفى. حسب الخطة، قام المتآمرون بأسر رئيس الأركان التركي خلوصي أكار في قاعدة عسكرية في انقرة. وخلافا لتوقعاتهم ورغم ممارسة العنف ضده، الا أنه رفض الانضمام اليهم.
سيتم لاحقا محاسبة أكار لأنه لم يشخص جيوب المعارضة القائمة تحت أنفه، لكن اردوغان ورئيس حكومته يوجهان التهمة الآن الى المستشار القانوني لرئيس الأركان، محرم كوسا. بالنسبة لهم هو العنوان. اذا كان فتح الله كولن، اكثر الذين يكرههم اردوغان، هو الدماغ المخطط من فيلادلفيا، فقد تجند المقرب من رئيس الأركان ليكون مقاول التنفيذ.
المفاجأة الكبرى جاءت من البيت الأبيض. فالرئيس اوباما لم يهدر الوقت واصدر بيان دعم لأردوغان “الذي انتخب في اجراء ديموقراطي”. واشنطن تستهتر بشكل كبير بخرق حقوق الانسان والاعتقالات وكم الأفواه وجبال الفساد في السلطة. كل شيء يتعلق بالمصالح. الولايات المتحدة لا يمكنها السماح لنفسها بالتخلي عن القاعدة الجوية في انجرليك، التي تنطلق منها طائرات التحالف لشن الهجمات في سورية والعراق، وستعرف كيف تغض النظر حين سيبدأ موكب الاعدام. اردوغان، الذي يخرج مصابا بالندوب من هذه القضية، لا ينوي الصبر او اظهار الرحمة. النخبة في شعبه ستواصل الاشمئزاز من اسلوب ادارته الدكتاتوري، “لكن ليس هكذا يتم استبدال السلطة” كما شرح مسؤول اكاديمي في انقرة.
اردوغان يجري جردا، من اتصل هاتفيا ومن ارسل بيان دعم. لدينا، وليس صدفة، صدر بيان غامض جاء فيه ان “العلاقات لن تتضرر”. يصعب تخيل نتنياهو يجري اتصالا هاتفيا مع اردوغان بعد كل ما اطعمه له، واردوغان من جانبه لا يحتاج الى الربت من القدس. على الجدول مطروحة الآن مسألة تعيين السفراء في انقرة والقدس، وبعد توقيع الاتفاق لن يكون هناك أي شيء ملح. سيكون من المثير تعقب سلوك اردوغان خلال الفترة القريبة. لقد تعلم الدرس، وتركيا ستحصل على وجه آخر.
الديموقراطية لم تنتصر
يكتب بن درور يميني، في “يديعوت احرونوت” انه ليس واضحا بأن النوايا كانت جيدة، لكن الواضح ان النتيجة ستكون سيئة، خاصة لتركيا. منذ عقد ونصف يوجد لتركيا زعيم شعبي وقوي، رجب طيب اردوغان، الذي كلما عزز نفسه، كلما اضعف الديموقراطية. الآن، في اعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، سيصبح الزعيم اقوى، والديموقراطية اكثر ضعفا. الغالبية تدعم اردوغان. لقد انتخب في اجراء ديموقراطي، لكن المسألة هي انه لا حاجة للعودة الى الاجراء الديموقراطي في المانيا في سنوات الثلاثينيات، لكي نفهم بأن الاجراء الديموقراطي لا يضمن الديموقراطية، بل ابعد من ذلك.
منذ عشرات السنين، تعيش تركيا حالة توتر بين الجيش، الذي يعتبر علمانيا، وبين السلطة، التي تسيطر عليها احزاب اسلامية. في سنوات التسعينيات سيطر على تركيا حزب الرفاه، الذي ترأسه نجم الدين أربكان، رئيس الحكومة. لقد كان أربكان، مثل حزبه، اسلاميا واضحا. الا ان الجيش التركي الذي تسلم المهمة التقليدية كحارس لميراث مؤسسة تركيا العلمانية، مصطفى كمال اتاتورك، طرد حزب الرفاه من السلطة. وصادقت المحكمة الدستورية في تركيا على الغاء الحزب. والتمس اربكان والحزب الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهي المحكمة الدولية التي تشمل صلاحياتها كل دول اروبا. لكن المحكمة، وفي قرار دراماتيكي وموجه، قررت بأن الغاء الحزب كان قانونيا، لأن من يهدد مبادئ الديموقراطية ويخطط لنظام ثيوقراطي، لا يستحق الحماية من قبل المحكمة.
احد شبان الحزب، كان رجب طيب اردوغان. لقد اسس حزب العدالة والرفاه، الذي كان في واقع الأمر متفرعا عن الحزب الذي تم اسقاطه. وخلال فترة قصيرة سيطر الحزب على السلطة، في اجراء ديموقراطي مطلق. وخلال العقد الماضي، نجح اردوغان بإضعاف مراكز القوة العلمانية، وعلى رأسها الجهاز القضائي والجيش والشرطة ووسائل الاعلام. وفرض اردوغان ديموقراطية عرجاء، من خلال المس الكبير بحرية التعبير والمس المتكرر بالشبكات الاجتماعية التي كانت في تركيا ايضا، مركزا للانتقاد الفظ ضد السلطة.
من سخرية القدر ان اردوغان نفسه ركض ليلة امس الاول الى الشبكات الاجتماعية، التي كانت مشلولة جزئيا، لكي يدعو الشعب الى انقاذ سلطته. لقد نجح بالوصول الى قناة تلفزيون قطرية بواسطة تطبيق FaceTime، ونشر تغريدة ايضا، جاء فيها: “ادعو الأمة للخروج الى المطارات والميادين من اجل اعادة الديموقراطية وارادة الشعب”. وفشلت محاولة الانقلاب ايضا، بسبب الاستخدام الناجح للشبكة الاجتماعية واخراج جماهير الشعب الى الشوارع.
ديموقراطية اردوغان تشمل مئات مواقع الانترنت التي تم اغلاقها بأمر من السلطة، وعشرات الصحفيين الذين حوكموا و/أو تم زجهم في السجن بسبب اهانة الحاكم الأعلى. والنتيجة هي ان تركيا تمضي لتحتل مكانا اكثر متدنيا في مقياس الديموقراطية. لقد اصبحت تركيا اقل ديموقراطية وفرصة هزم اردوغان بواسطة مركز القوة العلماني والهام، الجيش، تساوي الصفر.
توجد للانقلابات العسكرية رائحة سيئة دائما، ولكن عندما يمثل الجيش قيم الدولة العلمانية بالذات، وتمثل السلطة المنتخبة التدهور نحو اتجاه اكثر اسلامي، ليس من الواضح ان قرار الغالبية يعكس المشهد الشامل. الديموقراطية هي، ايضا، سلطة الغالبية، لكنها ليست سلطة الغالبية فقط. لقد تحولت حماس الى اكبر حزب في انتخابات ديموقراطية، فهل توجد لديها أي ذرة من الديموقراطية؟ الاخوان المسلمون سيطروا على مصر في انتخابات ديموقراطية، وخلال فترة قصيرة تمكنوا من المس بكل شيء جيد تقريبا. الجيش لم يقم بانقلاب، وانما انضم اليه. في هذه الحالات لا يكون الخيار بين الخير والشر، وانما بين الشر والأسوأ. ربما يجب رفض الانقلاب العسكري في كل الحالات، وربما يكون اردوغان هو الأقل سوءا، لكن الانقلاب الفاشل افشل معه ما تبقى من الديموقراطية التركية. لقد شهدت تركيا سنوات سيئة، ومنذ الان وصاعدا، ستشهد سنوات أسوأ.



