
إن المتتبع لسيرة ومسيرة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، طيلة تسعة وأربعين عاماً من النضال والكفاح الوطني، يقف إجلالاً وإكباراً أمام هذا التنظيم: الفلسطيني المنشأ، والوطني التوجه، والحضاري والتقدمي والإنساني الرؤية، الذي تتجسد فيه أسطورة طائر الفينيق، الذي ينبعث من الرماد، ليعطي نموذجاً في التحدي والتجدد والاندفاع.
إن سر احتفاظ جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بموقعها في مركز الخارطة السياسية الفلسطينية، وبقائها في صميم قلوب كثير من أحرار وثوار فلسطين والعالم، منذ انطلاقتها عام 1967م، وحتى اللحظة الراهنة، لم يكن بفضل الامكانات المادية التي تمتلكها، فهي متواضعة إلى حد بعيد بالمقارنة بما يمتلكه غيرها، ولم يكن استمرار نضالها هذه السنوات الطوال، نتيجة احتضان وحماية لها من قبل قوى إقليمية ودولية على سبيل المثال، بل كانت وما زالت تعاني من سطوة الجغرافية السياسية، وجبروت المعسكر المعادي للثورة الفلسطينية، وللقرار الوطني المستقل.
إن سلاح جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الذي مكنها من الصمود والبقاء، وحافظت من خلاله على دورها ومكانتها في كافة الساحات والميادين، هو موقفها السياسي الوطني الأصيل، الذي عبرت فيه عن تمسكها بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، وتغليبها للمصلحة الوطنية، وانحيازها للوحدة والعمل الوطني المشترك، وقناعتها بأن المعركة الرئيسة لشعبنا هي مع الاحتلال، وأن السبيل لحل كافة التناقضات الداخلية هو الحوار الوطني لا غير، وأن الدم الفلسطيني خط أحمر لا يجوز تجاوزه.
واستناداً لهذا الموقف استطاعت الجبهة التمييز بين معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء للشعب والوطن والقضية، وتجسيداً لتلك القناعة السياسية والوطنية، مارست الجبهة كافة أشكال المقاومة الجماهيرية والسياسية والمسلحة، وكان لها في كل شكل من أشكال النضال والمقاومة صولات وجولات، وشاركت في كافة معارك الدفاع عن الثورة، وعن القرار الوطني المستقل، وحماية وحدانية التمثيل السياسي الفلسطيني ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية.
كم هي عظيمة تلك البدايات! عندما انطلقت جبهة النضال من قلب فلسطين، وتحديداً من مدينة القدس، في الخامس عشر من شهر تموز عام 1967م، في ظل واقع أليم، خيمت فيه أجواء الهزيمة على المنطقة بأسرها، وفقد فيه شعبنا ما تبقى له من أرض فلسطين بعد احتلال عام 1948م، وسقط فيه الرهان على النظام العربي الرسمي، لاسترداد الحقوق المسلوبة، فتولدت القناعات لدى المؤسسين الأوائل للجبهة، بأن الوقت قد حان ليتحمل الفلسطينيون المسئولية الوطنية، وعبء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لتحرير الشعب والأرض والمقدسات.
كان أول عمل قامت به الجبهة عشية انطلاقتها دفن جثامين شهداء العدوان الإسرائيلي حزيران عام 1967م، وجمع وتخزين الأسلحة، والتصدي لمخطط التهجير والطرد للسكان الفلسطينيين من الضفة الغربية والقدس، ودعوة الجماهير لمقاطعة التجار الإسرائيليين ومؤسسات الحكم العسكري، وفي شهر كانون الأول من العام نفسه، انتقلت الجبهة من طور المقاومة الجماهيرية، إلى طور المقاومة المسلحة، واستطاعت خلال مسيرة كفاحها المسلح أن تسطر سجلاً حافلاً بالعمليات الفدائية البطولية، ولم تتوانى عن المشاركة في أي من معارك الثورة الفلسطينية، بدءاً من معركة الكرامة عام1968م، ومروراً بالتصدي للاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م، ثم معارك الدفاع عن المخيمات عام 1985م، وليس انتهاءً بالمشاركة في الانتفاضات والهبات الشعبية المتوالية.
وعلى صعيد الموقف السياسي للجبهة، في كافة المحطات التي مرت بها القضية الفلسطينية، كان موقف الجبهة ينبع أساساً من رؤيتها للمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، فلم تقبل يوماً المتاجرة بموقفها السياسي، ولم تقبل أبداً المساومة على مبادئها ومنطلقاتها الوطنية الأصيلة، ولم ترهن في وقت ما قرارها الوطني المستقل، وموقفها السياسي، لأجندات لا تخدم القضية الوطنية، فرفضت ابتزاز المال السياسي والجغرافية السياسية، وقاومت كافة محاولات الطمس والتذويب والاحتواء، وتصدت لجميع أشكال فرض الوصاية الإقليمية والدولية، وقد دفعت الجبهة ثمن تمسكها بمواقفها الوطنية، وتبينها لطموحات وآمال الشعب الفلسطيني، ولخيارات جماهيره الكادحة، ولاجئيه، وأسراه، ومقاتليه، بأن تعرضت قيادة الجبهة وكوادرها وأعضائها أحياناً كثيرة للطرد والملاحقة والاعتقال والتصفية الجسدية، وغيرها من الممارسات التي استهدفت تطويع الجبهة، وثنيها عن التمسك بخياراتها الوطنية، والنيل من قرارها الوطني المستقل.
منذ انطلاقتها، أكدت جبهة النضال على التمسك بهدف التحرير والعودة والدولة المستقلة، ورفضت أي تسويات سياسية تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني، واعتبرت أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف الوطنية. ورفضت في العام 1974م برنامج النقاط العشر، الذي تبناه المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة، لا لرفضها فكرة البرنامج السياسي المرحلي، إنما لخشيتها أن يستغل هذا البرنامج من قبل بعض الأطراف في الساحة الفلسطينية، لتبرير الدخول في مشروع التسوية المطروح في مؤتمر جنيف آنذاك، وإيمان الجبهة وقناعتها بأن الشروط الموضوعية لتحقيق تسوية سياسية عادلة لم تكن متوفرة حينذاك، وهو ما يهدد بفرض حلول سياسية تنتقص من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وفي الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1988م، صوتت الجبهة لصالح وثيقة إعلان الاستقلال، ولكنها عارضت الفقرة التي تضمنها البيان السياسي الذي صدر في ختام أعمال دورة المجلس نفسها، والتي تقر قبول قراري مجلس الأمن الدولي (242) و(338) كمرجعية للعملية السياسية، كون هذين القرارين ينتقصان من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ولا يعالجان القضية الفلسطينية، إنما يعالجان آثار عدوان عام 1967م.
وفي دورة المجلس الوطني الفلسطيني العشرين عام 1991م، والتي جاءت في ظروف صعبة مرت بها منظمة التحرير الفلسطينية، وما عانته من عزلة سياسية، وأزمة مالية، وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية، وما ترتب عليها من انقسام وتشرذم في الموقف العربي، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وانهيار المنظومة الاشتراكية التي كانت أكبر داعم لنضال الشعب الفلسطيني، رأت الجبهة أن المشاركة في العملية السياسية مع التمسك بالثوابت الوطنية، يعتبر تثبيتاً لحضور الشعب الفلسطيني في قلب النظام الدولي الجديد، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى لا يكون هذا النظام على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
وعندما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو عام 1993م، سجلت الجبهة العديد من التحفظات على بعض بنود الاتفاق، واعتبرتها مجحفة بحق الشعب الفلسطيني، ورغم تحفظ الجبهة فإنها دعت إلى وحدة الصف، وأن تكون المعارضة الفلسطينية في إطار المؤسسة الوطنية. ولم يمنع تحفظ الجبهة على اتفاق أوسلو من المشاركة في بناء السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي اعتبرتها خطوة على طريق إقامة الدولة الفلسطينية، وتحقيق الأهداف الوطنية في الحرية والعودة والاستقلال.
وقد استطاعت الجبهة منذ عودة مركز ثقلها القيادي إلى أرض الوطن من تثبيت حضور الجبهة في كافة الميادين، وتمكنت من تعزيز دورها الوطني ومكانتها السياسية في جميع محطات النضال الوطني الجماهيري والسياسي.
وخلاصة القول، فإن المتتبع لسيرة ومسيرة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، يجد نفسه أمام تنظيم فلسطيني وطني وديمقراطي، استطاع أن يحافظ على مبادئه ومنطلقاته الوطنية التي نشأ من أجلها، وتمكن من التمييز الدقيق بين ما هو استراتيجي وثابت في الأهداف الوطنية التي يناضل من أجلها، وبين ما هو مرحلي ومتغير، فلم يفرط ولم يساوم على أي من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ولم يكن يوماً عدمي المواقف، فقد ولد هذا التنظيم راشداً، ولم ولن يعيش مرحلة المراهقة السياسية، وستظل بوصلته فلسطين والقدس على الدوام.




