الاخبارشؤون فلسطينية

إسرائيل ارتكبت جرائم “تطهير عرقي” في العام 1948.. بشهادة والدي

refugee-7
في الليلة التي سبقت إعلان قيام دولة إسرائيل، قامت مجموعة مقاتلين من لواء غيفعاتي بشن هجوم على قرية القباب. وقد وصف الكاتب الإسرائيلي، إبراهيم أيالون، في كتابه «لواء غيفعاتي في حرب الاستقلال» كل تفاصيل المعارك التي خاضها اللواء، ونقل شهادة الرقيب الأول في الكتيبة الأولى من السرية، إسحق عين جيل، الذي تحدث عن كل تفاصيل المعركة.
قال عين جيل: «ظهر 14 نيسان، بينما كنا متعبين بعد الانسحاب من معسكر الاعتقال قرب اللطرون، جاءنا نائب رئيس السرية، ليعلمنا أنه يجب علينا مغادرة كيبوتس جازر فورا، والتوجه لمهاجمة القبائل. لقد غادرنا في حدود الساعة 21.30، أي قبل ساعتين ونصف الساعة تقريبا من الانسحاب البريطاني التاريخي. بلغنا وجهتنا في حدود الساعة الصفر، أي في منتصف الليل يوم 15 نيسان، بعد أن بدأ قصف القرية. واستطعنا أن ندرك ذلك من خلال دوي الانفجارات، لكننا شعرنا بالخيبة عندما اكتشفنا أن الأمور بدأت تأخذ منحا جديا، أكثر من مجرد تدريب على الركض في بركة مياه بين أشجار الصنوبر. وأدركنا لاحقا أن المدرعات قامت بنشر قذائف الهاون من نوع دافيدكنس في مكان بعيد عن القرية، وحتى القذائف التي تمكنت من الانفجار، لم تصب الأهداف المحددة».
«عندما توقفت عملية القصف على القرية، صاح يوش، قائد سرية يوسف هارباز في الجنود «سيروا إلى الأمام أيها الأولاد. انتقموا لدماء رفاقنا الذين سقطوا في لطرون». كنا قد اقتحمنا حينها البيوت الأولى في الجزء الغربي من القرية. كان الجنود يركلون الأبواب بأقدامهم أو يكسرونها بأعقاب بنادقهم، يلقون قنابل يدوية في الغرف ثم يطلقون النار بالرشاش على الجميع. كانت القرية خالية من السكان والمقاتلين، باستثناء بعض الأشخاص المسنين الذين لم يعودوا يجدون مكانهم في القرية التي يعيشون فيها».
«اعتقدت في وقت ما أننا سنواجه قوات الأعداء، لكن لم يكن في انتظاري سوى خيبات الأمل. وهذا ما حدث فعلا. بينما كنا نتقدم في الشوارع لمواجهة المدرعات، تفطنت إلى خيط من الضوء الخفيف يخترق شقوق باب خشبي في أحد المنازل. لقد استمعت إلى جلبة وهمهمة خافتة داخل البيت، فقررت أن أقترب من البيت بحذر شديد، وركلت الباب بقدمي، بينما كنت على استعداد المدفع الرشاش اليدوي، لكنني تفاجأت عندما رأيت أنصارنا جالسين حول ضوء خافت، يشربون زجاجات من الصودا تكريما لنهاية الانتداب البريطاني وإعلان قيام الدولة».
«إن هذا الوصف لا يتضمن أي مشاهد دموية. كانت الطلقات كلها في اتجاه واحد، ولم يؤد ذلك إلى مقتل أحد، لكن عمليات التطهير العرقي لا يمكن أن تختلف كثيرا عن هذه الممارسات التي تبدو عادية».
إسحق عين جيل الذي كتب هذه الكلمات خلال الحرب كان والدي. وعندما قرأت هذا الكتاب الذي تضمن شهادة والدي لأول مرة عندما كنت في سن العاشرة من العمر، لم تثر لدي أية تساؤلات. لكنما كلما قرأتها مرة أخرى بنظرة نقدية، لشخص عاش تجربة العمل في الخدمة العسكرية، خطرت ببالي عدة تساؤلات. على سبيل المثال، ماذا لو لم يواجه جنود غفعاتي أي مقاومة في القرية التي كانوا يخططون لتطهيرها واكتساحها بالرشاشات والقنابل اليدوية؟ أو إذا عثر والدي في ذلك البيت الصغير الذي اقتحمه على مجموعة فلسطينيين عزل بدلا من أنصاره، هل كان سيستمتع بقتلهم؟
أردت أن أعتقد عكس ذلك، لكن لم يكن هناك أحد آخر لأطرح عليه هذه الأسئلة، لأن والدي لم يعد على قيد الحياة. أما اليوم، عندما أصبحت في نفس سن أولئك الأشخاص المسنين الذين رفضوا يوما ما مغادرة قريتهم، لدي سببان آخران لأقلق لأجلهما: كم كان عدد الأشخاص المسنين الذي وجدهم الجنود؟ وكيف كانت نهايتهم؟
ذكر الأستاذ بني موريس، الأسبوع الماضي، أنه لا يقبل استعمال عبارة «التطهير العرقي» لوصف ما قام به اليهود في إسرائيل في سنة 1948، وأضاف: «إذا كنا نتحدث عن اللد والرملة، فإن ذلك قد يعني تطهيرا عرقيا جزئيا».
ما زلت أذكر الجولات الروتينية في مواقع القتال التي شارك فيها عناصر لواء غفعاتي، وكانت تشارك فيها عائلات أولئك الجنود. ولم أشاهد أي قرية عربية واحدة خلال الجولة العائلية في تلك المنطقة. ومن خلال إلقاء نظرة بسيطة على الخريطة التاريخية للمنطقة يمكن أن كل القرى العربية من تل أبيب وضواحيها، إلى حدود غزة لم تنجح في الصمود في وجه تلك العمليات. وهو ما يمكن ملاحظته أيضا في المنطقة الممتدة بين تل أبيب والخضيرة في الشمال.
يستند موريس في أطروحته على دليل قطعي حسب اعتقاده، عندما يقول إن «160 ألف عربي بقوا على الأراضي الإسرائيلية»، على حد تعبيره. هل نسي الأستاذ موريس ما نجم عن اتفاق الهدنة مع الأردن في سنة 1949، عندما قامت إسرائيل بإلحاق 28 قرية فلسطينية تضم 35 ألف نسمة بالأردن، الذي كان خلال تلك الفترة خاضعا للإرادة العسكرية العراقية؟
بعد نهاية الحرب، لم يبق داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل سوى خمس عدد الفلسطينيين العرب. وقد بلغ عدد العرب الذي فضلوا البقاء في هذه المناطق حوالي 125 ألف شخص، من بينهم 15 ألفا من الدروز المتحالفين مع إسرائيل، و34 ألف مسيحي من الذين تتعامل إسرائيل معهم باحترام حتى لا تُغضب حلفاءها في الغرب. وفي المقابل اختارت بعض قيادات القرى البدوية المسلمة التحالف مع إسرائيل وجيرانهم اليهود. بينما لم يكن المسلمون الذين بلغ عددهم في المناطق الإسرائيلية 75 ألف شخص، أوفر حظا من غيرهم، فقد طرد أغلبهم من ديارهم وفروا من قراهم، أو لم يسمح لهم بالعودة إليها إلى اليوم، لتكون نتيجة ذلك عشرات الآلاف من الأشخاص المتشردين في الداخل. وشملت عمليات التهجير أيضا بعض المسحيين الذين تم إجلاؤهم من قراهم القريبة من الحدود اللبنانية.
لقد كان المؤرخ بني موريس على حق عندما قال «إن الجو العام للتغيير» جعل إسرائيل تفرض قوانينها منذ نيسان 1948، لكنه كان مخطأ عندما اعتقد أن هذا الجو العام لم يتحول أبدا إلى سياسة رسمية. في الحقيقة، تلقى قائد لواء غفعاتي أمرا في آذار 1948، هو الخطة «د» التي تحدث عنها كتاب غفعاتي بالتفصيل في سنة 1959. وقد تضمنت الخطة إصدار أوامر مباشرة بتولي «عمليات الاستيلاء، والتخلص، والإبادة» وفقا لخطة قامت في البداية على «تدمير القرى، وإضرام النار فيها، وتفجيرها، وزرع الألغام في الحطام، خاصة في المناطق السكانية التي يصعب السيطرة عليها»، ويحدث ذلك غالبا وفق خطوات واضحة تشمل «تطويق القرية، واجراء بحث دقيق داخلها، وتدمير المقاومة المسلحة وطرد السكان خارج حدود الدولة».
إذا كان موريس يعتقد أن «هناك بعض الضباط قاموا بطرد العرب، بينما امتنع آخرون عن ذلك»، فإنه يجب أن نتذكر جيدا أن هؤلاء الضباط تصرفوا وفقا لروح العصر، مثلما استجابوا «للجو العام للتغيير»، ولذلك نجحوا في القيام بعمليات الطرد وفقا لما تمليه عليهم أنفسهم، بغض النظر عن الجو العام للتغيير.

عن «هآرتس»

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى