خالد العزة أشهد أنك قد عشت 63 عاما
بقلم الاعلامي :ناصر اللحام
كتب ناصر اللحام – في اخر زيارة قام بها المرحوم المناضل خالد العزة لوكالة معا ، ظل يتحدث في السياسة وظللنا نحن نطلب منه المزيد والمزيد ، ليس لاننا نحب السياسة بل لانه كان يذكرها بحس دعابي يجعلنا نبكي من شدة الضحك ، فقد كان المرحوم من اصحاب المدرسة الساخرة والتي من خلالها يوجه النقد اللاذع وباختصار لكل المسؤولين ولكل الظواهر .
سائق شاحنة دهس خالد العزة فقتله ، يذكرني هذا بنهايات أبطال دوستوفسكي ، وتراجيديا خالد بن الوليد ، فليس كل من خاض ساحات الوغى مات فيها ، وليس كل الذين هربوا من ساحات الوغى نجو منها .
وكنت سابقا كتبت في يوم وفاة الصديق العزيز فؤاد رزق الامين العام لحزب الشعب ، كتبت أننا دأبنا ان نلتقي في مكتبي لشرب القهوة صباحا ، فؤاد رزق ” ابو انور ” وخالد العزة ” ابو الوليد ” ومحمود خميس ” ابو بيبرس ” وعيسى قراقع ” ابو خالد ” والدكتور عبد الرحمن عباد ” ” ابو فادي ” وحسين رحال ” ابو عامر ” ومجموعة من الاصدقاء …. وقد تعلمت منهم انهم لا يخافون الموت ابدا ، بل انه وبعد وفاة ابو انور او ابو بيربس ظلوا على نفس العادة يأتون ويتحدثون عن الحياة وعن النضال وعن القضية ….
فهذا الجيل لا يؤمن بالتقاعد ابدا ، والمناضل ليس موظفا ليتقاعد اصلا ، وحين دبت بهم الامراض واضطروا للخضوع لعمليات جراحية في القلب ، لم يتوقفوا عن التدخين ولم يتوقفوا عن الحديث في السياسة ، وكانت ضحكاتهم تعلو وتعلو اكثر واكثر واكثر .
خالد العزة ، كان لماحا مثل فهد ، وجريئا مثل اسد ، وعاليا مثل نسر ، وسريعا مثل سهم ، لم تنقصه الثقافة ولا التجربة ، فكان باقة ورد في يد اصدقائه وكان سوطا على ظهور خصومه .
تشجعت مرة وقلت له انت مثل الشاعر التشيلي بابلونورودا ، وكنت متخوفا من ردة فعله فاجاب بكل هدوء ( انا يا ناصر قد عشت خمس ثورات دون ان اكسب اية معركة ، فحين وقعت ثورة العمال البروليتاريا في الخمسينيات كنت انا فلاحا ، وحين صارت ثورة الراسمالية في الستينيات كنت انا لاجئا فقيرا ، وحين صارت ثورة التكنولوجيا في الثمانينيات كنت انا في معسكرات اللجوء ، وحين صارت الثورة الجنسية في التسعينيات كنت انا شيخا عجوزا ) فضحكنا حتى تألمنا من بطوننا .
و بابلو نيرودا الشاعر التشيلي الأكثر شهرة في القرن العشرين من أمريكا اللاتينية. من أشهر مجاميعه هي عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة” التي ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية. ” في هذه الليلة, أنا قادر على كتابة أكثر القصائد حزناً” كتب سيرته الذاتية بعنوان” أشهد أنني قد عشت” وترجمت إلى العربية منذ السبعينات من القرن الماضي. عندما أطاح الجنرال بينوشيه بالحكومة الإشتراكية المنتخبة ديمقراطياً وقتلوا الرئيس سلفادور أليندي, هجم الجنود على بيت الشاعر وعندما سألهم ماذا يريدون أجابوه بأنهم يبحثون عن السلاح فأجابهم الشاعر أن الشعر هو سلاحه الوحيد. وفي21 أكتوبر عام1971 فاز نيرودا بجائزة نوبل في الأدب .
خالد العزة لم يمت من عجلات الشاحنة التي دهسته ، اعتقد انه مات من فرط الوجد . رحمة الله على روحك يا ابا الوليد ، انتم السابقون ونحن اللاحقون .


