الرئيسيةالاخبارمشكلة "نهاية العالم" الإسلامية

مشكلة “نهاية العالم” الإسلامية

index
إسطنبول- يعرض غلاف العدد الأخير من “دابق”، مجلة “داعش” التي ينشرها التنظيم على الإنترنت، صورة مقاتل جهادي يقف أمام علم التنظيم الأسود سيئ الصيت. ويبدو أنه يقف فوق سطح كنيسة، وهو يهدم مجسماً لصليب. وتحته، يقول العنوان الرئيسي: “كسر الصليب”.
ربما يبدو الأمر في البداية فقط وكأن “داعش” يحتفل بحملته لاقتلاع المسيحيين من العراق وسورية. لكن “كسر الصليب” ليس عبارة عشوائية. إنها تحيل إلى نبوءة يفترض أنها ستتحقق في الحقبة الأخيرة التي تسبق يوم القيامة ونهاية العالم.
وتأتي هذه النبوءة من أحاديث تُنسب إلى النبي محمد (ص)، وهي أدبيات تعد أقل قدسية من القرآن، لكنها تظل مؤثرة في تشكيل العقيدة الإسلامية. ووفقاً لبعض هذه الأحاديث، فإن يوم القيامة سيأتي على مراحل. وفي المرحلة الأولى، سوف يمتلئ العالم بالظلم، وسيتعرض المسلمون للاضطهاد ويصبحون مستضعفين. ثم سيأتي اثنان من المنقذين: “المهدي”، وهو خليفة يتلقى توجيهاً إلهياً والذي سيوحد المسلمين ويمكِّنهم، ثم يليه نبي قديم سيعود إلى الأرض ليدعم المهدي ويهزم الشر. ولن يكون هذا النبي محمد (ص)، كما قد يتوقع المرء، وإنما المسيح، الذي يشيد به القرآن باسم المسيح وكلمة الله.
وهناك الكثير من المسيحيين الذين ينتظرون أيضاً المجيء الثاني للمسيح، وبذلك ربما تبدو هذه أخباراً سارة لهم. لكن الأدبيات الإسلامية تقترح كما يبدو أن المسيح سوف يعود ليقضي على المسيحية ويؤكد حقيقة الإسلام. وهناك حديث منسوب إلى النبي (ص) والذي يتم اقتباسه كثيراً، والذي يشير إليه عنوان “دابق” المذكور. ويقول الحديث المعني: “والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير”. والتأويل المعتاد لهذه النبوءة هي أنه عندما يعود المسيح، فإنه سيضع نهاية لعبادته هو نفسه، والتي يُرمز إليها بالصليب، وسيعيد تكريس القوانين الغذائية التي تخلت عنها المسيحية، لكن اليهود والمسلمين ما يزالون يلتزمون بها.
لا يعتقد كل المسلمين بمثل هذه النبواءات عن يوم القيامة، والتي لا يوجد معظمها في القرآن الكريم. كما أن معظم أولئك الذين يؤمنون بها لا ينطوون على أي تعاطف مع “داعش” الشرس والوحشي. ومع ذلك، تظل المعتقدات الداعشية عن نهاية العالم قوة فعالة. ووفقاً لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في العام 2012، فإن نصف المسلمين أو أكثر في تسع من الدول ذات الأغلبيات المسلمة يعتقدون بأن قدوم المهدي “وشيك”، وأنه يمكن أن يحدث خلال حياتهم. لكن “داعش” يذهب شوطاً أبعد بزعم أنه يقوم ببعث الحياة في هذه النبوءات ويحققها.
وحتى بعيداً عن العنف الجهادي، فإن فكرة نهاية العالم الإسلامية عادة ما تخلف عواقب سلبية. فعندما يُنظر إلى التاريخ الحديث والأحداث الجارية على أنها تُفسر أفضل ما يكون بالنبوءات، يصبح من الصعب تحليلها بطريقة منطقية. ولنأخذ، على سبيل المثال، المأزق الرئيسي الذي عانى منه العالم الإسلامي على مدى القرنين الماضيين: لماذا أصبحنا متخلفين وانتقلنا كل هذا البعد إلى الوراء مقارنة بالغرب؟ يقول سرد نهاية العالم، الذي أعاد إحياءه في الثمانينيات عدد من الكتاب الإسلاميين الشعبيين، مثل سيد قطب والعديد من أتباعه، أن هذا التخلف حدث بسبب قوى “المسيح الدجال” -النسخة الإسلامية من “عدو المسيح”.
إذا كان “الدجال” هو المسؤول الذي يلام عن الوضع القاتم الكئيب الذي يعيشه العالم الإسلامي، فإن أولئك المنقذين الذين يتمتعون بتوجيه إلهي فقط هم الذين يستطيعون العثور على طريق للخروج من المأزق. ويؤدي هذا الفهم إلى إحباط السعي نحو إيجاد حلول حقيقية للفجوة بين العالم الإسلامي والغرب: العلم، والتنمية الاقتصادية، والديمقراطية الليبرالية.
يجب على المسلمين –وربما غيرهم من المؤمنين بنهاية العالم أيضاً- أن يروا ما قد يكلفهم إياه هذا الهوس بهاجس التنبؤات، وهي كُلف لا يتعلق بالعقلانية فقط، وإنما بقيمة أساسية جداً في معتقدهم الديني نفسه: التواضع؛ لأن تأكيد فكرة أننا أصبحنا في نهاية الزمان تعني أننا خاصون جداً. إننا لسنا فقط مجرد جيل من بين الأجيال التي لا تعد ولا تحصى التي خلقها الله تعالى. إننا القلة المختارة، على قمة التاريخ. وفي الحقيقة، ليست التقوى هي التي تكمن خلف هذه القناعة: إنه الغرور.
كما يجب على المسلمين أيضاً التفكير في أن النبوءات عن نهاية الزمان ربما يمكن أن تُقراً على أنها مجازات. ويمكن أن يساعدنا الفهم هذا في فتح عقولنا بدلاً من أغلاقها. وكان مفكر القرن التاسع عشر، محمد عبده، على سبيل المثال، قد حاجج بأن مجيء المسيح الثاني كان كناية عن الإصلاح في داخل الإسلام. وتماماً مثل حال اليهود المحافظين في زمن يسوع، كما لاحظ عبدُه، فإن المسلمين المحافظين اليوم غالباً ما يكونون متصلبين جداً إزاء الفهم الحرفي للقانون، لكنهم غافلون عن روحه ومقاصده الأخلاقية. وحاجج عبدُه بأن المسلمين يحتاجون إلى “تجدُّد موجَّه يسترشد بالمسيح”، والذي يركز على “الرحمة، والحب والسلام”. ولم تكن رؤية محمد عبدُه ترتكز على “كسر الصليب”، وإنما على إصلاح الهلال.
يستطيع المسلمون أن يفهموا مجيء المسيح الثاني بالطريقة المروعة التي يفهمه بها “داعش”، أو بالطريقة الملهِمة التي طبقها محمد عبده. ولا شك أن النصوص الدينية تأتي إلى الحياة على يد الناس. وسوف يكون هناك الكثير من الفرق بين ما إذا كانت غاية المؤمنين هي شحذ شفرات سيوفهم، انطلاقاً من الاعتقاد بالصلاح الذاتي، ضد الآخرين، أو أن يقوموا -بتواضع- بتثقيف أنفسهم وتنويرها.
مصطفى أكيول* – (نيويورك تايمز)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
.
*كاتب رأي مساهم، وهو مؤلف الكتاب المرتقب: “يسوع الإسلامي: كيف أصبح ملك اليهود نبياً للمسلمين؟”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The
Problem With the Islamic Apocalyps

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب