بقلم: د. رامي دانييل*/ ثمة شيء مأساوي في وضع العلاقات بين تركيا وإسرائيل. توجد في سورية مصالح مشتركة للدولتين. أضعف القصف الإسرائيلي على المحور المؤيد لإيران النظام في دمشق، ما ساهم في انتصار الثوار الذين دعمتهم تركيا. وأدى هذا الانتصار في النهاية إلى إسقاط الأسد، الذي استغلته إسرائيل لتزيل تهديدات في الشمال، ولتضرب حلفاء طهران. في واقع آخر كان يمكن الحلم بتعاون إسرائيلي – تركي لصد ايران، الخاسرة الكبرى من التطورات الأخيرة في سورية.
لكن إسرائيل وتركيا بعيدتان عن التعاون، وتوجدان في واحدة من أكبر الأزمات في تاريخ علاقاتهما، بسبب الرد التركي على الحرب في غزة. ففور بدء الأعمال العسكرية في قطاع غزة بدأ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يتحدث بشكل “متطرف” ضد إسرائيل. تعمل تركيا ضد إسرائيل في المنظمات الدولية، وتبقى إحدى الداعمات الأكبر لـ”حماس”. في خطوة غير مسبوقة، اعتقد الكثيرون أنها متعذرة، قرر أردوغان قطع العلاقات التجارية بين الدولتين.
أدى هذا الموقف بإسرائيليين كثيرين ليتخوفوا من التقدم التركي في سورية وبإطلاق تحذيرات من أن تركيا قد تصبح نوعا من “ايران جديدة” بالنسبة لإسرائيل. لا خلاف في أن على إسرائيل أن تستعد لواقع يكون لها فيه حدود افتراضية مع تركيا في سورية، لكن لا ينبغي المبالغة في وصف التهديد التركي. فتركيا ليست ايران، لا من ناحية السياسة الداخلية، لا من ناحية سيطرتها في سورية ولا من ناحية علاقاتها مع إسرائيل. تركيا وإسرائيل لا تزالان تقيمان علاقات سياسية، حتى وإن على مستوى متدنٍ. من المشكوك فيه أن يكون ممكنا التطلع إلى اكثر من هذا الآن. العلاقات هي اليوم حقل دمار، والضرر الذي تلحقه الأزمة الحالية سنشعر به سنوات طويلة أخرى. رغم هذا، من غير المستبعد أن يغير أردوغان موقفه تجاه إسرائيل حين تنتهي الحرب في غزة. فقد سبق للرئيس التركي أن أثبت على مدى السنين قدرته على تنفيذ انعطافات حادة في الموضوع. وليس مؤكدا أن تكون القيادة الإسرائيلية مستعدة لتغفر له ما حصل في السنة والنصف الأخيرتين.
فضلا عن هذا، فحتى إذا توصل زعماء الدولتين إلى ترتيب ما فإن الشرخ بين المجتمعين عميق لدرجة انه سيكون صعبا جسره. في تركيا العداء تجاه إسرائيل “القاتلة والمجرمة” قائم في كل الجماعات السكانية، وفي إسرائيل الأجواء هي “العثمانيون قادمون”. ظاهرتان تعززان الواحدة الأخرى في نوع من الدائرة الهدامة المغلقة.
أقوال مؤيدي أردوغان بأن “تحرير فلسطين” هو استمرار طبيعي لنهاية نظام الأسد تعزز المخاوف في إسرائيل حول نوايا تركيا. بالمقابل، يعتبر الأتراك الموقف الإسرائيلي من تركيا تهديداً، وكذلك الدعوات لدعم الأكراد وتعزيز العلاقات مع اليونان وقبرص كدليل على مخاوفهم التي تكاد تكون جنون اضطهاد لكنها متفجرة، وكدليل على التحالف الدولي المتبلور ضد دولتهم.
الرأي العام المعادي ليس عاملا جديدا في علاقات تركيا – إسرائيل، لكن دوما كانت جماعات في الدولتين أخذت على عاتقها صيانة العلاقات. في التسعينيات كان هؤلاء هم رجال الجيش، وفي الـ 15 سنة الأخيرة أضاف رجال الأعمال مضمونا جديدا للعلاقات. في فترات الأزمة السياسية أيضا بين تركيا وإسرائيل ازدهرت التجارة بينهما، واعتبرت خيطاً رابطاً يمنع اتخاذ خطوات متطرفة. في هذا السياق، فإن قرار أردوغان فرض المقاطعة هو قرار ذو مغزى جسيم. في كل يوم يمر يجد رجال الأعمال الأتراك والإسرائيليون بدائل للطرف الآخر، وينشأ واقع جديد يصبح فيه ترميم التجارة المتبادلة، في حالة رغبت الحكومتان بذلك، أصعب فأصعب. بكلمات أخرى، باتت الأمور التي تربطنا بتركيا، اليوم، قليلة، وسيكون صعبا بناء علاقات جديدة في المدى البعيد.
ثمة عامل آخر سيؤثر كثيرا على دينامية العلاقات بين الدولتين هو ميزان القوى بينهما. فعلى مدى عشرات السنين كان هناك انعدام تماثل في صالح تركيا. المعنى الاستراتيجي للعلاقات بالنسبة لإسرائيل كان عاليا جدا، حيث حددت أنقرة وتيرة العلاقات وعمقها. وقع التطبيع الأخير بين أنقرة والقدس في واقع مختلف: تعززت مكانة إسرائيل في أعقاب التعاون في شرق البحر المتوسط واتفاقات إبراهيم، واعتبرت تركيا بالمقابل منعزلة وضعيفة. لأول مرة في تاريخ العلاقات كان يمكن لإسرائيل أن تملي وتيرة تقدمها.
الآن بات الوضع سائلا جدا. في أنقرة وفي القدس أيضا توجد ثقة كبيرة، لكن يوجد في الدولتين أيضا نقاط ضعف. رغم اكثر من سنة من القتال لم تحقق إسرائيل أهداف الحرب بعد. الوضع غير المستقر في سورية من شأنه أن ينقلب على تركيا. كما أنه من السابق لأوانه أن نعرف كيف ستكون تأثيرات إدارة ترامب الجديدة على الشرق الأوسط. ميزان القوى بين أنقرة والقدس من شأنه أن يتغير، وكل تغيير كهذا سيؤثر أيضا على العلاقات بينهما.
إسرائيل وتركيا توجدان الآن في إحدى الفترات المعقدة والباعثة على التحدي في علاقاتهما، حيث توجد مخاطر واضحة وفرص محدودة. إلى جانب الحاجة الحقيقية للاستعداد لكل سيناريو محتمل، وبخاصة في سورية، لا يزال من المجدي توجيه التفكير إلى الحد الأقصى من الفرص القائمة، والامتناع عن تعريف تركيا كتهديد لإسرائيل. إلى جانب الحذر الواجب على إسرائيل أن تكون “الراشد المسؤول” وان تعمل بمنطق، رغم المشاعر الناشئة لسماع خطاب معاد آخر من أردوغان. تتطلب مصالح إسرائيل في المنطقة، الآن، إيجاد تسوية مؤقتة مع تركيا. أمر كهذا مركب، حساس، وغير شعبي، لكنه ضروري.
عن “إسرائيل اليوم”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*خبير في العلاقات الإسرائيلية – التركية وباحث في معهد بحوث الأمن القومي.





