بقلم: راز تسيمت /يبشّر الهجوم الاستباقي الإسرائيلي على إيران بنقطة تحوُّل في المعركة بين الدولتين وبداية مرحلة جديدة ذات طابع خطير وغير مسبوق في الصراع بينهما. لقد غيّرت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، التي شنّتها إيران ضد إسرائيل في نيسان وتشرين الأول 2024، قواعد اللعبة بين البلدين، بعد أعوام فضّل فيها الطرفان العمل ضد بعضهما بشكل غير مباشر. فعملت إيران ضد إسرائيل، في الأساس، من خلال تنفيذ عمليات “إرهابية” واستخدام الوكلاء، بينما فضّلت إسرائيل التحرك من خلال نشاطات سرية.
يمكن العثور على بوادر التغيير في الصراع الاستراتيجي بين الدولتين في العقد الأخير، من خلال المواجهة المباشرة التي دارت في سورية. فالحملة الإسرائيلية ضد البرنامج النووي، وتعزيز الوجود الإيراني وتأسيس بنى تحتية عسكرية قرب حدود إسرائيل، وتورُّط إيران في “الإرهاب” ضد إسرائيليين ويهود في الخارج، وتوسيع النشاط الإسرائيلي ضد إيران ليشمل ساحات ومجالات إضافية، بما في ذلك الساحة البحرية والفضاء السيبراني، وتطبيق مبدأ “رأس الأفعى”، ومفاده ضرورة ضرب إيران في عقر دارها، أمور كلها حوّلت الصراع الإسرائيلي – الإيراني، الذي يستند في جوهره إلى العداء الأيديولوجي للدولة اليهودية، إلى معركة مباشرة بين إسرائيل وإيران.
وعلى الرغم من أنه من الواجب توخّي الحذر بشأن إصدار أحكام قاطعة في هذه المرحلة المبكرة من المعركة، فإنه يمكن طرح بعض الاستنتاجات الأولية:
ضربة فعالة لمنظومة القيادة والسيطرة والمنشآت النووية
أظهرت إسرائيل قدرة مثيرة للإعجاب (وإن لم تكن مفاجئة في ضوء خبرة العام الأخير) في الضربة الافتتاحية الأولى، مع التركيز على تصفية جزء من القيادة الأمنية الإيرانية، ويمكن التقدير بحذر أن البنى التحتية النووية، بما في ذلك مواقع التخصيب وعدد من كبار علماء الذرة، تعرّضت لأضرار جسيمة.
ردّ إيراني عنيف، لكنه متدرج
من المتوقع أن يكون الردّ الإيراني قاسياً، بحسب تهديد المرشد الأعلى لإيران الخامنئي، سواء من حيث الكم، أو النوع. ومع ذلك، من المرجح في هذه المرحلة أن تركّز طهران ردها في اتجاه إسرائيل، على الرغم من توجيهها الاتهام أيضاً إلى الولايات المتحدة. ويمكن الافتراض بحذر أن النظام الإيراني، على الأقل في هذه المرحلة، لا يرغب في جرّ الولايات المتحدة إلى ساحة المعركة.
ومع ذلك، من غير الواضح إذا ما كانت واشنطن ستتمكن من البقاء خارج المعركة فترة طويلة، وفي حال تدخُّلها، ستزداد حدة المعضلة أمام القيادة الإيرانية بشأن كيفية التعامل مع المصالح الأميركية (وربما الخليجية أيضاً) في المنطقة.
إيران ليست “حزب الله”
قد تصعّب الضربة التي استهدفت قدرات القيادة والسيطرة، إلى حد ما، قدرة إيران على الرد، ومع ذلك، يجب أن نتذكر أن إيران ليست “حزب الله”، ومن المؤكد أنها ليست “حماس”. فالجمهورية الإسلامية، التي تبعد مسافة شاسعة عن إسرائيل، وتفوق مساحة أراضيها مساحة لبنان بأكثر من 150 ضعفاً، تتميز بدرجة عالية من الازدواجية المؤسساتية (الجيش في مقابل الحرس الثوري؛ وزارة الاستخبارات في مقابل جهاز استخبارات الحرس الثوري، وميليشيات الباسيج في مقابل قوات الأمن الداخلي، وما إلى ذلك)، وبهامش كبير من التكرار المؤسساتي الذي يتيح وجود بدائل وبدلاء من دون قيود كبيرة، وقد تجلى ذلك فعلاً في تعيين خلفاء لكلٍّ من رئيس الأركان العامة باقري وقائد الحرس الثوري سلامي.
استقرار النظام
إن الطموح إلى إسقاط النظام الإيراني من خلال توجيه ضربة، مهما كانت قاسية، إلى جزء من النخبة الأمنية والعسكرية، هو طموح غير واقعي، فالنخبة السياسية والأمنية في إيران واسعة، ومتماسكة، وملتزمة بالحفاظ على بقاء النظام.
أمّا ردة فعل الجمهور الإيراني الذي لا يدعم، في أغلبيته، النظام، فهو أقلّ قابلية للتنبؤ، ومع ذلك، فإن إسقاط النظام من خلال ضغط شعبي يتطلب تغييراً دراماتيكياً في ميزان القوى بين النظام ومؤيّديه من جهة، ومعارضيه من جهة أُخرى، حيث لم يُبدِ سوى أقلية من هؤلاء المعارضين، حتى الآن، استعداداً لاتخاذ خطوات فعلية لإسقاطه.
فالتقارير التي تتحدث عن استهداف مناطق سكنية وسقوط قتلى مدنيين وأضرار بالبنى التحتية، قد تؤدي، على الأقل في المدى القصير، إلى ما يُعرف بـ”الالتفاف حول العلم”. وسيكون التغيير ممكناً فقط في حال شعر الجمهور الإيراني بوجود فرصة حقيقية لإحداث تغيير سياسي، و/أو في حال ظهور مؤشرات إلى تصدّعات داخل قمة هرم السلطة السياسية/ الأمنية.
إعادة تأهيل البرنامج النووي
من المبكر الحديث عن قدرة إيران على إعادة تأهيل برنامجها النووي، لأن ذلك يعتمد أساساً على حجم الضرر الذي لحِق بمواقعها النووية، وعلى القدرات المتبقية لديها.
لن تتنازل إيران عن قدراتها النووية (المتبقية) طوعاً، ولن تتخلى عن مساعيها لإعادة بناء برنامجها النووي، وربما حتى التقدم به إذا توفرت لها القدرة، وهذه المرة، مع شرعية داخلية ودولية، من وجهة نظرها، ومع ذلك، فإن قدرتها على تحقيق ذلك مرهونة بحجم الضرر الذي تكبّدته، وبمدى تصميم إسرائيل (وربما أيضاً الولايات المتحدة) على إحباط جهودها في إعادة التأهيل.
“استراتيجية الخروج” – لا حلول سحرية
إن التدمير الكامل للبرنامج النووي الإيراني ليس واقعياً، ولذلك، عند نهاية المعركة، سيكون من الضروري ضمان منع إيران من الوصول إلى سلاح نووي، سواء من خلال حملة طويلة الأمد للحفاظ على الإنجاز، باستخدام وسائل عسكرية مباشرة وسرية، أو دبلوماسية، أو من خلال مسار سياسي مكمّل بقيادة الولايات المتحدة.
في المحصّلة، نحن في مرحلة شديدة الخطورة وغير قابلة للتنبؤ ضمن معركة قد تكون طويلة وصعبة، وستكون تداعياتها واسعة ومؤثرة، ليس فقط على مستقبل إيران، بل على مستقبل المنطقة بأسرها.
في هذه اللحظة، يوضع على المحك عزم إسرائيل على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكن مع الحرص على تجنُّب إطالة أمد المواجهة، بقدر الإمكان، أو انجرارها إلى معركة إقليمية شاملة، وذلك بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة.
عن “N12”





