بقلم: راز تسيمت /بعد ثلاثة أيام على اندلاع المعركة بين إيران وإسرائيل، تقترب إيران من نقطة حاسمة في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية المكثفة والتراكم المتواصل للأضرار التي لحِقت بقدراتها وأصولها الاستراتيجية. حتى هذه المرحلة، تبدو صورة الوضع معقدة ومركّبة، من وجهة النظر الإيرانية: فمن جهة تلقت ضربة افتتاحية شديدة للغاية، ألحقت الأذى بالقيادة العسكرية العليا. ولا يدور الكلام هنا فقط حول مفاجأة استراتيجية، أو إهانة وطنية، أو دليل إضافي على اختراق إسرائيل الاستخباراتي والعملياتي لمراكز قوة حيوية في النظام، بل حول ضرر، حتى لو كان مؤقتاً وجزئياً، بقدرة القيادتين السياسية والأمنية في طهران على إدارة المعركة بشكل فعّال، في ظل غياب قادة بارزين في القوات المسلحة الإيرانية، وعلى رأسهم رئيس الأركان، وقائد الحرس الثوري، ورئيسا شعبتَي الاستخبارات والعمليات، وقائد سلاح الجو والفضاء في الحرس الثوري.
علاوةً على ذلك، خلال الأيام الأخيرة، واصل سلاح الجو الإسرائيلي تحقيق إنجازات عملياتية كبيرة وإلحاق أضرار تراكمية ببرنامج إيران النووي (بما في ذلك استهداف منشأة التخصيب في نتانز، ولو بشكل جزئي، من دون تدمير كامل، واغتيال أكثر من عشرة علماء يُعتقد أنهم مرتبطون ببرنامج الأسلحة النووية، ويشكّلون عنق زجاجة حاسم في المشروع النووي)، وكذلك بالبنى الأمنية والعسكرية الإيرانية (مقرات القيادة، ووحدات الصواريخ والدفاع الجوي، وجهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري)، وببعض البنى التحتية الاستراتيجية في مجال الطاقة. إن الضرر المتواصل الذي تُلحقه إسرائيل قد يُضعف منظومة القيادة والسيطرة في القوات المسلحة الإيرانية، بل قد يؤدي، في المدى البعيد، إلى تقويض قدرة النظام على التعامل مع التحديات الداخلية بنجاح، وصولاً إلى تشكيل تهديد مضاعف لاستقراره.
في المقابل، حققت القيادة الإيرانية، حتى الآن، بعض الإنجازات المحدودة: صحيح أن برنامجها النووي تضرّر، لكن الضرر ليس حرجاً، وخصوصاً ما دامت منشأة التخصيب في فوردو لم تُمس.
ثانياً، في هذه المرحلة، لا يلوح في الأفق تهديد حقيقي وفوري لاستقرار النظام الداخلي، الذي لا يزال يُظهر تماسكاً وتصميماً وحيوية، بل يوحّد صفوفه في مواجهة التهديد الخارجي. أمّا الشارع الإيراني، فعلى الرغم من عدائه المعروف للنظام، فإنه عبّر عن استيائه من فشل السلطات في توفير الحماية للمدنيين، لكنه لا يُظهر أيّ مقاومة للنظام حتى الآن. ويبدو أن موقف الجمهور يتأثر، إلى حدّ كبير، بالمشاهد القاسية للدمار في الأحياء السكنية التي استهدفتها الضربات الإسرائيلية، ما يساهم، على نحو متناقض، في تعزيز اللحمة الداخلية وتقوية الشعور بالتضامن الوطني.
ثالثاً، تمكّن النظام من إلحاق أضرار معينة بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، وعلى الرغم من أن حجم هذه الأضرار لا يزال محدوداً نسبياً، فإن الإعلام الإيراني والسلطات يوظفان توثيق الأضرار داخل إسرائيل في تكريس الرواية الهادفة إلى إبراز قدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود في مواجهة إسرائيل وإلحاق ضرر فعلي بها في المدى البعيد.
في ضوء هذا الواقع، تقترب إيران من اتخاذ قرارات حاسمة بشأن كيفية إدارة المعركة واستراتيجية الخروج منها، ويمكن التقدير أن القيادة الإيرانية تسعى للحفاظ، حتى بعد انتهاء المعركة، على عدد من المكاسب الأساسية: أولاً، بقاء النظام، إذ كان ضمان بقائه في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية ولا يزال الهدف الأسمى للجمهورية الإسلامية. ثانياً، بقاء البرنامج النووي الذي يُعتبر «وثيقة تأمين» لاستمرار وجود النظام. ثالثاً، بقاء المنظومات الاستراتيجية الحيوية، بما فيها وحدات الصواريخ والاستخبارات ومنظومة القيادة والسيطرة، بشكل يسمح لها بالتعامل مع تحديات أمنية مستقبلية. إن القرارات التي ستتخذها إيران بشأن طريقة إدارة المعركة وتوقيت انتهائها واستراتيجية الخروج منها، ثم أيّ تسوية ممكنة ومستقبل استراتيجيتها النووية، هذا كله سيُحدَّد خلال الأسابيع القريبة المقبلة، استناداً إلى تقييمها مدى قدرتها على الحفاظ على هذه المكاسب الأساسية.
في هذه المرحلة، تواصل إيران تركيزها على إدارة القتال، مع محاولة تقليص آثار الضربات الإسرائيلية إلى الحد الأدنى، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بإسرائيل. لكن، مع استمرار المعركة وتراكُم أضرارها، ستجد القيادة في طهران نفسها مضطرة إلى الاختيار بين عدد من الخيارات الحاسمة: الاستمرار في المعركة بصيغتها الحالية، بهدف جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، ومحاولة إنهاء المعركة، عبر تسوية سياسية، أو اتخاذ خطوات تصعيدية، مثل الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، أو محاولة الاندفاع نحو تطوير سلاح نووي (ربما في منشأة سرّية)، من أجل دفع المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف الحرب. قد يتيح استمرار القتال لإيران مواصلة استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية، لكن في المقابل، سيفرض عليها تحمُّل أثمان باهظة، قد تتفاقم أكثر، وتهدد أصولاً استراتيجية وبنى تحتية حيوية، وحتى قدرات نووية إضافية. وفي المدى الطويل، قد تؤدي هذه الأضرار إلى تقويض قدرتها على الحفاظ على الإنجازات الأساسية التي تسعى لتثبيتها مع انتهاء المعركة. علاوةً على ذلك، لا توجد ضمانات بشأن المدة الزمنية التي يمكن لإيران خلالها مواصلة إطلاق الصواريخ بالحجم الحالي. وإذا اضطرت إلى تبنّي فكرة «الاقتصاد في السلاح»، وخصوصاً في ظل استمرار التآكل في قدراتها بفعل الهجمات الإسرائيلية، فقد تجد نفسها في وضع يجعلها غير قادرة على تشكيل تحديات جدّية لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، سوى من خلال عمليات إطلاق محدودة وبضعة صواريخ في اليوم.
إن اتخاذ إيران قراراً بشأن إنهاء المعركة والعودة إلى طاولة المفاوضات يعتمد على موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، وقد يكون مشروطاً أيضاً باستعداد الولايات المتحدة للاستجابة لمطالبها، قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار. ومع ذلك، من المشكوك فيه أن تكون إيران مستعدة في هذه المرحلة لإبداء مرونة واستعداد فعلي للعودة إلى المفاوضات، فعلى الرغم من أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أعرب عن استعدادٍ مبدئي لوقف إطلاق النار، فإن المتحدث باسم وزارة الخارجية أوضح أن استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة بات من دون جدوى، لأن طهران لا تتصور أن تكون إسرائيل تصرفت من دون تنسيق وتعاوُن، أو على الأقل من دون ضوء أخضر، من الإدارة الأميركية.
فالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، الخطوة التي طُرحت فعلاً كاقتراح من عدد من أعضاء مجلس الشورى الإيراني، ومحاولة الاندفاع نحو إنتاج سلاح نووي، يمكن أن يُستخدما وسيلة ضغط من أجل دفع المجتمع الدولي إلى التدخل لإنهاء الحرب. ومع ذلك، من المشكوك فيه أن تكون إيران قادرة في الوقت الراهن، وخصوصاً في ظل الاختراق الاستخباراتي المثبت لبرنامجها النووي واستمرار النشاط المكثّف للجيش الإسرائيلي في الأجواء الإيرانية، على تنفيذ اندفاعة سرّية نحو امتلاك سلاح نووي. علاوةً على ذلك، تنطوي هذه الخطوات على مخاطر كبيرة، فقد تؤدي إلى تدخُّل أميركي مباشر في المعركة، وهو ما تسعى إيران لتجنُّبه، وقد تُضعف شرعية إيران الدولية التي يُفترض أنها تعززت في أعقاب الضربة الوقائية التي نفّذتها إسرائيل.
حتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ستواجه القيادة الإيرانية معضلة عميقة بشأن سياساتها المستقبلية. فمن جهة، الإصرار على مواصلة تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، والذي قد لا يؤدي فقط إلى استئناف المعركة، بل قد يدفع أيضاً الولايات المتحدة إلى الانضمام إليها، ما يمكن أن يشكل تهديداً وجودياً لبقاء النظام. ومن جهة أُخرى، فإن الموافقة على العودة إلى طاولة المفاوضات ستُلزم القيادة التنازل مجدداً عن قدرات التخصيب على أراضيها. وفي هذه الحالة، سيواجه المرشد الأعلى معضلة بالغة الصعوبة: هل يُخاطر بتقويض بقاء النظام في المدى القصير من خلال استمرار المعركة واحتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى المواجهة، أم يُجازف بمستقبل النظام في المدى الطويل، عبر التخلي عن تخصيب اليورانيوم، الذي تعتبره القيادة في طهران عنصراً محورياً في «وثيقة التأمين» لبقاء النظام؟
من هذه الزاوية، ستكون المعضلة أشدّ من تلك التي واجهها سلفه، آية الله الخميني، الذي كان مستعداً «لتجرُّع كأس السم» في سنة 1988، عندما اضطر إلى قبول وقف إطلاق النار مع العراق. أمّا الخيار الذي يواجهه المرشد الحالي، فهو أكثر جسامةً من ذاك الذي واجهه مؤسس الثورة الإسلامية، وقد لا يكون السؤال المطروح هو عمّا إذا كان عليه «تجرُّع كأس السم»، بل عمّا إذا كان عليه الاختيار بين خيار قد يؤدي، من وجهة نظره، إلى انهيار نظامه في المدى القريب، وخيار آخر قد يُعرّض هذا النظام للخطر في المدى البعيد.
إذا توصّل المرشد الأعلى إلى قناعة بأن استمرار القتال يُهدّد بقاء النظام بشكل فعلي، وأنه لن يكون قادراً على تحقيق اختراق في اتجاه السلاح النووي في المستقبل المنظور (سواء لأسباب تقنية، أو نظراً إلى المخاطر الهائلة المرتبطة بذلك)، فقد يُبدي استعداداً للدخول في مفاوضات، وربما لتقديم تنازلات كبيرة، بما في ذلك ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وقد يقبل خيار التفاوض والتوصل إلى تسوية بعيدة المدى، استناداً إلى افتراض، مفاده أنه قد يتمكن في المستقبل من استغلال القدرات النووية المتبقية لديه من أجل اختراق نحو السلاح النووي في ظروف ملائمة أكثر، وتحت غطاء المفاوضات، مثلما فعلت كوريا الشمالية. ومن المحتمل أن تطالب طهران خلال المفاوضات بضم أطراف إضافية إلى طاولة الحوار، مثل روسيا، أو الصين، في ظل انعدام الثقة العميق بالولايات المتحدة.
من منظور إسرائيلي، أمام صانعي القرار خياران مركزيان:
أولاً، الاستمرار في المعركة، مع ترسيخ وتوسيع الإنجازات المحققة، بما في ذلك تعميق الضرر الذي لحِق ببرنامج إيران النووي، واستهداف الأصول العسكرية والأمنية الاستراتيجية، وإضعاف النظام. تكمن ميزة هذا النهج في إحداث مزيد من التآكل في قدرات إيران، وفي زعزعة إضافية لمؤسسات النظام، وعلى الرغم من أن قدرة إسرائيل على تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، أو منع طهران نهائياً من الحفاظ على قدرات نووية متبقية، يُشكك فيها في غياب تدخُّل أميركي فعّال، فإن مواصلة المعركة قد تُعزز فرص فرض تنازلات إيرانية إضافية جوهرية. وفي المقابل، من مساوئ هذا الخيار تكبُّد الجبهة الداخلية الإسرائيلية المزيد من الخسائر البشرية والأضرار في البنى التحتية. كما أن إطالة أمد الحرب قد تُضعف الشعور بالإنجاز، بمرور الوقت، وقد تُغري بتوسيع نطاق المعركة في اتجاهات لا تخدم الهدف الاستراتيجي المركزي: منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي.
يتمثل الخيار الثاني في السعي لوقف إطلاق النار. ومن المرجح أنه إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في هذه المرحلة، فلن تتمكن إسرائيل من تحقيق كامل الإنجاز المنشود، وبصورة خاصة في المجال النووي. علاوةً على ذلك، فإن وقف إطلاق النار والمفاوضات (في حال وافقت إيران على ذلك)، من المرجح أنهما لن يدفعا إيران إلى تقديم تنازلات إضافية كبيرة في الوقت الراهن، لأن الشعور داخل طهران بأن قدراتها الاستراتيجية مهددة بشكل جوهري لا يبدو أنه نضج بعد. لذلك، ينبغي لإسرائيل السعي لوقف إطلاق النار، حتى في غياب تسوية سياسية شاملة لمسألة البرنامج النووي بين إيران والغرب، فقط بعد أن تتيقن من أنها استنفدت أقصى الإنجازات الممكنة التي تخدم هدفها الاستراتيجي المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وذلك لتفادي الانزلاق إلى حرب استنزاف لا تخدم هذا الهدف. وفي جميع الأحوال، فإن موقف إسرائيل سيُحدَّد، بدرجة كبيرة، بناءً على موقف الولايات المتحدة، سواء فيما يتعلق باستمرار المعركة، أو فيما يخص أي تسوية مستقبلية محتملة مع إيران.
في جميع الأحوال، يجب على إسرائيل الاستعداد لاحتمال أنه سواء انتهت المعركة بتسوية سياسية، أو بوقف إطلاق النار من دون تسوية، فإنها ستكون مطالَبة بالاستمرار في مواجهة طويلة الأمد ضد إيران، وقد يكون ذلك من خلال وسائل عسكرية مباشرة، أو عبر عمليات إحباط سرّية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وربما بالتعاون معها، بهدف الحفاظ على الإنجازات التي تحققت، ومنع إيران من محاولة إعادة بناء البنى التحتية لبرنامجها النووي، ولا سيما صدّ أيّ محاولة إيرانية لاستغلال القدرات التي ستبقى لديها من أجل التقدّم نحو امتلاك سلاح نووي.
عن «معهد دراسات الأمن القومي»





