الإثنين, مايو 4, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءإخوان أم إيران؟ كيف تتم هندسة البديل الكاتب: عامر بدران

إخوان أم إيران؟ كيف تتم هندسة البديل الكاتب: عامر بدران

بعد هجوم السابع من أكتوبر بقليل، بدأ نقاش حقيقي بين كُتاب فلسطينيين حول التغيرات في طبيعة تفكير وعمل حركة حماس. تيار من هؤلاء الكُتاب، كان يؤكد أن «حماس»، أو على الأقل قيادتها في قطاع غزة فارقت عباءة الإخوان المسلمين، ولم تعد جزءا من التنظيم العالمي للإخوان، أو هي لا تأتمر بأمره ولا تسير حسب أولوياته. لكن هذا التيار لم تكن لديه رؤية واضحة فيما يخص البديل الذي اتجهت إليه هذه القيادة، ونستطيع القول، إنه انقسم إلى اتجاهين حسب التاريخ الشخصي لكل فرد. فمثلاً كان كُتّاب اليسار المعتدل، وبعض عناصر «فتح» الذين أبهرهم الهجوم، يؤكدون أن «حماس» تقترب أكثر فأكثر من نهج فلسطيني وطني، على حساب فكرة الأمة الإسلامية التي تُميز خطاب وعمل الإخوان المسلمين، وأن هذا الهجوم بما حمل من أهداف غالبيتها فلسطينية، كالأقصى وحصار غزة، وتحرير الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، ما هو إلا دليل واضح على هذا التحول. بعد أيام قليلة، تمت إضافة براهين جديدة إلى هذا الرأي، وتحديداً مع أول هدنة بين «حماس» وإسرائيل، حيث إن المقاتلين في عمليات تبادل الأسرى اختاروا العلم الفلسطيني ليكون على أكتافهم جميعاً بلا استثناء، وعلى منصاتهم إلى جانب راية «حماس» و»القسام».
الاتجاه الثاني، الذي ضم اليسار الأكثر راديكالية، والمناصرين التاريخيين لـ»حماس»، أي المتأثرين بخطابها الديني تحديداً، قدموا مرافعات تؤكد اتجاه «حماس» نحو الحضن الإيراني، كحليف يمكن الاعتماد عليه في مقارعة إسرائيل، وبالتالي فإن «حماس» فارقت فعلاً العباءة الإخوانية وانضمت إلى محور المقاومة تحت راية إيران. مبررات هذا الاتجاه مستقاة أيضاً من خطاب محمد الضيف في السابع من أكتوبر وما تضمنه من دعوة لإيقاف قطار التطبيع، ودعوة مباشرة وصريحة لتشكيلات هذا المحور للانضمام والانخراط في المعركة.
إذاً، فإن الاتجاهين المشكّلين لهذا التيار أكدا على أن «حماس» لم تعد ذلك التنظيم الذي يرفع مصلحة الإخوان المسلمين في شؤون الأمة الإسلامية ككل، على مصلحة فلسطين الوطن وقضية التحرر والاستقلال.
أما التيار الثاني، وهو أقلية بلا شك، فقد ظل على رؤيته السابقة بأن «حماس» جزء لا يتجزأ من التنظيم العالمي للإخوان، بل هي رأس الحربة له، خصوصاً بعد سقوطه في حاضنته الأولى مصر، وفي تونس كأول محرك للربيع العربي، والذي جاء بعد انتعاش كبير للإخوان في كافة مناطق تواجدهم.
برأي هذا التيار، وبسبب السقوط آنف الذكر للإخوان في مصر وتونس، فإن التقارب مع إيران لا يعدو كونه مرحلة فرضتها إيران ذاتها عبر الدعم بالمال والسلاح، حين لم يعد يتوفر هذا المال وهذا السلاح من جهات إخوانية. بمعنى أن هذا التحالف لم يكن خياراً سياسياً استراتيجياً، بقدر ما هو استجابة طبيعية لضغط الحاجة.
على كل حال، فإن النقاش حول إن كانت «حماس» تنظيماً إخوانياً أم إيرانياً، يجد جذوره في مرحلة سابقة لهجوم السابع من أكتوبر، وتحديداً بعد خروج قيادة الحركة من دمشق وتوجهها إلى قطر. ويمكن الرجوع في هذا الصدد لتصريحات قادتها أنفسهم والخلاف بينهم حول العلاقة مع إيران، وتحديداً الخلاف بين قادة الداخل وقادة الخارج. ففي حين صرح الزهار في بداية العام 2022 بأن هجمات الحوثيين على دول الخليج دفاع عن النفس، بادر مشعل فوراً ليقول في مقابلة مع «أساس ميديا»، إنه يتفهم رفض الشارع العربي لتصريحات بعض قادة «حماس» التي تشيد بإيران، ودعا إلى ضبط هذه التصريحات. وبإمكاننا العثور على عشرات التصريحات المتضاربة حول إيران بين قيادات الخارج والقيادات المتواجدة في غزة أيامها، بمن فيهم إسماعيل هنية.
لقد أصبح كل هذا خلفنا، الآن، فما حدث منذ السابع من أكتوبر هو أن إسرائيل اغتالت غالبية القيادات المؤيدة لإيران، أو الحليفة معها، أو التي استطاعت إيران استمالتها لصالحها، بصرف النظر عن التسمية. أقصد أن التيار الإيراني إن اعتبرناه كذلك، داخل قيادات «حماس» قد تعرض لضربات لا تقل عما تعرضت له تشكيلات إيران في المنطقة. وفي حالة كهذه فمن الطبيعي أن تميل الكفة في الأيام القادمة لصالح التيار الإخواني في الحركة، والذي لم يُمس، ولم يتم تهديده تقريباً.
والآن، وبعيداً عن الرد الذي «يتسم بالإيجابية» بخصوص الهدنة الحالية، الذي قدمته «حماس» للوسطاء، علينا أن نتذكر بعض التصريحات والمواقف السابقة لمجموعة من الأطراف ذات العلاقة، خلال هذه المفاوضات وما سبقها، في محاولة للوصول إلى استنتاج يسهّل علينا توقع ما ستؤول إليه الأمور، أو ما الذي يراد له أن يحدث:
كتصريح أول مهم يعنينا مطالبة قيادة «حماس» بعدم استهداف أعضاء مكتبها السياسي، وعدم ملاحقة ومصادرة أموال الحركة في الخارج، لكن هذه المطالبة وردت كخبر إعلامي لمرة واحدة، ولم تتم معاودة الحديث بها، لا بتكذيبها رسمياً ولا بالموافقة عليها أو رفضها رسمياً. أما السؤال الذي يقفز إلى السطح فهو: أين توجد أموال واستثمارات «حماس»؟.
بالعودة إلى تقرير قديم ومفصل لصحيفة «دي فيلت» الألمانية، وهذا التقرير مستنِد إلى وثائق حصرية من خبراء أمنيين في حركة المال والاستثمار، يؤكد أن ساحة الاستثمار الأساسية كانت السعودية، ولكن في 2015، وهذا تاريخ له معنى، تم نقل هذه الاستثمارات إلى تركيا.
تصريح آخر لافت هو ما قاله وزير خارجية تركيا هاكان فيدان مباشرة بعد توقيع الهدنة السابقة بداية هذا العام، بأن تركيا لا تريد خطف الأضواء من الوسطاء الذين توصلوا إلى الهدنة، وكان يلمّح لدور تركي خفي. في نفس الوقت كان سموتريتش يلوم نتنياهو، حسبما نشرت هيئة البث الإسرائيلية عنه بأن «إخفاء وجود ممثلي أردوغان في مفاوضات تبادل الرهائن يُعد إهانة وطنية».
إذا أضفنا خبر سحب السلاح الشخصي من بعض قيادات «حماس» في قطر، والأخبار التي ترشح بين فترة وأخرى بخصوص الضغوط التي تُمارس على هذه القيادات، ثم طلب «حماس» في أكثر من جولة مفاوضات سابقة بضم تركيا كضامن للهدنة مع الوسطاء، فإننا نستنتج أن الوجهة القادمة لقيادة «حماس» ستكون تركيا، رغم ما قد يبدو في هذا الاستنتاج من تسرّع.
إن حصل ذلك، وأنا أرجح حصوله، فهو بداية لتحول «حماس» إلى حزب سياسي، يستطيع استثمار «الانتصار»، بمعزل عن مصير جناحها العسكري، الذي تم وسمه إسرائيلياً منذ البداية كذراع إيرانية ليسهل الانقضاض عليه.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار رفض نتنياهو القاطع لأي دور للسلطة أو المنظمة في غزة، ومواقفه المزمنة ضد أي تمثيل سياسي «قومي» للفلسطينيين، ومحاولاته الدؤوبة لنزع الصفة السياسية عن قضيتهم، فهل نحن إزاء هندسة فصيل جديد يمكن التفاهم معه، على شاكلة الشرع في سورية؟ القادم سيجيب.

عن صحيفة الايام

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب