أمام أنظار العالم، وعلى مرأى ومسمع من مؤسسات القانون الدولي ومنابر حقوق الإنسان، تُباد غزة بلا هوادة. يُقتل الأطفال وهم نائمون، وتُقصف المستشفيات والمدارس، ويُدفن الأحياء تحت الركام، والعالم لا يزال يتعامل مع الكيان الصهيوني كدولة “تدافع عن نفسها”.
المجتمع الدولي برمّته يقف عاجزًا أو متواطئًا، وأغلب العواصم الكبرى باتت تنظر إلى ما يحدث في غزة من زاوية سياسية باردة، وليس من زاوية إنسانية أو أخلاقية. لا حديث عن وقف العدوان، ولا مساءلة للمجرمين، ولا حتى إدانة حقيقية. كل ما يصدر هو بيانات توازن بين الجلاد والضحية، وتخشى أن تسمي الأمور بمسمياتها.
في هذا المشهد الأسود، تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دور المايسترو. إدارة البيت الأبيض تمسك بخيوط المسرح الدموي، تواسي نتنياهو وتُهدّئه، لا حبًّا بكيانه، بل من أجل ترتيب المشهد بما يخدم مصالحها الخاصة، خاصة في فترة انتخابية حساسة يسعى فيها ترامب لاستعادة النفوذ في الشرق الأوسط على حساب دماء الفلسطينيين.
نتنياهو، المجرم الذي لا يشبع من الدم، وجد فيما يسمّى “عملية السلام” مظلة مثالية لتمرير مشاريع استعمارية خطيرة. هو لا يبحث عن السلام، بل يستغل المصطلح لتبرير التوسع، والحصار، والتهجير، وهدم ما تبقى من حلم فلسطيني. كل زيارة له إلى واشنطن كانت مقرونة سابقًا باجتياح أو تسوية ظالمة أو صفقة مشبوهة، والزيارة القادمة ليست استثناء.
الأنظمة العربية الرسمية، للأسف، لا تزال تغرد خارج السرب الفلسطيني. البعض يتفاخر بمواقف “شجاعة” لا تتعدى بيانات إعلامية أو مبادرات سطحية، بينما الشعوب تُدرك تمامًا حجم الخيانة والخذلان. هناك من يطبّع، وهناك من يبرر، وهناك من يصمت، وكلهم في النهاية شركاء في هذا الانهيار الأخلاقي الكبير.
أما إيران، التي لطالما رفعت شعارات الدعم لفلسطين، فقد خرجت من المعادلة بعد الحرب الأخيرة. حربها انتهت، وتوقفت الرسائل، وتركت الساحة خالية من أي توازن إقليمي كان يمكن أن يضغط على الاحتلال. هذا الانسحاب ترك الاحتلال يرتكب جرائمه في غزة دون حساب، وأعطى ضوءً أخضر غير مباشر للمضي في مشروع الإبادة.
اليوم، غزة وحدها تواجه العدم. لا ماء، لا غذاء، لا دواء، ولا ممرات آمنة. حتى صوتها بات يخنقه الغبار والدخان، وكل ما يصل إلى العالم ليس أكثر من أرقام وإحصاءات جافة لا تترجم حجم الألم والمعاناة التي يعيشها أهلنا هناك.
زيارة نتنياهو القادمة إلى واشنطن ليست “دبلوماسية”، بل هي خطوة مفصلية في سياق تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية، وإعادة ترتيب المنطقة على أسس جديدة، تُقصى منها الحقوق، وتُعلّى فيها لغة القوة والمصالح.
ما يحدث في غزة اليوم هو اختبار صارخ للضمير الإنساني، ومن لا يقف مع الحق في هذه اللحظة، فقد اختار الوقوف في صف القاتل، سواء بالسكوت أو بالتواطؤ أو بالتطبيع.





