الجمعة, مايو 1, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءفنزويلا في عين العاصفة: الاشتراكية بين اختبار القوة ومعركة البقاء ... بقلم...

فنزويلا في عين العاصفة: الاشتراكية بين اختبار القوة ومعركة البقاء … بقلم : محمد علوش

 

لم يكن الحدث الفنزويلي المذهل، المتمثل في اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو من قبل الجيش الأمريكي، مجرد تطور صادم في سياق الصراع السياسي الدولي، بل شكّل لحظة كاشفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لحظة أسقطت دفعة واحدة أوهاماً طالما جرى الترويج لها حول ما يسمّى «النظام الدولي القائم على القواعد»، وحول حياد القانون الدولي، وقدسية سيادة الدول، فما جرى لم يكن انتهاكاً عابراً أو سلوكاً استثنائياً، بل جريمة سياسية كبرى هزّت ضمير العالم، وأعادت طرح السؤال الجوهري الذي حاولت القوى المهيمنة طمسه طويلاً: من يحكم هذا العالم فعلاً.. ومن يملك حق تقرير مصير الشعوب؟

إن استهداف نيكولاس مادورو لا يمكن فهمه أو تفكيكه بمعزل عن استهداف التجربة الاشتراكية الفنزويلية ذاتها، فالرجل، في جوهره، ليس سوى عنوان سياسي لمشروع وطني اجتماعي حاول، رغم الحصار الخانق، والعقوبات القاسية، والتآمر المستمر، أن يثبت إمكانية بناء نموذج مستقل عن الإرادة الإمبريالية؛ نموذج يضع الثروة الوطنية في خدمة الأغلبية الشعبية، ويصرّ على السيادة السياسية والاقتصادية بوصفها شرطاً لا غنى عنه لأي عدالة اجتماعية حقيقية، لذلك، لم يكن الهدف شخص الرئيس، بل كسر إرادة دولة، وضرب فكرة، وتوجيه رسالة دموية لكل من يفكر بالخروج عن بيت الطاعة الإمبريالي، أو يجرؤ على تحدي منطق النهب العالمي.

لقد كشف هذا الحدث، بوضوح لا لبس فيه، أن الإمبريالية لا تعترف لا بالانتخابات، ولا بإرادة الشعوب، ولا حتى بأبسط الأعراف التي طالما تغنّت بها في خطابها الدعائي، فالسيادة الوطنية، في قاموس القوة، ليست حقاً ثابتاً، بل امتيازاً مشروطاً بالطاعة والانصياع، وحين تتحول الاشتراكية من خطاب سياسي إلى ممارسة فعلية، ومن برنامج انتخابي إلى سياسات تمسّ مصالح رأس المال العالمي، تصبح الدولة المعنية ساحة مفتوحة لكل أشكال العدوان، من الحصار الاقتصادي والتجويع المنهجي، إلى الحرب الإعلامية، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر تحت ذرائع واهية.

الأخطر في هذا المشهد ليس الجريمة ذاتها فحسب، بل الصمت الدولي المريب الذي رافقها، أو الاكتفاء ببيانات خجولة لا ترقى إلى مستوى الحدث وخطورته، فهذا الصمت لا يعكس عجزاً بقدر ما يعكس طبيعة النظام الدولي ذاته، بوصفه نظاماً مختلاً وانتقائياً، يفعَّل فيه القانون ضد الدول الضعيفة، ويعطَّل بالكامل حين يكون المنتهِك قوة كبرى، وهو ما يفرض على قوى اليسار والتحرر في العالم مراجعة عميقة وجذرية لرهاناتها، والتخلي عن أي أوهام تتعلق بإمكانية حماية المشاريع التقدمية عبر المؤسسات الدولية وحدها، دون امتلاك عناصر القوة الذاتية، السياسية والشعبية والتنظيمية.

وفي هذا السياق، يكتسب الصراع بعده الطبقي الدولي الواضح، فما جرى في فنزويلا يؤكد أن المواجهة لم تعد محصورة داخل حدود الدول، بل باتت صراعاً بين مشروعين عالميين متناقضين: مشروع رأسمالي معولم يسعى إلى تكريس عالم أحادي القطب، تتحكم فيه الشركات العابرة للقوميات، وتختزل فيه الدول إلى أدوات تنفيذ، ومشروع تحرري يدافع عن سيادة الشعوب وحقها في إدارة مواردها وتحديد مسارها التنموي بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

وفي خضم هذا المشهد المعقّد، تأتي مرحلة السلطة الانتقالية في فنزويلا، بقيادة نائبة الرئيس، بوصفها اختباراً تاريخياً لنضج التجربة الاشتراكية وقدرتها على الاستمرار خارج منطق الشخصنة والارتكاز على الفرد، فالمعركة لم تنتهِ باختطاف مادورو، بل دخلت طوراً أكثر تعقيداً، ستتكثف فيه محاولات التفكيك من الداخل، واستثمار أي ارتباك سياسي أو مؤسسي، وهنا تصبح وحدة الجبهة الداخلية مسألة وجودية، لا تفصيلاً سياسياً، ويغدو الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة، وربطها بالمشروع الوطني لا بالأشخاص، شرطاً أساسياً لحماية المسار الاشتراكي.

إن حماية الاشتراكية في هذه اللحظة الحرجة لا تعني فقط الدفاع عن سياسات اجتماعية أو برامج دعم، بل تعني، قبل كل شيء، حماية القرار الوطني المستقل، وتعميق المشاركة الشعبية في صنع القرار، ورفع منسوب الوعي بأن ما يجري هو صراع على مستقبل البلاد، لا مجرد أزمة سياسية عابرة، كما تعني إعادة التأكيد على الدور الوطني للجيش، بوصفه جيشاً منحازاً للشعب والسيادة، لا أداة قابلة للاختراق أو المساومة، ولا ساحة مفتوحة للضغوط الخارجية.

ولا يقلّ البعد الإعلامي والثقافي أهمية عن الأبعاد السياسية والعسكرية، فالإمبريالية لا تخوض حروبها بالدبابات وحدها، بل تشن معارك وعي ممنهجة، تسعى من خلالها إلى تشويه الضحية، وتجريم المقاومة، وإعادة تعريف العدوان بوصفه «تدخلاً إنسانياً» أو «حماية للديمقراطية»، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي ثوري قادر على تفكيك السرديات المهيمنة، وفضح تناقضاتها، وربط الجماهير بحقيقة الصراع بعيداً عن التضليل والتزييف.

وفي العمق، يفرض هذا الحدث درساً قاسياً لكنه ضروري: لا مشروع اشتراكي قابل للحياة إن لم يتحول إلى مشروع مؤسسي جماعي، تتوزع فيه القيادة، ويتجذر في وعي الجماهير، ويغدو جزءاً من الثقافة السياسية اليومية، فالأفراد، مهما بلغت رمزيتهم، يمكن استهدافهم أو تغييبهم، أما المشاريع المتجذرة في المجتمع، فهي الأصعب كسراً والأطول عمراً.

إن ما جرى في فنزويلا يتجاوز حدودها الجغرافية ليصبح قضية كل القوى الساعية إلى عالم متعدد الأقطاب، أكثر عدالة، وأقل خضوعاً لهيمنة رأس المال المعولم، فالدفاع عن الاشتراكية الفنزويلية اليوم هو دفاع عن حق الشعوب في أن تختار طريقها، وعن فكرة أن بديلاً عن الرأسمالية المتوحشة ما زال ممكناً، رغم كل محاولات القمع والإخضاع.

إنّ الحدث الفنزويلي يضعنا أمام مفترق تاريخي حاسم: إما يسار عالمي قادر على استخلاص الدروس، وبناء استراتيجيات مواجهة حقيقية تستند إلى التنظيم، والقوة الشعبية، والتحالفات الصلبة، أو يسار يكتفي بدور المراقب، يفاجأ في كل مرة، ولا يتجاوز رد فعله إصدار بيانات الإدانة، وفنزويلا، وهي تجتاز واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية، تؤكد مرة أخرى أن الاشتراكية ليست طريقاً معبّداً، بل مسار صراع مفتوح، لا يحمى إلا بالوعي، والتنظيم، والاستعداد الدائم للمواجهة.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب