الجمعة, مايو 1, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءبلطجة أمريكية ضد فنزويلا: المستهدف هو العالم!  بقلم  : خليل حمد

بلطجة أمريكية ضد فنزويلا: المستهدف هو العالم!  بقلم  : خليل حمد

 

لم يكشف الأمريكي عن وجهه القبيح في اليوم الثالث من العام الجديد 2026، فوجه الإدارات الأمريكية المتعاقبة كان قبيحاً دوماً لمن يعرف كيف يقرأ السياسة العالمية التي أرست فيها واشنطن على مدار عقود منطق البلطجة العسكرية و”الغاية السيئة التي تبرر الوسيلة القذرة”.

اختطفت قوات أمريكية من مجموعة “دلتا” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من القصر الرئاسي في العاصمة كاراكاس، واقتادتهما بطريقة مهينة للمجتمع الدولي (وليس لمادرور أو زوجته) إلى بارجة أمريكية ثم إلى مدينة نيويورك لتتم “محاكمته” بناء على دعوى جنائية مرفوعة بحقه بتهمة مزعومة هي “تجارة المخدرات”.

في المفارقات التي يُمكن أن تُقرأ منذ بداية توارد المعلومات أن الاقتياد المهين تم باتجاه نيويورك، المدينة التي تحتضن مقر الأمم المتحدة! نفس المنظمة الدولية التي أهينت وتم استهدافها بضرب مبادئها وقانونها عرض الحائط يوم انتهكت قوات واشنطن سيادة دولة عضو في المنظمة الدولية واختطفت رئيسها من عقر عاصمتها، وكادت ان تعرض البلاد للفوضى المطلقة، لولا أن المؤسسات في الدولة الفنزويلية تماسكت إلى حد مقبول وتصرفت وفق الدستور لضبط الأوضاع ريثما تتضح مآلات الأمور.

أبرز الدلائل على أن واشنطن لم “تحل مشكلتها في فنزويلا” هي تصريحات متواترة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الأوضاع في الجمهورية البوليفارية. ثلاثة مصادر مطلعة قالت إن إدراة ترامب وضعت وزير الداخلية الفنزويلي ديوسدادو كابيلو على رأس قائمة أهدافها في حال لم يساعد الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز في تلبية مطالب الولايات المتحدة. الوزير الذي قررت واشنطن “الاعتماد عليه” في مرحلة ما بعد مادورو ليس “موثوقاً” بالنسبة للولايات المتحدة. الأمر نفسه ينطبق على وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز. التصريح الأحدث المتعلق    ب .. رودريغيز نفسها يقول الكثير.

ترامب صرَّح لشبكة “إن بي سي نيوز” أنه لا يستبعد شن عملية عسكرية ثانية في فنزويلا في حال “توقفت” رودريغيز عن التعاون مع الولايات المتحدة ! الولاء المطلق للحاشية في فنزويلا ليس مضموناً بالنسبة لترامب وإدارته، مع الإشارة إلى أن الرئيسة المؤقته تنفي أي اتصالات لها مع إدارة ترامب.

التعاون مع واشنطن لا يتطرق أبداً إلى ذريعة “المخدرات” التي كانت شماعة البلطجة الأمريكية. يطالب ترامب الحكومة الفنزويلية الجديدة بـ 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي عالي الجودة، ويقول إن العائدات ستكون تحت إدارته بصفته رئيساً. يكشف ترامب بسهولة عن أهدافه الحقيقية من عدوانه على فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي خام في العالم بتقديرات تصل إلى نحو 303.2 مليار برميل، متفوقة على المملكة العربية السعودية.

النفط هو كلمة السر إذا. ترامب انتقد سلفه الأسبق جورج دبليو بوش الذي غزا العراق وقتل أكثر من مليون عراقي عربي، لأنه لم يحتفظ بالنفط فقط! ووعد أن الأمر مختلف هذه المرة لأنه “سيحتفظ” بنفط فنزويلا. هو نفسه النفط الذي فرضت عليه واشنطن “عقوباتها” غير الشرعية (وهي ليست شرطياً ليعاقب العالم)، بعد أن أممه الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز في أواسط العقد الأول من الألفية الحالية. “عقوبات” ساهمت بشكل كبير في تراجع تصدير النفط الفنزويلي من نحو 3.2 مليون برميل يومياً أواخر تسعينيات القرن الماضي، إلى أقل من 800 ألف يومياً في السنوات الأخيرة. هذا لا ينفي طبعاً الفساد الذي استشرى في البلاد على خلفية الحصار والإفقار اللذين مارستهما واشنطن على أحد أبرز خصومها في أمريكا اللاتينية، والسبب الأخير تُلام عليه الحكومات الفنزويلية المتعاقبة التي وقعت في مقتل كل الأنظمة السياسية التي تعادي الغرب الإمبريالي.

خلف الصورة “البراقة” التي يريد ترامب أن يظهر بها كرئيس أقوى جيش في العالم، ثمة انتقادات واسعة في الداخل الأمريكي، وعلى مستوى العالم. مع عدم إنكار موافقة الجمهوريين المعلنة على العملية، إلا أن “مخالفة المسار الدستوري” هي أبرز الانتقادات الداخلية، لكون قرار شن “عملية عسكرية” أو “خوض حرب” يحتاج موافقة الكونغرس الأمريكي، وهو ما لم يحدث في فنزويلا، تماماً كما لم يحدث مرات عديدة أخرى بسبب التباس في الدستور الأمريكي الذي يمنح الكونغرس سلطة قرار الحرب، فيما يمنح الرئيس صلاحية قيادة القوات المسلحة.

لكن وبعيداً عن الدستور الأمريكي، تركزت انتقادات العديد من الأمريكيين على أن العدوان الأمريكي على فنزويلا يخالف وعد ترامب الانتخابي الأساسي: “لا حروب بعد اليوم”، وعليه فإن قاعدة ترامب الأوسع المتمثلة بحركة “ماغا” (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً) هي الأوسع اعتراضاً على القرار، وهو ما يعيدنا إلى الشرخ الذي بدأ يظهر واضحاً بين ترامب وناخبيه. شرخ على أهميته إلا أنه قد لا يكون مؤثراً في قرارات الرئيس الذي يدير ولايته الثانية، ولا يمكنه دستورياً الترشح لولاية ثالثة.

دولياً، رحبت أوروبا بحذر بالعملية الأمريكية. إشارات مخالفة القانون الدولي جاءت خجولة وعلى لسان مسؤولين أقل من الطبقة الأولى في السياسة الخارجية الأوروبية. ربما تعتبر أوروبا نفسها محصنة ضد البلطجة الأمريكية، رغم أن معظم دول القارة العجوز استهدفت بالحرب التجارية الأمريكية، ولا تزال تُهان بطرق عديدة من قبل ترامب نفسه. أما رد الفعل الروسي والصيني الذي وإن جاء قاسياً كلامياً، إلا أنه كان دون المستوى الذي يضمن وقف العنجهية الأمريكية، وعليه فإن ترامب مستمر على ما يبدو في ترسيخ نفسه والولايات المتحدة “القوةَ الأعظم والأوحد” في العالم أجمع.

تهديد الرئيس الأمريكي لكل من كولومبيا وكوبا والمكسيك، ومن ثم إشارته إلى أنه ليس “راضياً تماماً” عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومطالباته بسرقة جزيرة غرينلاند من الدانمارك. إشارات تقول بوضوح إن ترامب دشَّن عصراً جديداً في الأعراف الدولية لا مكان فيه للقوانين والمواثيق ولا حرمة فيه لأحد. “المزعجون” لأمريكا في العالم كثيرون، وربما على كل من يضع نفسه في هذه الخانة أن يتحسس رأسه جيداً، ويبدأ بالعمل الجدي لتحصين جبهته بالاستفادة من دروس سواه.  داخلياً بمحاربة الفساد وتعزيز قواعده الشعبية، وهو الأهم، وخارجياً بتوضيح دور حلفائه ومقدار الاعتماد عليهم. لا رؤوس كبيرة أو صغيرة بمنطق العصر الأمريكي القادم، فإما أن يتحد شرفاء العالم لوضع حد لجنون العظمة القادم من بلاد “العم سام”، وإما أن شكل العالم الذي نعرفه سيتغير نحو الأسوأ بالتأكيد، وربما سريعاً جداً.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب