تفاهم اللحظات الأخيرة حصل، لكنه لا يعني أن الأزمة لم تقع، ففي الساعات الأخيرة قبل كتابة هذه المادة، اتفقت بريطانيا و”إسرائيل” على صيغة جديدة تتعلق بوضع مبنى القنصلية البريطانية في القدس الشرقية وتسمية البعثة هناك. لكن ما حدث كان مهماً ومختلفاً، فأن تصل أزمة ديبلوماسية بين بريطانيا و”إسرائيل” إلى تلويح لندن بطرد ديبلوماسيين إسرائيليين، رداً على تهديد تل أبيب بإغلاق قنصليتها تلك، فهذا ليس حدثاً عابراً، بل حلقة في واحدة من أسوأ مراحل العلاقة بين الجانبين بدءاً من حظر بريطانيا لمنتجات المستوطنات، مروراً بتراجع نسب التعاطف الشعبي مع “إسرائيل”. أهمية الأزمة أنها أوصلت العلاقات بين الجانبين إلى أدنى مستوياتها بحسب صحيفة فايننشال تايمز، منذ قيام “إسرائيل” بتسهيل من بريطانيا نفسها، التي كانت تحتل فلسطين العربية تحت مسمى الانتداب، وأعطت قبل ذلك وعد بلفور المشؤوم الشهير.
ورغم أن الضجة الإعلامية الحالية تتمحور حول تفاصيل الأزمة الديبلوماسية، بما فيها تصعيد اللحظات الأخيرة وصولاً إلى التفاهم، الذي يقتضي إنهاء عمل القنصلية بصفتها الحالية وتحويلها إلى مهمة بريطانية محدودة، ما يعني تقليص الوجود الديبلوماسي البريطاني في القدس الشرقية، إلا أن الأزمة بدأت فعلياً في الثامن من سبتمبر/ أيلول الماضي، عندما أعلنت لندن عزمها حظر السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، كنوع من الاحتجاج البريطاني على الممارسات الإسرائيلية التي تقوض حل الدولتين.
الأمر ليس تكهناً. وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند وصف ممارسات “الإرهابيين من المستوطنين”، المدعومين من حكومة نتنياهو، بأنها “تطهير عرقي” في الضفة. المصطلحات في ذلك البيان تقول إن شيئاً كبيراً تغير في طريقة التعاطي البريطانية مع الحكومة الإسرائيلية.
بوادر التغيير في الموقف البريطاني تجاه القضية الفلسطينية بدأت قبل هذه المستجدات. في سبتمبر/ أيلول 2025 حين اعترفت لندن بالدولة الفلسطينية، وبدأت تصعيداً خطابياً مستمراً ضد الاستيطان، وصولاً إلى فرض عقوبات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني. المصطلح السياسي الذي حمل دلالات أعمق ظهر في بيان للخارجية البريطانية في أغسطس/ آب 2026 أيضاً، عندما اعتبرت الوزارة مشروع E1 الاستيطاني “غير مقبول ومدمر”، واستدعت القائم بالأعمال الإسرائيلي في رسالة احتجاجية.
يبدو “الغضب” الرسمي البريطاني نتيجة وليس قفزة في الهواء، فالمزاج الشعبي البريطاني شهد تحولات ملحوظة لصالح القضية الفلسطينية في أعقاب حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة. استطلاع حديث للرأي حول الموضوع من مؤسسة More in Common الدولية كشف أن نسبة البريطانيين الذين يتعاطفون أكثر مع الجانب الإسرائيلي انخفضت من 16% إلى 12%، بينما ارتفعت نسبة المتعاطفين أكثر مع الجانب الفلسطيني من 18% إلى 26%. الأهم والذي يحمل دلالات أعمق أن نسبة المتعاطفين أكثر مع الفلسطينيين بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، وصلت إلى 46%، بحسب الاستطلاع.
السؤال المشروع هنا يكمن في أبعاد هذا التغير، فهل هي مرحلة عابرة مرتبطة بتطورات الأوضاع في الضفة وغزة؟ أم تمهيد لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين؟ في الإجابة احتمالات لا يمكن الجزم بها، لكون العلاقات بين لندن وتل أبيب تشمل كثيراً من المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والديبلوماسية والشعبية والأكاديمية. فعلى الرغم من قرار حظر استيراد منتجات المستوطنات مثلاً، إلا أن حجم التبادل التجاري بين الطرفين لا يزال يبلغ مليارات الجنيهات الإسترلينية سنوياً، ولا تزال السفارة البريطانية في تل أبيب تعمل، كذا السفارة الإسرائيلية في لندن.
وربما تكون هذه العلاقات العميقة جداً مع تل أبيب والوزن التاريخي والسياسي لبريطانيا في قيام “إسرائيل” هي أحد أسباب الانزعاج من الإجراءات البريطانية، فعلى سبيل المثال انضمت فرنسا وكندا إلى الإجراءات المقترحة بحظر استيراد منتجات المستوطنات أو فرض عقوبات على أفراد “إسرائيليين”، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يتعاطَ بنفس ردة الفعل.
والأكيد أيضاً أن السياق الذي تسير فيه العلاقات البريطانية الإسرائيلية ليس معزولاً عن مسار أكبر من سوء العلاقات وتغير المزاج الشعبي والرسمي في كثير من دول العالم تجاه الممارسات الإسرائيلية. السياق يشمل أيضاً الاتحاد الأوروبي نفسه، بشخصياته الرسمية ومؤسساته، وعكسته انتقادات حادة في السنوات الأخيرة لاستمرار التغول الاستيطاني السرطاني في الضفة، والدعم الحكومي لهذا التوسع، إضافة إلى الوضع الإنساني واستمرار الإبادة الجماعية والحصار الجائر ضد قطاع غزة.
كما أن هذا الغضب والتغير في المزاج الشعبي والرسمي لم يعد محصوراً في الشارع الأوروبي أو في قرارات بعض الحكومات، بل وصل إلى نواب في البرلمانات الأوروبية، وإلى البرلمان الأوروبي نفسه الذي شهدت أروقته مواقف احتجاجية على الجرائم الإسرائيلية، كان أحدثها إزالة النائبة ريما حسن للعلم الإسرائيلي خلال فعالية داخل مقر البرلمان نفسه. تصرُّف أغضب تل أبيب ودفع وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر لمهاجمتها شخصياً بشكل مباشر، في محاولة على ما يبدو لإظهار أن الفعل الذي قامت به النائبة “حدث فردي معزول”، وبالتالي إنكار حقيقة أكبر وأخطر، أن هناك قوى وأحزاباً أوروبية تحقق حضوراً سياسياً وبرلمانياً متزايداً، جعلت دعم الحقوق الفلسطينية وانتقاد السياسات الإسرائيلية جزءاً أكثر وضوحاً في خطابها السياسي.
تنتمي ريما حسن إلى حزب “فرنسا الأبية” وهو المثال الأقوى والأوضح والأكبر وزناً على الساحة السياسية الفرنسية ويتبنى موقفاً واضحاً في دعم الحقوق الفلسطينية، وهو ليس الوحيد، “دي لينكه” في ألمانيا، “سومار” و”بوديموس” في إسبانيا، “شين فين” في إيرلندا، وحزب “الخضر” البريطاني الذي يحقق حضوراً انتخابياً وسياسياً متزايداً، وأحدث مواقفه تصويت قبل أيام على اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، كما دعا لوقف تجارة الأسلحة مع “إسرائيل” ودعم إقامة دولة واحدة ديمقراطية على أرض فلسطين التاريخية.
في الخلاصة، كل ما سبق لا يعني أن الطاولة انقلبت تماماً على “إسرائيل” في القارة العجوز، لكنه يشير إلى أن تغيراً ما حدث، وهو مستمر في مستويات عديدة. الطرح الواضح والصريح الذي تتبناه الأحزاب والقوى الشعبية الأوروبية، أو الإجراءات الحكومية الأقسى المتعلقة بالمصالح الكبرى، هي ما يمكن أن يحدد مدى هذا التغيير، وقدرته على “ردع” تل أبيب وإرغامها على الالتزام بالقوانين الدولية، والأمر منوط بتطورات الأحداث في قادم الأيام.





