الرئيسيةزواياأقلام واراءالديموغرافيا اليهودية في فلسطين ومعضلة الأمن الصهيوني بقلم: عائدة عم علي

الديموغرافيا اليهودية في فلسطين ومعضلة الأمن الصهيوني بقلم: عائدة عم علي

شكّل مبدأ “الأغلبية اليهودية” هاجساً كبيرا لمؤسسي الحركة الصهيونية، وقادة إسرائيل لاحقاً، بشكل جعله أحد أهم ركائز وأهداف المشروع الصهيوني الاستعماري لأرض فلسطين، ولعب دوراً كبيراً في تشكيل السياسات الإسرائيلية التي سعت، إلى الحفاظ على “ميزان ديمغرافي” يميل لصالح اليهود في فلسطين التاريخية من خلال المجازر والتطهير العرقي المستمرّة، بأشكال مختلفة، منذ العام 1948.

ورغم أن الزيادة السكانية تشكل هاجساً  للعديد من الدول ينبع من دوافع ومنطلقات اقتصادية بحتة, إلا أن إسرائيل تعاملت مع الموضوع من منطلق أمني-سياسي-عرقي يسعى لخلق، والحفاظ على “أغلبية يهودية” في إسرائيل لا تقل عن 80 بالمائة في ظل وجود الأقلية العربية الفلسطينية فيها التي تصنّفها كـ “خطر ديمغرافي”، معتبرة  أي تغيير في هذه النسبة مساس بـ “أمنها القومي”، لا سيما أن “إسرائيل” في السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا ديموغرافيًا، يؤثر على بنيتها السكانية والمسارات الاجتماعية والسياسية بصورة غير مسبوقة حيث تسهم التركيبة الاجتماعية المُعقّدة  (خصوصاً في ظل وجود الحريديم) في زيادة النقاشات حول الموضوع الديمغرافي الذي يحظى باهتمام  صانعي القرار والسياسة في إسرائيل، والمراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية، والتي  تضع التغييرات الديمغرافية ضمن “مؤشر المخاطر والتحدّيات” على المديين البعيد والقريب.

فبعد عقود طويلة اتسمت بارتفاع مطّرد في معدلات النمو السكاني، وبتعزيز القوة الديموغرافية عبر موجات الهجرة الوافدة ومستويات الخصوبة المرتفعة، بدأت المؤشرات الصادرة عن مركز أبحاث الكنيست، مركز “طاوب” للأبحاث الاجتماعية، ومكتب الإحصاء الإسرائيلي تكشف عن منعطف يتسم بتراجع حاد في الزيادة الطبيعية، وتغيير في ميزان الهجرة. وذلك كله في سياق داخلي مشحون بالاستقطاب السياسي، مضافًا إلى الأوضاع الاقتصادية والانعكاسات الأمنية التي أفرزتها حرب الإبادة على غزة عام 2023 ما جعل البيئة الإسرائيلية أكثر تقلبًا إزاء المستقبل. وهذا يتبين من خلال ارتفاع حاد في أعداد المغادرين من “إسرائيل” مقابل انخفاض مستمر في أعداد العائدين، الأمر الذي أدى إلى تكوّن ميزان هجرة سلبي للمرة الأولى منذ عقود طويلة.

فبيانات مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست المبنية على معطيات المكتب المركزي للإحصاء سجلت مغادرة 59,400 شخص في عام 2022 بزيادة 44 بالمائة عن 2021، قبل أن ترتفع المغادرة إلى 82,800 شخص في 2023، وهي أعلى نسبة تُسجّل منذ عام 1948. وعام 2024 سجل مغادرة نحو 49 ألف شخص بين كانون الثاني وآب، وهو رقم مشابه للفترة ذاتها من العام 2023، ما يؤكد أنّ الظاهرة ليست عابرة، وليست نتاج مبالغة إعلامية، بل نتاج تحوّل في سلوك السكان، لكنها أكثر تعقيدًا مما يُطرح عادة. فمن جهة، يتبيّن أن القسم الأكبر من الارتفاع في أعداد المغادرين خلال 2023–2024 مرتبط بفئات المهاجرين الجدد غير المندمجين، وبخاصة فئة “الآخرين”، أي غير المصنفين يهودًا أو عربًا، التي سجّلت معدل مغادرة استثنائيًا بلغ نحو 391 لكل 10 آلاف، مقابل 48 فقط بين اليهود، ما يعني أن “إسرائيل” تحولت بالنسبة لشريحة واسعة من الوافدين إلى محطة عبور مؤقتة.

ومع قيام اسرائيل في 15 مايو 1948، وتوسع النشاط العدواني، واستجلاب أعداد كبيرة من اليهود من أوروبا الشرقية وأعداد أقل من أوروبا الغربية وبعض الدول العربية، لم تستطع الدعاية الصهيونية استقدام أكثر من 10 بالمائة من يهود العالم آنذاك. ومنذ قيام الدولة اليهودية حتى سنة 1967، عام عدوان حزيران، لم تزد أعداد اليهود في فلسطين عن مليون ونصف مستوطن، ومع احتلال أراضٍ عربية من ثلاث دول عربية هي سورية ومصر والأردن، زادت أعداد المستوطنين مع ارتفاع وتيرة ودور التيار الديني المتطرف في إسرائيل، والحديث عن “نصر إلهي” في حرب حزيران استُثمر لاستجلاب عشرات الآلاف منهم، ومع ذلك لم تتشكل أكثرية وازنة منهم إلا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وهجرة أكثر من مليون ونصف يهودي من دوله الناشئة، ولا سيما أوكرانيا.

واليوم، وبعد مرور 77 عاماً على قيام الدولة العبرية، وكل ما لحق بالشعب الفلسطيني من استهداف في أرضه وسياسة التهويد الممنهج التي اتبعتها سلطات الاحتلال منذ عام 1948 وحتى الآن لجهة طرد الفلسطينيين من أرضهم التاريخية، ولا سيما في الضفة الغربية والقدس الشرقية ,والإبادة الجماعية في غزة، وضم الجولان السوري؛ مع كل تلك السياسات العنصرية الإلغائية، تشير أحدث دراسة نشرتها دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل عبر تقريرها السنوي، الذي نُشر في صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ 20 نيسان 2026، والذي جاء فيه:

إن عدد سكان إسرائيل بلغ حتى تاريخ نشر التقرير السنوي عشرة ملايين و244 ألف نسمة، بينهم 7 ملايين و790 ألف يهودي، أي 76 في المائة، يشكلون وفق الإحصاء 45 بالمائة من يهود العالم الذين يبلغ عددهم 15 مليوناً و800 ألف، والعرب من سكان إسرائيل (أي فلسطينيي 1948) بلغ مليونين و157 ألفاً يشكلون نسبة 21 بالمائة، ولكن التعمق في هذه الإحصائيات وفق الصحيفة يظهر بعض الخلل والتشويه؛ إذ إن عدد اليهود في إسرائيل يشمل المستوطنين في الضفة الغربية والجولان المحتلين، بينما عدد العرب يشمل فقط سكان القدس الشرقية وهم حوالي 350 ألفاً، والجولان 25 ألفاً، وبدا لافتاً وفقاً للصحيفة وجود 286 ألف نسمة (أي 2.9 بالمائة) من المواطنين ليسوا يهوداً ولا عرباً، وغالبيتهم مسيحيون ممن هاجروا من دول الاتحاد السوفيتي

 

وبيّن التقرير أنه خلال السنة الماضية زاد عدد سكان إسرائيل 146 ألف نسمة، بزيادة قدرها 1.4 في المائة، منهم 110 آلاف نسمة من السكان الإسرائيليين بزيادة 1.1 بالمائة، ونحو 36 ألف نسمة من العمال الأجانب كما يشير إلى ارتفاع عدد سكان إسرائيل منذ  سنة 1948 حوالي 12 مرة، وخلال 77 سنة الماضية هاجر إلى فلسطين المحتلة أكثر من 3.5 مليون مهاجر، من بينهم 1.68 مليون وصلوا منذ عام 1990 على إثر انهيار الاتحاد السوفيتي وفتح حدود الهجرة منه، ولكن نسبة الإسرائيليين المولودين فيها ويسمون (صابريم) تبلغ حوالي 90 بالمائة، من بينهم 11.5 بالمائة يعتبرون أنفسهم متدينين (حريديم)، و12 بالمائة متدينون، و35.5 بالمائة  تقليديون، و43 بالمائة علمانيون.

ولكن ورغم الدعايات الصهيونية واتباع سياسة الترانسفير والسعي المحموم لجلب يهود العالم إلى (أرض الميعاد)، لا زالت تلك السياسة قاصرة، بدليل أن أكثرية يهود العالم يعيشون في بلدانهم؛ فعلى سبيل المثال فإن يهود أمريكا أكثر من يهود إسرائيل، ناهيك عن أن أرقام الهجرة إلى إسرائيل تراجعت بشكل واضح والهجرة العكسية قد ازدادت

ان تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه ورفض سياسات التهويد والاستيطان، وتنامي دور المقاومة بأشكالها في الأراضي المحتلة وخارجها ، وفشل سياسات التطبيع  وتشكل وعي عربي وإسلامي وعالمي بحقيقة المشروع الصهيونية ومخاطرة على العالم والمنطقة، ولا سيما بعد ما جرى في غزة والضفة ولبنان والعدوان على سورية، وحديث نتنياهو عن “شرق أوسط بمواصفات إسرائيلية” والحدود التاريخية واستدعاء الخطاب التوراتي العنصري ضد العرب والمسلمين، وحديثه عن تحالفات عابرة للحدود لجهة محاصرة الدول العربية بسور واقٍ وجدار حديدي كان قد تحدث عنهما كل من القومي الصهيوني جابوتنسكي وديفيد بن غوريون قبل أكثر من 90 عاماً؛ كل ذلك أنعش ذاكرة أبناء المنطقة وشكل إرهاصات أولى لوعي جديد يحذر من مخاطر الحركة الصهيونية وأهدافها على المنطقة وتغيير هويتها التاريخية في مسار معاكس للتاريخ.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب