الاخبارشؤون فلسطينية

لا تتعجلوا الحكم على جهود كيري لحل المسألة الفلسطينية

 

 

221467
عند هذه النقطة، ليست لدينا أي فكرة عما سيقترحه وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، على الإسرائيليين والفلسطينيين. ولأنها لا توجد أي تسوية سلمية في متناول اليد، قيل لنا إن الوزير يعمل بدلاً من ذلك على التوصل إلى “اتفاقية إطار عمل”. أما ما هو بالضبط ما ستبدو عليه هذه الوثيقة، وماذا ستضم، وتقول، وتقترح، لهي ما تزال غير واضحة.
هل ستحدد فقط تلك القضايا التي سوف تحل؟ هل ستحدد الفجوات التي تفصل بين الجانبين وتقترح “اقتراحات تجسير” أميركية؟ هل ستصدر عن الولايات المتحدة أم سيوقع عليها كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس السلطة الفلسطينية؟ ليست هناك، عند هذه النقطة، أي إجابات عن هذه الأسئلة، لأن الجهد ما يزال عملاً قيد التقدم. وهذا هو كل ما نعرفه.
رغم رفض واشنطن الإفراج عن أي معلومات، فإن الصحافة الأميركية ما تزال تعج بالتقارير التي تتحدث عن قصة مختلفة تماماً. في وقت مبكر، كانت ثمة تقارير تحدثت عن أن الولايات المتحدة قد تبنت على الوجه الأكمل مواطن القلق الإسرائيلية فيما يتعلق بمعظم القضايا، والتي تشمل: الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية في وادي الأردن، والإصرار على أنه لن يكون هناك “حق عودة” للفلسطينيين، إضافة إلى مطلب اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل “كدولة يهودية“.
إذا قدر لكل شيء أن يسير وفق هوى إسرائيل، فكيف لنا أن نحكم على سلوكها في الأسبوع الماضي؟ عندما قابل كيري نتنياهو، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تحويل مؤتمرهما الصحفي إلى جلسة يقرع فيها القيادة الفلسطينية، متهماً محمود عباس بتبني الإرهابيين وبالانخراط في التحريض، ومتسائلاً عما إذا كانت إسرائيل قد وجدت “شريكاً” أصيلاً في البحث عن السلام. وبدا أن كيري قد أخذ على حين غرة بهذا التصرف المفرط وغير المطلوب لعرض التشدد. لكن تلك لم تكن نهاية الزخم الإسرائيلي المضاد.
خلال هذه الفترة نفسها، أعلن نتنياهو الذي كان يتحدث أمام جماهير مختلفة في إسرائيل، أنه لن يوقع على أي اتفاقية تنص على أن تكون القدس عاصمة لفلسطين، أو تدعو إلى إجلاء المستعمرات الإسرائيلية المثيرة للجدل في الخليل وبيت إيل. وقبل أيام قليلة من ذلك، مررت مجموعة من الوزراء في المجلس الوزاري برئاسة نتنياهو اقتراحاً بتقديم تشريع للكنيست الإسرائيلي، والذي يدعو إلى ضم وادي الأردن. ثم أتبعوا ذلك الاقتراح بالقيام بزيارة لمستوطنات تلك المنطقة، معربين عن تعهدهم ونيتهم بالاحتفاظ بالسيطرة على المنطقة.
وفي الأثناء، اتخذ شريك نتنياهو في الائتلاف، نفتالي بينيت، موقفاً متطرفاً آخر بإعلانه أن حزبه سيترك الحكومة في أعقاب أي اتفاقية تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة. وأضاف شريك نتنياهو الآخر، وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، بينما يمتدح جهد كيري واصفاً عرضه بأنه “أفضل اقتراح نستطيع الحصول عليه”، أنه لن يقبل “حق العودة” حتى للاجئ فلسطيني واحد، كما علق ليبرمان دعمه على شرط تثبيت فكرة أن “تبادلات الأراضي” مع الفلسطينيين يجب أن تشتمل أيضا على التنازل عن منطقة “المثلث الصغير” الإسرائيلية التي تقطنها أغلبية عربية للكيان الفلسطيني الجديد. وفي نهاية الأسبوع، وضع نتنياهو اللمسات الأخيرة على الكعكة، عبر الإعلان عن مناقصات لإنشاء 1400 وحدة إسكان جديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
إذا كانت التقارير الصحفية المبكرة صحيحة، وتكون جهود كيري قد أقرت بمواقف إسرائيل في جزئها الضخم فيما يتعلق بمعظم القضايا، فكيف ينبغي لنا أن نفهم هذا الهجوم الشامل؟ لا يمكن أن يكون الأمر هو أن نتنياهو كان يحمي موقفه السياسي فقط عن طريق تهيئة قاعدة لتقبل تنازلات صعبة في نهاية المطاف، بما أن الهجوم الخطابي المرافق إنما خدم فقط لجعل أمر تقديم التنازلات أكثر صعوبة. وللسبب نفسه، من غير المرجح أن يكون نتنياهو قد صمم هذا الجهد برمته كي يظهر لوزير الخارجية الأميركي خطورة وضعه السياسي المحلي. ربما يكون الأمر هو أن الإسرائيليين لديهم معظم ما يريدونه. وربما يضغطون على الولايات المتحدة لإجبار الفلسطينيين على القبول بإطار عمل، والذي يكون استسلاماً أكثر من كونه اتفاقية. لكن المطالب التي طرحوها مجتمعة شأنها أن تجعل من “إطار العمل” نكتة سيئة، والتي تدمر فرص التوصل إلى أي ترتيبات سياسية. وعلى ضوء الحجم الذي استثمرته الولايات المتحدة في هذه العملية، فإن من غير المرجح أنهم سيختتمونها بإصدار مثل هذه الوثيقة.
ثمة تفسير معقول أكثر، هو أن كيري جاد تماماً فيما يفعل، وأنه يدفع بجدية من أجل التوصل إلى إطار عمل يسير قدما بالسلام، وهو ما تسبب في نوع من عدم الارتياح الفعلي لدى اليمين الإسرائيلي.
هناك قاعدة مهمة تعلمتها في السياسية، وهي أنه عندما يبدأ أحد الأطراف، في غمرة المفاوضات الخاصة، بالصراخ بأعلى صوت، ثم يحمل شكاواه ومطالباته إلى الصحافة، فإنه يكون الطرف الذي يخسر.
لا يعني هذا القول إنني متفائل أو حتى آمل. فالطريق إلى الأمام تظل طويلة ومضنية. ولا أستطيع تخيل أن القيادة الفلسطينية ستستسلم وتقبل باتفاقية إطار عمل تمحو حقوق الفلسطينيين الأساسية، كما أنني لا أستطيع التصديق أن الولايات المتحدة ستقدم اقتراحا سيكون مرفوضاً مباشرة من جانب الفلسطينيين والرأي العام العربي عموماً. وتدرك الولايات المتحدة أن ثمة الكثير جداً على المحك في المنطقة، وهي ليست معنية بصب المزيد من الوقود على مشاعر الاستياء الحاضرة سلفاً.
لذلك، سيكون من الأفضل الآن أن يأخذ المرء نفساً عميقاً وأن لا يبالغ في ردة الفعل على الإشاعات وتهويلات اليمين الإسرائيلي. إن القصة لم تنته بعد.

جيمس زغبي (واشنطن ووتش( ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
*
رئيس المعهد الأميركي العربي. مؤلف “الأصوات العربية: ما الذي يقولونه لنا ولماذا يهم، الكتاب الذي يجلب الأساطير والافتراضات والتحيزات التي تحول بيننا وبين فهم شعب العالم العربي إلى حل صادم“.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى