في أربعينات القرن الماضي، وأثناء احتلال ألمانيا النازية لفرنسا كتب سارتر مسرحيته الشهيرة بعنوان “موتى بلا قبور”، وكانت مسرحية مقاومة وليست من مسرح العبث واللامعقول الذي كتبه آخرون مثل بيكت وأونسكو وآرابال وغيرهم، لكن ما يجري الآن في القدس وبعد عدة قرون من صدور مسرحية سارتر بحاجة إلى كاتب عبثي يقلب العنوان رأساً على عقب، بحيث يصبح “قبور بلا موتى”، فالاحتلال ضمن حملاته المتصاعدة والمصابة بهوس التهويد والاستيطان لجأ إلى حيلة جديدة هي زراعة قبور في الأرض بحيث تبدو مشمولة بتاريخ ملفق، وحين تنبش هذه القبور ذات يوم سوف يتضح أنها مجرد حفر وأخاديد في التراب، وأنها غير مأهولة حتى ببقايا الرميم .
وحكاية ابتكار التاريخ والآثار بأثر رجعي باتت مألوفة لدى السلطات الاسرائيلية في فلسطين، ولم يتوقف الأمر عند الهيكل وما يقترن به من روايات متخيلة، ذلك لأن من زعم أن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب عليه أن يواصل هذا الزعم ليحل آثاراً وأطلالاً مكان أخرى، لكن مثل هذه الحيل ذات عمر قصير وتحمل في طياتها بذور موتها .
إن القبور التي يجري زرعها الآن في القدس وما حولها ليست فقط بلا موتى، بل هي أيضاً بلا شواهد وجنائز، لأن ما ينام فيها هو أوهام تحاول أن تتجسد في حقائق . وقد حاولت سلطات الاحتلال من قبل «عبرنة» الأمكنة والآثار من حيث تجريدها من أسمائها العربية الأصيلة .
لكن الجغرافيا ليست مجرد خرائط من ورق يعبث بها وبتضاريسها من يشاء وتغيير اسم مكان أو شخص لا يعني شيئاً على الإطلاق ما دام لا يمس الجوهر ولا يغير من واقع الحال.
ومن أرادوا لضحاياهم أن يكونوا موتى بلا قبور لأنهم بلا أرض، يمارسون الآن هذه الانتهاكات التي تشمل استهداف الموتى، فثمة قبور فلسطينية وذات شواهد ممهورة بالأبجدية جرى قصفها وبعثرتها مراراً، وهذا ما وصفه على نحو مأساوي الكاتب الفرنسي جان جينيه الذي كان شاهد عيان على صبرا وشاتيلا حين قال إن الميت الفلسطيني مستهدف أيضاً بإعادة القتل .
إن زراعة القبور الخالية من الموتى ليست زراعة أسنان في فم أدرد، وليست بذوراً قابلة للنمو، إنها مجرد حفر تشتبك في أعماقها جذور الزيتون والسنديان .
كم يبدو مثيراً للسخرية وبلا إشفاق مشهد كهذا . . يوهم المحتل فيه نفسه أن جده مدفون في مستوطنة منذ ألف عام .
ورحم الله الشاعر العربي الذي قال: هي أشياء لا تشترى.





