ثقافة وادبزوايا

جائزة نوبل للقارئ! …بقلم :محمد يعقوب

21qpt849-1

تحتفي جائزة نوبل كل عام بالكاتب، وهي رؤية ذات جوهر نقدي أميل الى التحيز، بإعلاء شأن طرف من أطراف إحدى عمليات الإنتاج الأدبي، ولكن رولان بارت وهو ناقد وفيلسوف ومراقب اجتماعي ايضا فرنسي قرر في سنة سبعة وستين من القرن الماضي وفي مقال لا يتجاوز الـ2000 كلمة أن يعلن موت الكاتب.
إعلان بارت لم يكن موجها ضد جائزة نوبل للآداب، فقد منحت اللجنة السويدية الجائزة في العام ذاته لكاتب من غواتيمالا يكتب باللغة الإسبانية يدعى ميغيل أنخل استورياس، ويقول موقع الجائزة إن أستورياس استحقها عن إنجازاته ذات الجذور العميقة في التقاليد الوطنية لشعوب أمريكا اللاتينية. أما أهم منتج أدبي لاستورياك فهو رواية اسمها «السيد الرئيس» تتحدث عن الديكتاتورية بأسلوب ملطف بشيء من السخرية، رغم الأصداء المجلجلة لإعلان بارت بموت الكاتب أو المؤلف، واجتياح الإعلان ضفتي الأطلسي حيث تتركز الثقافة، إلا أن الملك السويدي مازال حتى هذه اللحظة يسلم شيك المليون دولار كل عام إلى مؤلف أو كاتب جديد، ويجب أن نذكر بأن أهم شرط من شروط جائزة نوبل أن يكون الفائز مؤلفا على قيد الحياة.
يقتبس بارت في بداية مقاله الشهير، عدة جمل من رواية لبلزاك بعنوان «ساراسين» يصف فيها رجلا مخصيا يتزيا بزي أمرأة، ويتساءل بارت مثيرا أكبر قدر من الريبة، من الذي يتحدث في هذا النص، هل هو الرجل المخصي عينه؟ أم السيدة التي يدعيها؟ أم بلزاك الشخص أو بالزاك الأديب؟ كثرة الأصوات المنبعثة من النص تثير الشك في نفسه، وتجعل من الاستحالة معرفة الصوت المتحدث، وهذه الاستحالة ذاتها تقود إلى النتيجة الثورية، وهي أنه لا يوجد من يتكلم أبدا، فيقرر أن الكتابة فعل يهدم كل أصل وكل صوت، لأن الكتابة عملية تجميع مونتاجي منظم، وقد يكون عشوائيا لشتات أدبي وأسطوري ومعرفي، وهذا الشتات بحاجة إلى ذاكرة وعائية، يمتلكها شخص لديه مواهب عامل بار يجيد عملية الخلط ليستخرج المزيج الذي يدعى النص. يرفع بارت يد المؤلف عن نصه بمجرد أن ينتهى من عملية الكتابه، ويقصية إلى درجة الموت، لأن الكاتب الحقيقي هو اللغة بوصفها جهازا واسعا للتأشير والتشفير، يتخلى بارت وبشكل ثوري عن الكاتب، وبشكل ضمني يرفض كل سلطة كانت له على النص، ويحرره من الاستبداد الذي يحول القراءة إلى لاهوت مربوط بشخص المؤلف، والأهم ان موت الكاتب يخلصنا من كل السياقات النفسية والاجتماعية والسياسية التي حاقت به، وبذلك يبقى النص طازجا ومفتوحا لقراءة متحررة من كل وصاية، ولكن عندها يجب أن يكون لدينا تكتيك في القراءة عند مواجهة نص يتحلى بهذه الاستقلالية، وهذا بالضبط ما يرغب بارت في الوصول إليه، وقد ختم به مقاله عندما قرر «لكي نصل إلى القراءة يجب أن ندفع ثمنا وهو موت المؤلف».
مات المؤلف وولد القارئ، هذه استراتيجية تحوّل القراءة من فعل حواسي إلى عملية منتجه، يعتقد بارت أن هذه العملية جنسية في المقام الأول تتضمن الاشتهاء والرغبة وتبادلات عشقية ولواعج محبين بين النص والقارئ، من هذه الملابسات الإيروتيكية يخلق القارئ المنتشي معنى، بمعنى ألا نقرأ «مقامات الهمذاني» و»بخلاء» الجاحظ قراءة فلكلورية، فهناك جهد عابر للأزمنة، قادر على تخطي الحالات النفسية والاجتماعية والتاريخية المصاحبة لحياة المؤلف، يجب إضافة هذا الجهد إلى عملية القراءة، وهي مسؤولية تقع على عاتق الكاتب وحدة، يفرق بارت بين النص الذي يتغلغل في القارئ ويخلق تغيرات في أحاسيسة وينشأ عالمة الجمالي، وبين النص الناقد الذي يهدف إلى التقويم أو إصدار الأحكام، أصبحت الحاجة إلى نظرية للقراءة أمرا ملحا ومطلوبا، ليس لتلبية رغبة بارت، بل لتلبية حاجة واقعية نجح بارت في الإشارة إليها بجرأة. نشط خبراء القراءة في السبعينيات والثمانينيات بحثا عن القارئ، لم يكن اللغز محلولا، فالقارئ الذي اصبح يحمل تبعات النص شخصية مجهولة وغامضة ومن غير المضمون التعامل مع نتائجها التي تحمل قدرا كبيرا من اللاتعيين الأدبي، ولكن ما ينتج عن هذا القارئ هو النص الحقيقي بالمعنى العميق للكلمة مهما كان شاذا أو غريبا أو حتى باردا، حاول بعض النقاد أن يضع تعريفا للقارئ يضبط سلوكة ويحدد تحركاته، ولكن كان النجاح جزئيا لا ينطبق على الحالات العامة للقراءة، كان أمبرتو إيكو واحدا من هؤلاء اقتنع بتحليل بارت، ووضع نموذجا للقارئ بوحي من سيمياء سوسير، فكتب إيكو رواية شهيرة ظهرت بعد مقولة بارت بثلاث عشرة سنة بعنوان «اسم الوردة»، فصلها إيكو على قياس العلم السيميائي الذي يؤمن به، ووضع فيها كل ما يعرفة من شيفرات وإشارات اللغة ليجعلها مستساغة. بناها على قصة جرائم قتل متسلسلة ووظف مفتش معه مساعدة ووضعهم جميعا في دير ثم أعاد الساعة إلى الوراء ستمئة وخمسين عاما، نكتشف في النهاية أن المجرم مجرد نص، نص يخاف منه رئيس الكهنة لأنه يؤدي بمن يقرأه إلى الهرطقة، القارئ هنا «نموذجي» سيفسر النص بمعنى محدد مكافئ للخروج عن تعاليم الدين، ولكن في الواقع فإن مكتبة الدير تحتوي على كتب أكثر عمقا من هذا الكتاب وأكثر انحرافا عن التعاليم الكنسية، يركز رئيس الكهنة على هذا الكتاب لأن كاتبه أرسطو صاحب التأثير العميق، رغم حضور نص أرسطو في ذهن قارئ نموذجي فإن كاتب ذلك النص يبدو أكثر خطورة في نظر كبير الكهنة، يدس الكاهن الكبير السم في الكتاب وتصبح قراءته مكافئة للموت. ليس بالضرورة أن يكون موقف كبير الكهنة يطابق موقف إيكو، ولكن إيكو قتل القراء واحدا بعد الآخر ثم حرق المكتبة كلها وقال في آخر سطر من الرواية «لا يبقى لنا إلا الأسماء»، التقليب السيميائي لهذه العبارة تجعل الدال أقوى من المدلول، وربما تتجرأ أكثر لتبني كيانا لا يوجد فيه الدوال، أو بحسب ما قال إيكو مجموعة من الأسماء، يترك إيكو كل ذلك للقارئ بدون أن يضع أي نوع من السم في «اسم الوردة».
أن تتلقى النص كدوش ماء حار ومنعش وتستمتع بالرذاذ المتطاير على مرايا الحمام والستائر النظيفة حداثة يفرضها رولان بارت، ونسيان الكاتب أو النبع الكبير الذي جاءت منه المياه فهي جزء من قوانين الحمام الصحي، رغم أن بارت نفسه كاتب وشهرته مبنية على ذلك، وفي الوقت الذي ظهر فيه مقاله معلنا موت المؤلف، كان روجية فاديم قد اكتشف بريجيت باردو وصنع منها فيلم «وخلق الله المرأة»، بايحاءاتها الجنسية الكثيرة والمحفزة، وكانت الحركات الفكرية التي تجتاح فرنسا معلنة خلع كل سلطة بتأثير الماركسية الصاعدة، هذه عوامل شكلت «البراديغم» الذي كتب في مناخاته بارت عن موت المؤلف وقد تكون هذه الفكره المميزة جزءا من ذلك البراديغم، ورغم نجاحها المثير، الذي أطلق عملية البحث عن القارئ، إلا أن مشكلة القارئ لم تجد لها حلا، بقي شخصية دخانية تتأرجح بين تكوينات الناقد الصارم ذي الأدوات اللغوية والبلاغية الخاصة، وبين شخصية الساذج الذي تتساوى عنده قراءة كتاب وتناول كيس مملوء بالبطاطا «المقرمشة».
مات ميغيل استورياس المؤلف الذي نال جائزة نوبل منذ زمن بعيد ومات قبله كابريرا ديكتاتور غواتيمالا الذي استلهم منه استورياس رواية «السيد الرئيس»، ومازلنا نسطيع قراءة هذه الرواية بكثير من الاستمتاع دون ان نذكر اسم كاتبها ولا اسم البلد الذي جاء منه، نقرأها بنفس جديد وبسياق مختلف، وإذا قررنا منحها جائزة نوبل عندها فقط سنتذكر السؤال الذي أرغمنا بارت على نسيانه من هو مؤلف هذا الكتاب، لأننا لا نستطيع منح الجائزة لأنفسنا.
القدس العربي
٭ كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى