الرئيسيةزواياأقلام واراءلماذا فاز روحاني .. ولماذا تركه خامنئي يفعل؟ .... سوزان مالوني

لماذا فاز روحاني .. ولماذا تركه خامنئي يفعل؟ …. سوزان مالوني

202002
قبل أربع سنوات، بعد إعادة انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد المثيرة للشك، امتلأت الشوارع الإيرانية بالمحتجين الذين طالبوا بمعرفة ما حدث لأصواتهم. وفي الأسبوعين الأخيرين، حصل أولئك الناخبون أخيراً على الجواب الذي يريدونه –ومرة أخرى، ملأوا شوارع البلد. لكنهم كانوا يحتفلون هذه المرة، بينما أكدت الحكومة فوز حسن روحاني، المرشح الرئاسي الذي كان قد خاض حملته الانتخابية على أساس وعود بالإصلاح وإعادة الانفتاح على العالم، وأحرز نصراً ساحقاً.
انتخاب روحاني، رجل الدين الوسطي الذي كان مقرباً من قمة السلطة منذ ثورة العام 1979، يشكل نهاية ميمونة لم تكن متوقعة لعصر أحمدي نجاد. وروحاني براغماتي صريح، مع الكثير من خبرة المناورة في داخل نظام إيران الثيوقراطي. وهو أكثر عقلانية بكثير من الانغماس في صراع للاستيلاء على السلطة من أحمدي نجاد. وهو يخفف، كرجل دين، من حجم المخاوف من الطبقة الدينية للجمهورية الإسلامية. ومع أنه وظف خطاباً إصلاحياً خلال حملته الانتخابية، فإنه لن يحيد كثيراً جداً عن مبادئ النظام التي تشكل سيادة المرشد الأعلى أهمها على الإطلاق. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تركيز روحاني على الكلف الاقتصادية لسوء إدارة أحمدي نجاد تنسجم مع خطاب التقليديين في النظام، وكذلك مع مشاعر جمهور أنهكه عقد من تكثيف المشقات الحياتية والقمع. وبالمجمل، ربما يستفيد الرئيس الجديد من قاعدة دعم أوسع من أي رئيس آخر في تاريخ إيران ما بعد الثوري، وهو ما سيكون رصيداً مهماً في صالحه بينما يسعى إلى شق طريق البلد خروجاً من العزلة والأزمة الاقتصادية.
في الطريق إلى الانتخابات، بدا انتصار روحاني غير مرجح. وقيل إن المرشح المفضل لدى المحافظين هو سعيد جليلي، البيروقراطي التقي المتزمت الذي كان قد عُين مفاوضاً نووياً بارزاً قبل ست سنوات. وكانت مؤهلات جليلي الرئيسية لتولي المنصب هي مكانته كـ”شهيد حي” (حيث كان قد فقد ساقه في الحرب مع العراق)، وعلامة الزبيبة على جبهته (من كثرة الصلاة والورع)، واستثمار آية الله علي خامنئي فيه على مدى السنوات العشر الماضية. ومن السهل أن نفهم السبب في أنه كان ينظر إلى جليلي على أنه شخص رائد في المجموعة، فهو بشكل أساسي عبارة عن نسخة محسنة من أحمدي نجاد، وهو متشدد من جيل أكثر شباباً، والذي يتباهى بالالتزام الكامل بالمثل العليا للثورة، وإنّما الذي سيكون، بالنظر إلى سجله الوطني محدودا، خاضعاً تماماً لخامنئي.
على النقيض من ذلك، ولد روحاني في البداية الحد الأدنى من الإثارة داخل إيران، وحتى انتباهاً أقل خارج البلاد، على الرغم من المصادقة الضمنية لعلي أكبر هاشمي رفسنجاني، وسيط السلطة السابق في إيران. ولأن رجال الدين لا يحظون بالشعبية في إيران في الوقت الراهن، ولأن المتشددين استخفوا بسجل مسار روحاني في القضية النووية من دون توقف تقريباً، بدت آفاقه قاتمة. وبالإضافة إلى ذلك، وفي حال الاحتمال غير المرجح لكسب حملته الزخم، كما يبدو، فإن المتشددين لم يكونوا ليتورعوا عن فعل أي شيء لتحييد تهديد محتمل.
مع ذلك، ولدى تأمل الأمر الآن، فإن من السهل رؤية أن عدداً من الأمور كانت تجري بالنسبة لروحاني. أولاً، كان حملته أكثر حدة مما أعطاها الكثيرون الفضل عليه. فقد دفع ضد الخطوط الحمراء للنظام، على سبيل المثال، من خلال الوعد بإطلاق سراح السجناء السياسيين. وفي إشارة واضحة إلى مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وهما المرشحان الإصلاحيان اللذان اعتقلا بعد انتخابات العام 2009، قال إنه سوف يطلق سراح جميع أولئك الذين ما يزالون تحت الإقامة الجبرية كذلك. وقد تشاحن روحاني بحماس مع رئيس حملة جليلي وتجاوز وسائل الإعلام الحكومية بإطلاق شريط فيديو دامغ، والذي ألقى الضوء على تجربته خلال الحرب مع العراق (كان عضواً في مجلس الدفاع الأعلى، وكان عضوا في المجلس الأعلى لدعم الحرب، وكان قائداً لقوات الدفاع الجوي الإيرانية، من بين الأدوار الأخرى)، وفي المفاوضات النووية (كان كبير المفاوضين النوويين لإيران في السنوات 2003-2005). وقد التقطت حملته الجسورة انتباه الجمهور الإيراني الساخط، الذي شرع في حشد المسيرات لدعمه في نهاية المطاف.
كما استفاد روحاني أيضاً من تحالف غير مسبوق بين حركة الإصلاح الإيرانية المحاصرة وحركة يمين الوسط التي يُفهم أن روحاني، وكذلك رفسنجاني، ينتميان إليها عموماً. ويعود تاريخ الانقسام بين الفصيلين وراء إلى السنوات الأولى للثورة. ثم أصبح أكثر ترسخاً بعد تولي الإصلاحيين السلطة في العام 1997، عندما انتخب محمد خاتمي، الإصلاحي حامل اللواء، لمنصب الرئيس في مفاجأة كبرى. ومن خلال الاندغام مع يمين الوسط الآن، حصل الإصلاحيون على طريق للخروج من الصحراء السياسية التي كانوا قد علقوا فيها منذ نهاية رئاسة خاتمي. ومن خلال التحالف مع الإصلاحيين، حصل روحاني على جهد الخروج القوي إلى التصويت، وانسحاب محمد رضا عارف من السباق، المرشح الإصلاحي الوحيد المعتمد. وعلى النقيض من ذلك، بقي المعسكر المحافظ مقسماً، ولم يأتلف أبداً حول مرشح واحد. ولو أنه تمكن من القيام بذلك، لكان قد فرض ذهاب الانتخابات إلى جولة إعادة على الأقل.
بطبيعة الحال، كان ميزة روحاني الأقوى هي التعاسة المريرة للشعب الإيراني، الذين شهدوا انهيار عملتهم، وعودة تدابير التقشف التي لم يشهدوا مثلها منذ الحرب بين إيران والعراق، وتآكل الحقوق والحريات الأساسية على مدى السنوات الثماني الماضية. وتؤكد حقيقة أنهم كانوا راغبين استعادة الأمل مرة أخرى، حتى بعد خيبة الأمل الساحقة من انتخابات 2009، التزاماً ملحوظاً وكبيراً بالتغيير السلمي والمؤسسات الديمقراطية.
كل هذا ربما يفسر الإقبال الهائل على التصويت في يوم الانتخابات وانتصار روحاني الشعبي الساحق. لكنه لا يفسر، مع ذلك، السبب في تجنب خامنئي تلك المغالطة التي ابتلي بها تصويت العام 2009 والسبب في أنه ترك النتيجة كما هي.
أحد التفسيرات هو أن آية الله أخطأ الحساب ببساطة، ووجد نفسه مرة أخرى، وقد تجاوزته الأحداث عندما تصاعد ترشيح روحاني مع القليل من الإنذار المسبق. وفي الحقيقة، من المرجح أن خامنئي توقع حقاً أن الايرانيين سيصوتون لصالح المحافظين. وبعد كل شيء، كان المحافظون يحتفظون بكل الأوراق في إيران منذ العام 2005، وهم الذين يهيمنون على مؤسساته ويملون شروط النقاش. ومع وجود الإصلاحيين الرائدين في السجن أو في المنفى، لم يتوقع أحد أنه يمكن إحياء قوى التغيير بكل هذه القوة. وعندما أثبتت توقعاته أنها بلا قاعدة يوم الجمعة التي تلت الانتخابات، اختار خامنئي ببساطة عدم المجازفة بتكرار ما حدث في العام 2009.
وهناك احتمال آخر، مع ذلك، واحد يفسر بصورة أفضل موقف خامنئي المتساهل بشكل غريب مع حملة روحاني المنفعلة، ومع المناظرة الاستثنائية التي جرت بين المرشحين الثمانية المتبقين للرئاسة على التلفزيون الرسمي قبل أسبوع فقط من الانتخابات. وفي تلك المناظرة، تحول نقاش حول قضايا السياسة الخارجية العامة بشكل غير متوقع إلى تمرد بشأن القضية النووية. وعمد أحد المرشحين، علي أكبر ولايتي، وهو سليل القاعدة المحافظة للنظام، إلى مهاجمة جليلي لفشله في التوصل الى اتفاق نووي، والسماح للعقوبات التي تدعمها الولايات المتحدة على إيران بالزيادة.
تلك المناقشة الصريحة بشكل مثير للدهشة، والتي تلت تهمة ولايتي، كشفت عن إحساس المؤسسة الإيرانية بالانكشاف المطرد للنظام. ويمكن فهمها فقط كتدخل –واحد بدأه أكثر أنصار النظام تحمساً، والذي يهدف إلى إنقاذ النظام نفسه من خلال الاعتراف بمضائقه غير المستقرة وجاذبيته للبراغماتية (بدلاً من دوغمائية جليلي). وكانت المناظرة أيضاً اعترافاً بأنها لم تعد تمكن تهدئة المآسي التي تسببها العقوبات للجمهور الإيراني بالأبهة النووية -أو حتى تحريض المشاعر القومية الدينية.
ولذلك، فإن من الممكن تصور أن سخاء خامنئي غير المتوقع، بما في ذلك المناشدة التي تقدم بها في اللحظة الاخيرة لكل الإيرانيين -حتى أولئك الذين لا يؤيدون الجمهورية الإسلامية- للمشاركة في التصويت، كان مقصوداً ومخططاً. وفي هذه الحالة، فإن أولئك الذين يرون انتخاب روحاني بوصفه إعادة للاضطراب السياسي المروع الذي استدعاه خاتمي في العام 1997، يكونون غير مستندين إلى قاعدة منطقية. وبدلاً من ذلك، يشكل انتخاب روحاني صدى لتحول خامنئي المفاجئ في 1988 و1989، عندما أوكل إلى رفسنجاني، البراغماتي، أمر إنهاء الحرب مع العراق، ثم ساعد رفسنجاني في الفوز بالرئاسة ليكون رأس الحربة في برنامج إعادة الإعمار بعد الحرب. والآن، مثلما كان الأمر عندئذ، ليس خامنئي عاكفاً على التضحية بلا حدود. وربما يكون السماح لروحاني بالفوز هو طريقته في تمكين رجل توفيقي من أجل إصلاح علاقات إيران المتوترة مع العالم، والعثور على حل ما للنزاع النووي، والذي يمكّن البلاد من إعادة إحياء صادراتها النفطية واستئناف التجارة العادية.
ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن طريق روحاني ستكون سهلة. سوف يتوجب عليه انتزاع دعم المتشددين، وأن يضمن على الأقل دعماً ضمنياً مستمراً من خامنئي. وحتى يفعل ذلك، سيكون عليه التغلب على عقد من الاستياء. وكان روحاني خلال الفترة التي قضاها وهو يقود المحادثات النووية، قد قدم التنازل الجدي الوحيد الذي عرضته الجمهورية فيما يتعلق بطموحاتها النووية: تعليق متعدد السنوات لأنشطة تخصيب اليورانيوم، والذي انتهى فقط قبيل تولي أحمدي نجاد زمام السلطة.
وكانت تلك الخطوة قد جلبت على روحاني غضباً لا ينتهي من المتشددين، بمن في ذلك خامنئي الذي كان قد وافق على الصفقة، لكنه شن في العلن هجوماً حاداً على دبلوماسية روحاني النووية في وقت قريب هو الصيف الماضي. ومع ذلك، هناك العديد من الإيرانيين اليوم -بمن فيهم، على ما يبدو، الكثيرون من داخل المؤسسة– الذين يجدون قدرته على التوصل إلى صفقة قابلة للحياة مع العالم بشأن القضية النووية، متمتعة بالجاذبية. وهكذا يوحي انتخابه بأن تحولاً تاريخياً في نهج إيران تجاه العالم ونحو المواجهة النووية يمكن أن يكون قد أصبح في المتناول. ومع ذلك، وحتى يتمكن من التغلب على الكراهيات القديمة القائمة في أوساط المحافظين والمضي قدماً في أجندته للتغيير في داخل الثقافة السياسية الإيرانية المكيافيلية، سوف يحتاج روحاني إلى دعم واضح وثابت من خامنئي، وهو الشيء الذي كان المرشد الأعلى قد منحه فقط لرئيس واحد خلال فترة ولايته الممتدة طوال 25 عاماً: أحمدي نجاد في ولايته الأولى.
بالنسبة لواشنطن، عرضت الانتخابات في الوقت نفسه تأكيداً قوياً على أن استراتيجيتها تعمل فعلاً، إلى حد ما على الأقل. وقد أكدت النتائج أن الإرادة السياسية للتوصل إلى اتفاق نووي موجودة بالفعل في داخل الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، وحتى مع وجود رئيس أكثر اعتدالاً في سدة الحكم، فإن القضية النووية لن تحل بسهولة، وسيبقى المجال السياسي المنقسم في إيران صعباً كما كان حاله على الدوام. ومن أجل التغلب على جنون العظمة عميق الجذور (وليس غير المبرر تماماً) لدى صانع القرار النهائي والأهم في ذلك البلد، سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى التحلي بالصبر. سوف تحتاج لأن تفهم، على سبيل المثال، أن روحاني سيحتاج إلى أن يثبت للإيرانيين أن بوسعه إنتاج عوائد ملموسة من المبادرات الدبلوماسية. وهذا يعني أن على واشنطن أن تكون مستعدة لتخفيف كبير في العقوبات في مقابل الحصول على أي تنازلات إيرانية في القضية النووية. كما سيكون على واشنطن أن تفهم أيضاً أن روحاني قد يواجه قيوداً وعوائق حقيقية في معرض سعيه إلى حل النزاع النووي من دون مفاقمة فقدانه ثقة المتشددين. وفي كل ذلك، سيكون على إدارة الرئيس أوباما أن تمضي قدماً بحذر، لأن ظهورها بمظهر الانفتاح المفرط أيضاً سوف يضر بموقف روحاني المحلي.
وبعبارات أخرى، فإن الطريق للخروج بإيران من العزلة والأزمة الاقتصادية يبقى صعباً ومحفوفاً بالمخاطر، ولكن الرئيس الايراني الجديد، الذي يطلق عليه أحياناً اسم “شيخ الدبلوماسية”، قد يكون هو الرجل المناسب، والذي أتى في اللحظة المناسبة، ليقطع هذه الطريق.

(فورين أفيرز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة الغد الاردنية.
*
زميلة رفيعة في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينغز
*
نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Why Rouhani Won – And Why Khamenei Let Him

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب