الرئيسيةترجمات اسرائيليةأضواء على الصحافة الاسرائيلية 7 تشرين الثاني 2014

أضواء على الصحافة الاسرائيلية 7 تشرين الثاني 2014

عباس: سنقدم المبادرة الفلسطينية الى مجلس الأمن هذا الشهر

ذكرت صحيفة “هآرتس” ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، اعلن، يوم الخميس، انه سيتم تقديم المبادرة الفلسطينية لإنهاء الاحتلال الى مجلس الأمن الدولي خلال شهر نوفمبر الحالي. وقال عباس خلال لقاء اجراه معه التلفزيون الفلسطيني بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الرئيس ياسر عرفات، ان مشروع القرار سيعتبر الاراضي المحتلة عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، اراض فلسطينية محتلة.

وقال: “سنطالب بتحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال وسيتواصل التوجه الى المؤسسات الدولية بما في ذلك المحكمة الدولية في لاهاي. نحن نطالب الاعتراف بحقوقنا”. واوضح عباس بأنه رفض محاولات الضغط عليه لتأجيل التوجه الى المؤسسات الدولية، وقال: “نحن نفعل ما نراه مناسبا لنا ولن نصغي اليهم. هذا نضال طويل وان شاء الله سنحصل على حقوقنا”.

الشرطة تنشر الحواجز في القدس وتحاصر الأحياء العربية

كتبت صحيفة “هآرتس” انه بالإضافة الى قرار قائد الشرطة الاسرائيلية في لواء القدس، تشيكو ادري، مساء الخميس، الاستعداد جيدا لصلاة الجمعة في الحرم القدسي، والسماح بدخول المصلين من جيل 35 سنة وما فوق للرجال، والسماح بدخول النساء من كافة الأجيال، خشية وقوع مواجهات بين الشبان وقوات الأمن، فقد قررت الشرطة اغلاق بعض الممرات بين الأحياء الفلسطينية واليهودية في القدس الشرقية، بسبب تدهور الوضع الأمني. واقامت حواجز من الباطون في حي الطور في القدس الشرقية، الذي يخترقه الخط الأخضر.

وقد تحول هذا الحي المختلط، في الأسابيع الأخيرة الى مركز لرشق الحجارة بسبب قتل معتز حجازي الذي حاول اغتيال الناشط اليميني يهودا غليك. وفرض هذا الحاجز الاغلاق على الحي العربي الذي اضطر سكانه الى مغادرته والعودة اليه بالسيارات فقط عبر طريق سلوان. كما اغلقت الشرطة الطريق بين العيسوية والتلة الفرنسية، والطريق المؤدي من البلدات الفلسطينية الى الجامعة العبرية، فيما ازالت الحاجز الذي اقامته قبل عدة أيام بين جبل المكبر وقصر المندوب السامي.

وفي المقابل استكملت حملة تحصين محطات القطار الخفيف المجاورة لمسارات الطرق الرئيسية، حيث قامت البلدية وبإيعاز من الشرطة، بوضع مكعبات باطون ضخمة امام المحطات الواقعة في شوارع بارليف وهرتسل ويافا. الى ذلك استؤنفت المواجهات بين قوات الامن والشبان، واعتقلت الشرطة شابا فلسطينيا بشبهة مهاجمة حارس في القطار الخفيف، كما اعتقلت ملثما في حي الطور، عمره 13 سنة، بشبهة رشق الحجارة. ووقعت مواجهات في مخيم شعفاط بجانب منزل ابراهيم العقاري منفذ عملية الدهس، يوم الاربعاء. كما شهدت احياء العيسوية وسلوان وجبل المكبر واماكن اخرى في شرقي المدينة مواجهات مع قوات الأمن.

واشتكى الفلسطينيون من استخدام قوات الامن المكثف للغاز المسيل للدموع وبدون تمييز. واعتقلت الشرطة الليلة قبل الماضية 16 فلسطينيا بشبهة المشاركة في الاحداث، وبلغ عدد المعتقلين خلال الاسبوعين الأخيرين 117 بالغا و71 قاصرا. وتعرض عامل فلسطيني الى اعتداء من قبل اليهود في حي غبعات شاؤول، الخميس، على خلفية قومية. وقام المعتدون برشق الحجارة على سيارة العامل وتحطيم زجاجها، ومن ثم رشوه بالغاز المسيل للدموع.

نتنياهو يكرر وعده للأردن بعدم تغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي

كشفت الصحف الاسرائيلية ان رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، اتصل يوم الخميس، بالملك عبدالله الثاني، واعرب عن التزامه بالحفاظ على الوضع الراهن في الحرم القدسي. وجاء في بيان صدر عن ديوان نتنياهو، انه ابلغ الملك بأن “إسرائيل ستحافظ على مكانة الأردن في الحرم القدسي، والأماكن المقدسة في العاصمة، وفقا لاتفاق السلام بين البلدين. ودعا الزعيمان الى انهاء كل اعمال العنف والتحريض”.

وكتبت “هآرتس” ان الملك اوضح لنتنياهو ان الأردن يعارض بشكل قاطع كل نشاط يمس بقدسية المسجد الأقصى ويهدده، او اجراء أي تغيير في الوضع الراهن. وقالت وكالة الانباء الأردنية ان نتنياهو تعهد للملك بتخفيف التوتر واعادة الهدوء الى القدس.

وكان نتنياهو قد اصدر قبل ساعات قليلة من المحادثة الهاتفية بيانا للصحف باللغة الانجليزية فقط، اعلن فيه تعهده بالحفاظ على الوضع الراهن في الحرم، واكد “ان كل جهة اسرائيلية تصرح غير ذلك لا تمثل موقف الحكومة”. ولم يتم تحويل بيان نتنياهو الى المراسلين والصحف العبرية.

وجاءت محادثة نتنياهو مع الملك عبدالله بعد قيام الاردن باستدعاء سفيره لدى إسرائيل، ومن ثم تقديم شكوى الى مجلس الامن، والدعوة الى عقد جلسة طارئة لمناقشة الوضع في القدس. وكتبت سفيرة الأردن لدى الأمم المتحدة دينا قعوار، في رسالة وجهتها الى سفراء الدول في مجلس الأمن، انه “يجب دراسة اتخاذ تدابير اضافية يمكنها منع المزيد من العنف الاسرائيلي والذي من شأنه تهديد السلام العالمي والأمن في الشرق الاوسط”. وابلغت السفراء ان الأردن سيبلغ مجلس الامن بالخطوات القضائية او السياسية التي سيتخذها لمواجهة الاندلاع في الحرم القدسي.

ليبرمان يعتبر دخول النواب الى الحرم القدسي خطوة اعلامية رخيصة

انتقد وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، اعضاء الكنيست اليهود الذين يدخلون الى الحرم في هذه الفترة، ووصف ذلك بالسعي غير الحكيم الى نيل عنوان اعلامي رخيص. وقال ليبرمان في حديث للاذعة الثانية “ان كل شيء في هذه اللحظة، الحساسة، في المنطقة كلها وفي القدس، يتأجج ويساهم في زيادة الاحتكاك، وهذا لن يحقق الأمن. اعتقد ان ما يحدث هو البحث عن النشر الاعلامي الرخيص والاستغلال الساخر على المستوى الحزبي للأوضاع المعقدة التي نتواجد فيها. وبالطبع هذا ليس حكيما، ولنقل ذلك”.

يشار الى ان مسؤولين كبار في الشرطة تكهنوا، هذا الأسبوع، بأن التوتر في الحرم القدسي هو المسبب الأساسي للتصعيد في المدينة، ولذلك حذرت الشرطة القيادة السياسية من استمرار دخول نواب اليمين الى الحرم القدسي.

وفي اطار الجهود المبذولة لتهدئة الأوضاع، تحدث رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مع سلسلة من النواب وطلبوا منهم تخفيف تصريحاتهم بشأن الحرم القدسي.

بينت يطالب بشن هجوم عسكري على القدس

من جهته هاجم وزير الاقتصاد نفتالي بينت سلوك الحكومة في معالجة العنف والارهاب في القدس الشرقية وطالب رئيس الحكومة بإعلان حملة “سور واق” عسكرية في القدس لإعادة الردع امام الفلسطينيين.

وكتبت “هآرتس” ان بينت قال خلال خطاب القاه في مؤتمر لجمعية “رجابيم” في جامعة بار ايلان، ان “الحكومة التي تختبئ وراء مكعبات الباطون بدل ان يختبئ المخربون وراء المكعبات، لا تستحق الوجود، الحكومة التي تعتذر بدل المطالبة باعتذار عندما يقتل مواطنوها لا تستحق الوجود، والحكومة التي لا تعرف كيف تعيد الردع والسيادة والأمن الى مواطنيها في عاصمتهم لا تستحق الوجود. لقد انهارت نظرية الاحتماء كما انهارت نظريات اخرى مؤخرا”.

وقال ان “على الحكومة شن حملة “سور واق” لاعتقال المخربين في أسرتهم في الثالثة فجرا، والوصول الى المحرضين في السلطة والى مستودعات المفرقعات النارية والى قادتهم. يجب رفع رأس شعب إسرائيل، والتوقف عن اتهام انفسنا. الجرحى لا يزالون يواجهون الخطر وانا اسمع بأن هناك من داخلنا من يتهمنا ويريد اسكاتنا”.

وشن بينت هجوما على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وقال: “ابو مازن الذي يقول ان اليهود يدنسون الحرم بدخولهم اليه، ويدعو الى منعهم بكل الطرق، ليس شريكا. انه ارهابي. ابو مازن الذي ارسل تعزية الى عائلة الذي اغتال يهودا غليك، وحركته التي اعلنت عن قاتل الطفلة شهيدا، ليس شريكا بل ارهابي”.

الحاخام الاكبر للشرقيين: دخول النواب يحرض على العنف

في السياق ذاته دعا الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين يتسحاق يوسيف، الى وقف دخول اليهود الى الحرم،  وقال ان ذلك هو السبب المباشر للتصعيد في القدس ولسفك دماء اليهود.

ونشر موقع المستوطنين (القناة السابعة) تصريحات يوسيف خلال جنازة الفتى شالوم بعداني، الذي توفي متأثرا بجراح اصيب بها خلال عملية الدهس الاخيرة في القدس، حيث قال انه “لا يمكن الاعتراض على قرار كبار حكماء إسرائيل منع اليهود من دخول الحرم. وهذا هو المكان لدعوة الجمهور الى وقف التحريض الذي يحرض ابناء عيسو الذين يكرهون يعقوب، عندما يدخل الناس الى الحرم ويخرقون الشريعة. يمنع دخول اليهود الى الحرم، ويجب عدم اثارة الغليان لدى العرب الذين يكرهوننا والمخربين. انهم يصبون الزيت على النار، ويجب وقف ذلك. لا يمكن لحاخامات من الدرجة الرابعة الاعتراض على حكماء الجيل”.

وتعرض يوسيف الى انتقادات من قبل اليمين المتطرف. وقال عضو الكنيست موشيه فايغلين من الليكود، معقبا ان هناك مئات الحاخامات الذين يعتقدون غير ما يعتقد الحاخام يوسيف. وليس من المناسب بالحاخام خلط الشريعة بالسياسة. واعتبر فايغلين صلاة اليهود في الحرم ضرورة لأن “هذا هو المكان الاكثر قدسية لشعب إسرائيل. وقلب عاصمتنا، واذا انسحبنا من هناك فاين سنبقى؟”

واحتجت النائب اوريت ستروك، من حزب البيت اليهودي، على “اتهام اليهود بالتحريض وعن اعمال القتل التي قام بها المخربون العرب وعلى المس بكرامة كبار حاخامات اليهودية الصهيونية الذين يدخلون الى الحرم طاهرين ويتصرفون حسب فتاواهم”. وقالت انها لا تدخل شخصيا الى الحرم بسبب امر الحاخام دوب ليئور الذي يمنع دخول النساء، لكن “الجمهور المتدين القومي يستمع الى حاخامته دائما وينفذ اوامرهم.

واعتبر الناشط اليميني ايتمار بن غفير تصريحات الحاخام يوسيف تقدم جائزة لحماس وفتح.

نائب من شاس: النواب العرب يحرضون على الجهاد

ونشر موقع المستوطنين لقاء مع عضو الكنيست نسيم زئيف (شاس) اتهم خلاله النواب العرب في الكنيست بتحريض العرب على الجهاد وقتل اليهود. وقال “ان النواب العرب بدأوا برفع رؤوسهم والتحريض من على منصة الكنيست والدعوة الى حرب جهاد، ونحن كالعمي والحمقى نسمع التحريض في الكنيست ونتجاوزه باسم حرية التعبير. من شاهد في الاسبوع الماضي النائب طلب ابو عرار وهو يتوجه الى كل المسلمين ليقوموا ضد إسرائيل التي تدنس المسجد الاقصى. لقد ردد من على منبر الكنيست نداء الشهيد “الله اكبر” ثلاث مرات وكلهم صمتوا. قلت له انه داعش، فاحتج ضدي وكأنني هددته. وفي الليلة ذاتها اطلقوا النار على غليك”.

يعلون يعلن مؤسسة القدس للتنمية تنظيما خارجا عن القانون

كتبت “يسرائيل هيوم” انه بموجب توصية من جهاز الشاباك، أمر وزير الأمن موشيه يعلون، بإخراج “مؤسسة القدس للتنمية” عن القانون، واعتبرها “تعمل بشكل واضح على مساعدة نشاطات ونشطاء حماس”. وتتبع المؤسسة للجناح الاسلامي للحركة الاسلامية، وتم تأسيسها في 2008.

الخارجية ترحب بقرار المحكمة الدولية عدم التحقيق في احداث مرمرة

كتبت “يسرائيل هيوم” ان  إسرائيل رحبت بقرار المحكمة الدولية في لاهاي عدم فتح تحقيق في قضية اسطول مرمرة وما اذا كانت اسرائيل قد ارتكبت جريمة حرب خلال السيطرة على السفينة التركية. وقالت وزارة الخارجية الاسرائيلية في بيان لها ان “إسرائيل تسجل امامها بإيجاب قرار النائبة العامة في المحكمة الدولية بإغلاق التحقيق التمهيدي في حادث الأسطول، الى جانب التحفظ من بعض تحليلات المحكمة وبعض التصريحات غير الحذرة في التقرير”.

وأضاف البيان “ان اسرائيل تعتبر بأنه لم يكن أي مبرر لفتح التحقيق التمهيدي منذ البداية، وتأسف على الموارد والوقت الذي كرسته المحكمة لمعالجة  شكوى تفتقد الى أي أساس قانوني، وتم تقديمها لأغراض سياسية”.

جهات امنية: تعزز الاعتقاد بأن حادث الدهس قرب الخليل لم يكن عملية

كتبت صحيفة “هآرتس” انه بعد قيام الفلسطيني المشبوه بدهس الجنود في غوش عتسيون، بتسليم نفسه الى دائرة التنسيق والارتباط في منطقة بيت لحم، وتحويله الى الشاباك للتحقيق معه، اعلن مصدر امني رفيع ان سلوك السائق يعزز التكهن بأن ما حدث في غوش عتسيون كان حادث دهس وهرب عادي وليس عملية مخططة، كما اعتقد الجهاز الأمني” في البداية.

وقال المصدر ان المشبوه نفى أي نية لتنفيذ عملية ارهابية، وخلال التحقيق معه تبينت عدة أدلة تدعم روايته وتناقض الاشتباه بأنه اقدم على تنفيذ عملية متعمدة. وقال ان قيام المشبوه بتسليم نفسه الى دائرة التنسيق والارتباط يثير الشك بأنه قصد تنفيذ عملية متعمدة، وأضاف: “لا اعرف عن أي ارهابي يقوم بتسليم نفسه للجيش”.

وقال الشاباك انه يفحص ظروف الحادث.  وكانت قوات الامن قد اعتقلت فلسطينيا آخر بشبهة التورط في الحادث، كما اعتقلت 15 فلسطينيا في الضفة بينهم والد وشقيق السائق وبعض افراد اسرته.

حماس تعلن عن تشكيل جيش شعبي لتحرير الاقصى

كتب موقع واللا ان حركة حماس أعلنت  (الجمعة) نيتها تشكيل “جيش شعبي” في قطاع غزة، للاستعداد لدخول مواجهة جديدة مع القوات الاسرائيلية، خاصة على خلفية التوتر في البلدة القديمة في القدس. وذكرت وكالة الانباء الفرنسية انه خلال اجتماع عقد في مخيم جباليا للاجئين، اعلن محمد ابو عسكر، المسؤول العسكري في كتائب عز الدين القسام، عن تجنيد 2500 محارب، يمثلون القسم الأول من الجيش الشعبي لتحرير المسجد الاقصى.

ودعا ابو عسكر الشبان من جيل 20 عاما الى الانخراط في التدريبات اليومية تمهيدا لتشكيل الجيش. واكد ان الجيش سيتدخل في اللحظة التي يتعرض فيها الاقصى لخروقات إسرائيلية بالغة. وقال ان اسلحة وانفاق القسام في حالة جيدة للمواجهة الممكنة.

مقالات وتقارير

ياسر عرفات، حساب تاريخي

في الذكرى العاشرة لوفاة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وأول رئيس للسلطة الفلسطينية، ياسر عرفات، يكتب يوسي بيلين في “يسرائيل هيوم” ان عرفات ترك الجمهور الفلسطيني يواجه الصدمة – من دون وريث طبيعي وفي خضم انتفاضة لم تنته– وترك العالم يواجه العديد من التساؤلات بشأن الجوهر الحقيقي لنواياه. لكن الشيء الوحيد الذي لا يمكن انتزاعه منه هو:  انه وضع القضية الفلسطينية في مرتبة عالية على جدول الأعمال العالمي، الى حد جعل الدول العربية تفرض عليه رعايتها وتستخدمه لأهدافها الخاصة (في المرحلة الأولى مصر وسوريا في وقت لاحق).

ويضيف بيلين: في سنوات السبعينيات والثمانينيات كان عرفات بالنسبة لإسرائيل، كما كان رئيس مصر جمال عبد الناصر، في الخمسينيات والستينيات، عدوا مريرا، يثير السخرية إلى حد كبير، وليس له أي هدف الا قتل الإسرائيليين، واذا أمكن – حتى تدميرنا. طوال سنوات عديدة، لم يسع ليكون شريكا في الحوار، وعندما كان من حوله اشخاص حاولوا الاتصال، رفضناهم نحن كدجالين.

إذا كان اليسار قد طرح شروطا للحوار مع منظمته (نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل وبقرار الأمم المتحدة رقم 242) فقد واصل حزب العمل الحديث عن حل مشترك أردني – فلسطيني للصراع ، ورفض أي حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت الذروة في عام 1985 عندما دعمت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة شمعون بيرس القانون السخيف الذي منع أي نوع من الاتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية وقاد الى السجن شخصيات مثل إيبي ناتان، الذين لم يكونوا على استعداد للتخلي عن الحوار مع العدو.

هذا الرجل القبيح مع ما يشبه اللحية على وجهه، والزي العسكري الأبدي والكوفية، بدا لنا كرسم كاريكاتوري. لم نفهم كيف رأى الفلسطينيون به قائدا كاريزماتيا جدير بالإعجاب وحتى المودة. كان عرفات مثيرا للغضب، ومثيرا للضحك بعض الشيء. ومع ذلك، فان أفعاله كانت أقل مثيرة للضحك. في السبعينيات زاد من استخدام أسلحة الإرهاب، الذي كان يعتقد انه يمكنه بواسطته فرض الخوف أكثر من الخطب الحماسية.

بالإضافة إلى ذلك، تمكن من دفع تنفيذ العديد من أعمال الإرهاب، لا سيما في أوروبا، ولكن أيضا في البلاد. وهكذا بدأنا طريقنا كدولة تقود الحرب على الإرهاب. كنا نعتقد أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية هي القضاء عليها. عندما كان مناحيم بيغن رئيسا للوزراء، حرص على عدم تسمية المنظمة باسمها – منظمة التحرير الفلسطينية – وانما كان يستخدم الاسم الذي اخترعه لها، والذي لم يحظ بشعبية على نطاق واسع: “منظمة القتلة الفلسطينيين”.

لكن النوايا شيء والواقع شيء آخر. في أواخر الثمانينيات تغلغل لدى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف بأن التمسك بهدف تأسيس “الدولة الديمقراطية العلمانية”، التي تضم فقط الإسرائيليين الذين عاشوا في إسرائيل قبل وعد بلفور، هو مسألة عبثية. وليس المقصود أن القيادة الفلسطينية انقسمت بين المؤيدين والمعارضين لإسرائيل؛ فمن الواضح أنه لو كان يمكن التخلص من إسرائيل، لكان حتى المعتدلون سيفرحون بذلك. ولكنه وكما في بقية الحركات القومية الأخرى في العالم – كانوا أكثر واقعية وفضلوا ترك الحلم الى الآخرة.

خلال مؤتمر منظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر، عام 1988، في أعقاب توسط ستان أندرسون، وزير الخارجية السويدي في ذلك الوقت، وبفضل الدعم الأميركي للخطة، طرح عرفات على الطاولة القرار الذي غير المنظمة التي ترأسها، ووافق في الواقع على شروط الغرب للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية . لكن اسرائيل الرسمية رفضت تلك الخطوة، مدعية أنها حيلة اعلامية، لا يقف خلفها أي شيء، ولكن العالم اخذ هذا القرار على محمل الجد. بعد 14 عاما وبعد اعتراف العالم العربي في مؤتمر الرباط بكون منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، اعترفت بذلك معظم البلدان في العالم. وبعد خمس سنوات اعترفت بذلك إسرائيل أيضا.

المحاولات التي تم بذلها لتشكيل قيادة فلسطينية من قبلنا (روابط القرى)، خلال فترة بيغن، فشلت تماما، في حين أعلن الأردن في صيف 1988 أنه يزيل أية مسؤولية عن الضفة الغربية. وتبين خلال محادثات واشنطن ان الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك الى مؤتمر مدريد كان مهزلة. لقد عمل الفلسطينيون بشكل منفصل وقبل كل جولة من المحادثات طار الوفد إلى تونس للحصول على تعليمات من عرفات. وقال قادة الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة لكل من طلب الاستماع اليهم، أنه لا يمكنهم تسوية هذه المسألة، وعلينا ألا نبني عليهم. وسواء أحبوا عرفات أو تنصلوا منه، فقد كان واضحا لهم أنه لن يكون هناك أي ترتيب سياسي إذا لم يقده عرفات.

في البلاد تواصلت الانتفاضة الأولى، إرهاب الأفراد والمنظمات. وهزت حالات الاختطاف والقتل البلاد، وازداد الشعور بأنه لا يمكن الاستمرار على هذا المنوال. وبدأت حماس، التي تأسست في يناير 1988، بكسب التأييد، وساد الشعور لدى كبار المسؤولين بانها يمكن ان تتغلب على حركة فتح في الشارع الفلسطيني.

بعد إلغاء القانون الذي يحظر الاتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية، جرت المحادثات المباشرة في أوسلو، بين ممثلين اسرائيليين، كانوا على استعداد لتقسيم البلاد من أجل ضمان مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وبين التنظيم الفلسطيني الرسمي، الذي تخلى عن مطالبته بأرض إسرائيل كلها، ووافق على الاكتفاء بحدود 67.

بعد التوقيع على الاتفاق في حديقة البيت الأبيض فقط، التقينا لإجراء محادثات مع عرفات. من جهة، خرج عن طوره كي يستضيفنا كما يجب، وكنا نضحك بيننا على قيامه خلال العشاء بإطعام ضيوفه بيده، ورفضه تقبل اننا أكلنا ما يكفي. ومن ناحية أخرى، تحدث دائما من منطلق ان يده هي السفلى، وكل تسوية اتفقنا عليها كان يوقعها ويقول انه ليس لديه خيار، وبأننا الجانب الاقوى.

لقد كان شخصا مطاردا، وآمن بالمؤامرات كحقيقة مطلقة. كان يحكي لي دائما عن المؤامرة التي يصيغها الشاباك ضد اسحق رابين، ولم يفهم لماذا أبتسم. عندما اغتيل رابين أظهر حزنا حقيقيا وجاء لتعزية عائلته بوفاته. يصعب علي التصديق بأن ذلك كان مجرد استعراض. بعد بداية الانتفاضة الثانية، ركب على الموجة من خلال التخوف من فقدان منظمته إذا قبل بنصيحة أبو مازن وامتنع عن دعم العنف المتجدد.

لقد قام شارون بتقليص مقر عرفات غرفة بعد غرفة، ولم يضع حدا لحياته فقط بسبب الضغوط الأميركية. لقد توفي عرفات كشخص أثار الجدل، شخص كان على استعداد للمضي نحو السلام، بدون خيار آخر، ولكنه أغوي على اعادة استخدام القوة في ظروف أخرى. محاولة التحديد بشكل قاطع ما إذا كان رجل سلام أو مقاتل خدعنا – هي مسألة في غاية التبسيط. لقد كان وطنيا فلسطينيا حاول تعظيم مصالحه الخاصة في كل وقت من الأوقات.

لقد ارتكب خطأ حياته عندما تراجع  في عام 2001، عن التزامه بنبذ العنف. هناك من يعتقدون أنه لولا اغتيال رابين، لكان يمكنهما تحقيق السلام. وهناك من يعتقد أن المقصود ممثلا لم يقصد ما قاله. إذا كان لديه سر، فقد حمله معه إلى قبره.

عشر سنوات على وفاة عرفات – لغز حياته ولغز موته

في اطار ملف تنشره “هآرتس” حول الذكرى العاشرة لرحيل الزعيم الفلسطيني، يكتب عاموس هرئيل، ان العقد الماضي منذ وفاة عرفات، لم يثر لدى الإسرائيليين الاشتياق القوي والخاص لشخصية الرئيس. فالسنوات التي يدير فيها خليفته محمود عباس للمعسكر، الذي لا يزال يشكل جزء من الحركة القومية الفلسطينية –حماس انفصلت بشكل كلي، تقريبا، عن سيطرة وتأثير السلطة – لم تكن بالضرورة سهلة للشعبين. ولكنه كان واضحا خلال هذه الفترة على الأقل، انخفاض قوة العنف في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر، والذي يمكن نسبه الى عباس الذي يبتعد عادة عن الارهاب.

لقد أثار عباس غضب حكومة نتنياهو من خلال الخط القومي الذي ميز خطاباته خلال الأسابيع الأخيرة، على خلفية الأزمة في القدس. وجاء الغضب ايضا، بسبب رسالة التعزية التي بعث بها ديوانه الى عائلة المخرب الذي حاول اغتيال يهودا غليك، وتم قتله من قبل الوحدات الخاصة.

لكنه خلال الهجمات التي شنها نتنياهو ووزرائه هذا الاسبوع على ابو مازن، وتحميله المسؤولية عن العمليات في العاصمة، تم تناسي حقيقة ان السلطة لا تزال تبذل جهودا كبيرة لكبح اندلاع العنف في الضفة. على كل حال، لا فائدة من المقارنة بين المعايير المزدوجة التي ينتهجها عباس الآن، وبين سلوكيات الأب الروحي لهذا الأسلوب، عرفات.

عباس لم يكن أبدًا ارهابيا، كما ان الادعاء بأنه يعظ على الارهاب يصعب اثباته. لكن الرئيس الفلسطيني الحالي، يعرب في المقابل، وفي اكثر من مرة، عن دعمه لما يسميه “المقاومة الشعبية السلمية”. وهذا على طراز النشاط  في بلعين الذي رفعه الفلسطينيون بشكل ناجح على الحلبة الدولية. لكن الفارق المتعمد بين التعريفات المتعارف عليها في الجانبين – ما هي المقاومة الشعبية الشرعية؟ وما هو الارهاب؟ – يعتبر احد مراكز الخلاف في الصراع. الإسرائيليون يتشددون في التعريف والفلسطينيين يخففون.

بالنسبة للرأي العام الاسرائيلي يعتبر رشق الحجارة ارهابا، وبالنسبة لغالبية الفلسطينيين يعتبر اطلاق النار على الجنود في المناطق وسيلة مقاومة شرعية.

يمكن تقسيم تعامل الاسرائيليين مع عرفات الى ثلاث فترات رئيسية: منذ تأسيس فتح في الستينيات وحتى توقيع اتفاقيات اوسلو في 1993، فترة اوسلو حتى ايلول 2000، والسنوات الاربع بين اندلاع الانتفاضة الثانية ووفاته في نوفمبر 2004. خلال الفترة الأولى، سنوات اختطاف الطائرات وعملية الشاطئ وحرب لبنان الأولى، كان عرفات هو اكثر الاعداء كراهية. وبلغة مناحيم بيغن كان عرفات زعيما لتنظيم القتلة المسمى منظمة التحرير الفلسطينية، الرجل ذو الشعر على الوجه.

سنوات اوسلو مثلت للحظة الأمل بالمصالحة (وفي بدايتها تم عرض عرفات كمتواطئ لطيف في برنامج “حرتسوفيم” – برنامج تلفزيوني ساخر). لكن هذا التفاؤل تبخر داخل دخان عمليات الباصات واحداث نفق حائط المبكى، منذ منتصف التسعينيات وصاعدا. وخرجت الأمور عن التوازن نهائيا، بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد، وزيارة شارون الى الحرم القدسي، والهجمات الانتحارية.

يمكننا ان نتذكر من تلك النهاية العاصفة صورتان: عرفات الذي يقاوم دفعه غير الودي من قبل ايهود براك نحو الباب في مؤتمر السلام، وصورة الرئيس المحاصر بالدبابات داخل المقاطعة. هل كان عرفات يقصد فعلا التوصل الى السلام ام ان العملية كلها كانت مجرد خدعة بالنسبة له؟ المؤرخون والسياسيون سيواصلون مناقشة هذه المسألة طويلا. لكن الواضح هو ان الرئيس لم يتخلّ ابدا عن الارهاب كوسيلة لتحقيق أهدافه. لقد واصل الثرثرة عن الارهاب ومع حماس طوال سنوات اوسلو السبع، وبقوة اكبر بعد اندلاع الانتفاضة.

خلال تلك السنوات جرت مداولات عاصفة في اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية حول ما اذا كان عرفات قد أصدر أمرا شخصيا باستئناف العنف. ونسبت شعبة الاستخبارات العسكرية، وفق الخط الذي قاده رئيس شعبة الابحاث عاموس غلعاد، الى عرفات، اتخاذ  قرار مع سبق الاصرار باللجوء الى الارهاب منذ اللحظة التي تعرض فيها الى الضغط الامريكي والاسرائيلي في كامب ديفيد. اما موقف الشاباك، كما صاغه يوبال ديسكين، فرأى ان العنف اندلع “من مستوى المجاري في بلاطة”. وقد اتضح لاحقا ان عرفات ركب على ظهر هذا النمر وتكاثرت الأدلة على تدخله في العمليات، حتى وان كان ذلك بطرق غير مباشرة وملتوية. وفي حينه طلق الرئيس الامريكي جورج بوش، عرفات نهائيا، بعد نجاح إسرائيل بإحباط تهريب الأسلحة الى غزة (التي كانت لا تزال خاضعة لسيطرة السلطة)، على متن سفينة “كارين ايه” في يناير 2002.

في ذلك الشهر، اتخذت حركة فتح قرارين كارثيين، امام المواجهة مع اسرائيل والمنافسة مع حماس: العودة الى العمليات داخل الخط الأخضر، وارسال رجالها، ولأول مرة، لتنفيذ عمليات انتحارية. ومن هنا كانت الطريق قصيرة لعملية “السور الواقي” ومحاصرة المقاطعة وأفول عرفات.

بعد عامين ونصف من وفاته، كانت الانتفاضة في النزع الأخير. ويبدو ان الحصار الطويل لمكتبه ساهم في تدهور صحته. وبقيت وفاته بمثابة لغز.

في عام 2005، نشرت أنا وآفي يسسخاروف، التقرير الطبي حول وفاة عرفات، الذي اعده المستشفى الفرنسي الذي توفي فيه. الأطباء الإسرائيليون والأوروبيون الذين اطلعوا على النتائج رفعوا حواجبهم. فلقد ظهرت في التقرير فجوات كان من شأنها ان تدل على محاولة اخفاء حقائق وتمويه ظروف موته. وتم طرح تكهنات مختلفة، من بينها اصابته بتلوث خطير، اصابته بالايدز، بل وحتى تسميمه.

من جانبهم، وبمودتهم القومية لنظرية المؤامرة، تبنى الفلسطينيون التفسير الثالث واتهموا إسرائيل بقتل الرئيس. ومنذ ذلك الوقت يتم نشر ادعاءات جديدة بين الحين والآخر حول قضية وفاته. حقيقة ان السلطة، ورغم وعودها، لا تنشر النتائج المفصلة من جانبها، تدل على عدم امتلاكها لأدلة ضد إسرائيل. في إسرائيل يصعب الاحتفاظ بسر متفجر كهذا من ناحية سياسية. لو كان الأمر صحيحا لكان هنا من سيعترف بذلك.

بالنسبة للفلسطينيين لا يزال عرفات يعتبر رمزا. عباس يهتم بالتقاط الصور له امام صور عرفات. في الاسبوع المقبل ستستغل حركة فتح الذكرى العاشرة لوفاة عرفات لتنظيم اجتماعات شعبية كجزء من الصراع حول القدس. يمكن الافتراض بأن عرفات ما كان سيعارض ذلك.

هكذا خططنا لاغتيال موشيه ديان

في اطار ملف عرفات في “هآرتس” ينشر جاكي خوري لقاءين مع موسى جبارين من مدينة ام الفحم، ومنير منصور من مجد الكروم، يرويان فيه علاقاتهما بعرفات وتجندهما لصفوف الثورة الفلسطينية. ويكتب خوري انه في الأسبوع الأول من اكتوبر عام 1994، وكان ذلك بعد ثلاثة أشهر من وصول الزعيم الفلسطيني الى غزة، وصل جبارين من ام الفحم الى غزة، ووقف امام مكتب ياسر عرفات طالبا الدخول للقائه. ولكن الحارس لم يتعامل بجدية مع مطلبه وقال له ان الرئيس ليس موجودا. الا ان جبارين أصر: “أعرف أنه هنا، وسيارته متوقفة هنا. اتصل بمكتبه وقل له انني اريد لقائه”. وهدده الحارس: “سأعتقلك، اذهب من هنا”. فقال له جبارين: “اذا اعتقلتني ستواجه مشكلة”. وحسب اقوال جبارين، فقد تجاوب الحارس اخيرا واتصل بالمكتب، وفوجئ بالرد: “أدخله فورا”.

عندما وصل جبارين الى بوابة المكتب، خرج عرفات للقائه وتعانقا لدقائق طويلة، وسالت الدموع من عيونهما. لقد كان هذا اول لقاء بينهما بعد 26 سنة. ففي عامي 1967 و1968 التقيا في العمل السري، كل اسبوع تقريبا، كناشطين في محافظة جنين وام الفحم. كان عرفات في حينه قائدا للحركة الوطنية الفلسطينية، وجبارين، مثل غيره من عشرات الفلسطينيين المواطنين في اسرائيل، اراد الانضمام الى الكفاح الوطني بعد هزيمة 67، والخيبة الكبيرة من زعماء العالم العربي.

خلال اللقاء في غزة تبادلا الذكريات، خاصة عن تلك الأيام التي كانا يجلسان فيها في المغارات في منطقة ام الفحم وجنين، عندما حاول عرفات بكل الطرق احياء النضال الوطني الفلسطيني. بعد 50 سنة تقريبا، يروي جبارين لأول مرة، كيف خطط مع عرفات لاغتيال من كان يعتبر رمزا عسكريا اسرائيليا – موشيه ديان. وقال جبارين:

“التقيت عرفات لأول مرة في ايلول 1967، بعد ثلاثة أشهر من الحرب، وكان ذلك في منطقة جنين. كان الوضع صعبا، وكانت الفوضى تعم المنطقة. وكان الجيش الأردني كبقية الجيوش العربية مهزوما، وكانت الحدود بين الأردن والضفة مخترقة، وكان عرفات يجتازها ويأتي الى الضفة. وقام احد اقربائي بتعريفي عليه والربط بيننا. وساعد على ذلك اسم والدي الراحل الذي حارب اليهود في عام 1948، وكانا قناصا بارعا، ولقبوه بعزرائيل. وقد ورثت عنه هذا اللقب. كان ابو عمار يعتبر الفلسطينيين المتبقين في إسرائيل بمثابة رأس الحربة في النضال. وفكرنا دائما كيف يمكن تشكيل خلايا وتهريب السلاح.

كنا نلتقي في كل مكان ممكن – في الاحراش او في مغارة – واحيانا كانوا يستضيفوننا في البيوت. ودائما بحثنا عن منزل له اكثر من مخرج. لم نلقبه دائما ابو عمار، واحيانا كنا نلقبه ابو محمد. وغالبا ما كان ذلك يحدث عندما تتواجد وجوه جديدة في الغرفة كي لا يتعرفوا عليه فورا. كان ذكيا جدا، مخادعا، ويعرف اين يختبئ. كنا نلتقي في بيت في جنين، على بعد عشرات الأمتار من محطة الشرطة. مع مرور الوقت تولدت علاقات ثقة بيننا وعينني مسؤولا عن تخطيط العمليات في منطقتي.

ذات مرة وصل الى اطراف ام الفحم في ساعات الليل وقال لي: لا يمكنني احضار احد من الخارج كي يكون مسؤولا عن التخطيط، اريد أحدا من الداخل يعرف كل شيء”.

ويقول جبارين ان اكبر عملية خططها مع عرفات كانت اغتيال وزير الامن الاسرائيلي موشيه ديان. “كانت مهمتي تعقبه ومحاولة التعرف على خطواته وتحديد المكان الملائم لتنفيذ العملية”. وبعد 50 سنة يروي تفاصيل خطة اغتيال ديان في مطعم في شارع “همسجير” في تل ابيب. وحسب جبارين فقد طلب منه عرفات الانتقال للعمل بمهنته، خبازا، في تل ابيب، كي يستغل ساعات الليل خلال توزيع الخبز للتجوال في تل ابيب وتعقب ديان. “بعد فترة عثرت على ديان، كان يسافر بسيارة من نوع “ساب” وكان يتناول الطعام في مطعم “اكروبوليس” في شارع “همسجير”، واحيانا كان يجلس في شارع كارليباخ وكان يصل احيانا الى مطعم يوسف ناصر في حي العجمي في يافا.

كان المطعم في “همسجير” افضل مكان لتنفيذ خطة الاغتيال. ولكننا فهمنا اننا لن نتمكن من استخدام السلاح الأوتوماتيكي، فقد كانت معنا اسلحة رشاش من طراز “كارل غوستاف”. وفي تلك الأيام حصلنا على بنادق كلاشينكوف. ونصت الخطة على تزويد ثلاثة اشخاص بصواريخ “ار بي جي” وانتظار دخول ديان الى السيارة واطلاق الصواريخ معا وتفجيرها. وبعد تعقب دام عدة أشهر، انكشفت خطتنا، واشتبهنا بأن احد اعضاء الخلية سلمنا. وتبين لنا انه حكى لاحد اقربائه عن الخطة، فقام بتسليمنا، وكما يبدو حصل مقابل ذلك على وظيفة معلم او مدير مدرسة. كانت تلك تعتبر خيانة”.

في الثامن من اكتوبر 1968 اعتقل جبارين في تل ابيب، وتم التحقيق معه في سجن الجلمة، شرقي حيفا، لعدة أسابيع، واتهموه بتهريب الأسلحة والعضوية في تنظيم غير قانوني. وحوكم في محكمة عسكرية وفرض عليه السجن لأربع سنوات بتهمة التخطيط لاغتيال ديان. ويقول: “كانوا يعرفون ان هذه الخطة لكنهم لم يشاؤوا تسرب القصة كي لا يعرف الجميع بأن الفدائيين وصلوا الى تل ابيب وتعقبوا وزير امنهم”.

ويقول جبارين ان عرفات كان يتواجد في حينه في عمان، وعلم باعتقاله من خلال خبر بثه راديو فلسطين، فقام بتجنيد 41 الف دينار لتمويل الدفاع عن المعتقلين. وتم اخفاء المبلغ داخل وسادة، وحاول شخص نقلها عبر الحدود لكنه تم ضبطه ولم تصل الاموال الى عائلات المعتقلين. بعد اربع سنوات اطلق سراح جبارين من السجن. وفي ايلول 1970 اصطدمت التنظيمات الفلسطينية مع الجيش الاردني، في ما يسمى “ايلول الأسود”، وانتقلت القيادة الى سوريا ولبنان، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني. ويقول جبارين: بالنسبة لي لا يزال عرفات الزعيم وقائد الثورة الوطنية الفلسطينية ولن انساه ما حييت. العالم عرفه كثوري، إسرائيل وصفته  بالإرهابي، شعبه يعتبره قائدا كبيرا وحامل راية الثورة. بالنسبة لي هو اخ وصديق”.

بعد خروج فتح من الاردن الى لبنان تغيرت شروط اللعب بالنسبة للفلسطينيين، ايضا. ورسخ عرفات مكانته كقائد غير متنازع عليه للفلسطينيين، وزاد التواجد في لبنان من الرغبة في العمل داخل إسرائيل. وكان ضم فلسطينيين من اسرائيل الى النضال خطوة حيوية بالنسبة لعرفات ورجاله.

في عام 1971 انضم منير منصور من مجد الكروم وثلاثة من رفاقه الى الثورة الفلسطينية. ويقول منصور: “كنا في جيل 17-18 عاما، واعتبرنا ذلك هدفنا الأعلى”. وبعد اجتيازه ورفاقه للحدود تم ارسالهم الى معسكرات التدريب في سوريا، وكان بينهم ناهي كريم الذي اصبح لاحقا الطيار الشخصي لياسر عرفات. والتقى منصور ورفاقه بعرفات في اواخر 1971 في حي صبرا في بيروت، بمساعدة الشاعر محمود درويش. ويقول منصور” “كان عرفات يهتم بنا دائما، وكان يسأل عن كل شيء، خاصة عن الامور الشخصية، وما اذا كنا نملك المال وما نأكله ونشربه. منحنا شعورا بالأبوة والقيادة وانه يوجد من يمكن الاعتماد عليه”.

كانت مهمة منصور تهريب الأسلحة الى إسرائيل لتجمعها خلايا أخرى. ويقول انه عرض على عرفات في عام 1972 تصفية المتعاونين من العرب في إسرائيل، وعرض قائمة بأسمائهم، لكن عرفات رفض ذلك وقال: “لا اريد حربا بين الحمائل، فهذا سيفكك المجتمع من الداخل”.

في نوفمبر عام 1972 اعتقل منصور عندما حاول تهريب اسلحة عبر البحر. وكان معه نواف حمد من الناصرة. وقد اصطدما مع قوة عسكرية في منطقة الزيب، فقتل حمد واصيب منصور في ساقه وبطنه. وحكم عليه بالسجن المؤبد، لكنه تم اطلاق سراحه في اطار صفقة جبريل في عام 1985. ومنذ اطلاق سراحه ينشط من اجل الأسرى الأمنيين، خاصة المواطنين العرب من اسرائيل.

لا ينسى منصور اهتمام عرفات بالأسرى. ويقول: “التقيت به عدة مرات، وفي كل مرة كان يسال عن الأسرى وعائلاتهم. ومرة غضب عندما علم بأن المخصصات المعدة للأسرى لا تصل اليهم، وكان ذلك في عام 1966. وفور ذلك أمر بتشريع ذلك في كتاب القوانين الفلسطيني.

ويضيف منصور: “يمكن الاختلاف حول شخصية الرئيس، ولكنه بالنسبة للأسرى والمقاتلين وخاصة للأسرى من داخل الخط الأخضر، كان وسيبقى الأب والزعيم الذي اهتم بالجميع. اتذكر لقائي به في جنيف في عام 1988، وبعد ذلك في غزة ورام الله. كانت اللقاءات تجري دائما بشكل دافئ وودي. كثيرا ما كان يحكي عن خيبة أمله من الدول العربية وتذمر من اولئك الذين حاولوا الركوب على ظهر القضية الفلسطينية. لقد اعتبر الأسرى والمحاربين رجالا التحقوا بالثورة من اجل الهدف المقدس المسمى فلسطين وليس من اجل المناصب والمال”.

المرة الأخيرة التي التقى خلالها منصور بعرفات، كانت خلال الانتفاضة الثانية، خلال الحصار على المقاطعة. “وصلنا قرابة 50 شخصا لمساندته. وكان يشعر بأنه يقترب من النهاية. وحثنا على مواصلة النضال ولكن بشكل مختلف. قال ان وظيفة الفلسطينيين في إسرائيل هي النضال الشعبي والسياسي، وليس العمل العسكري. لقد فهم ابعاد هذا العمل على الفلسطينيين في إسرائيل”.

ضاع الأمل وتبخر وهم الاحتلال المؤقت

تكتب عميرة هس، في اطار ملف عرفات المنشور في “هآرتس” تقريرا حول ما تعتبره “المتغيرات في المجتمع الفلسطيني بعد رحيل ياسر عرفات، والذي تمزق الى وحدات محلية منفصلة، بحيث اصبحت الاحداث الدراماتيكية في بعضها (كالحرب في غزة والاعتقالات الجماعية في الخليل والصدام مع الشرطة الفلسطينية في جنين) لا تؤثر على البقية”.

وتقول ان المسافة في الوعي بين الوحدات الجغرافية اتسع اضعاف مسافته الحقيقية، وليس فقط حين يجري الحديث عن غزة والقدس اللتان فصلتهما سياسة الحصار والقيود التي تفرضها إسرائيل عن الضفة، او عن القرى الواقعة خلف جدار الفصل كبرطعة والنبي صموئيل ونعمان. فالواقع الموضوعي المشترك، الذي يشعر الفلسطينيون من خلاله بأن السلطة الاجنبية كآلية استعمارية تعمل من اجل طردهم وسلبهم لممتلكاتهم، اصبح مجزأ ومتفككا الى عناصر منفصلة، مع خبرات وتجارب مختلفة ظاهريا.

ان اختيار ذكرى وفاة ياسر عرفات لمناقشة المتغيرات التي يمر بها المجتمع الفلسطيني ينطوي على الافتراض بأن وجود او غياب الرئيس الراحل لمنظمة التحرير كان له تأثيره على بلورة تلك التقلبات. لا شك، انه في توجهه الى اوسلو، او في توقيعه على اتفاق التقدم المرحلي نحو الهدف الذي لم يتم تعريفه بشكل مفصل في الاتفاقيات مع دولة الاحتلال، كانت لعرفات يدا في خلق عملية الانقسام الجغرافي الذي أثر بشكل عميق على الانقسام الداخلي – الاجتماعي (التقسيم المؤقت لمناطق B ,A  و C الذي اصبح ثابتا).

ولكن، ودفاعا عن عرفات، يجب القول ان إسرائيل بدأت بتقسيم المجتمع الفلسطيني في المناطق التي احتلتها عام 1967، قبل مؤتمر مدريد ومحادثات اوسلو.  فآلية تصاريح الحركة التي خلقتها إسرائيل فصلت غزة عن بقية المجتمع الفلسطيني في كانون الثاني 1991، وشرقي القدس ابتداء من اذار 1993. ومنذ ذلك الوقت مرت العاصمة الفلسطينية السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية والثقافية، بعملية ذبول وتراجع وعادت الى منطقة التأثير المفرق وغير القومي للعائلات الكبيرة.

عالم الاجتماع جميل هلال يؤمن بأنه لولا عرفات، لما كان الانفصال السياسي بين غزة والضفة سيحدث، ولما قامت حكومتان فلسطينيتان متناحرتان. واذا كان الأمر كذلك فهذا هو المجال الذي ترك فيه غياب عرفات تأثيرا مباشرا على التطورات السلبية البعيدة المدى داخل المجتمع الفلسطيني.

في حديث مع “هآرتس” قال هلال انه من المحتمل جدا ان عرفات ما كان سيوافق على اجراء الانتخابات الثانية في 2006، لأنه قدر بأنها تمنح الشرعية للاحتلال المتواصل (الذي كان يفترض حسب اتفاقيات اوسلو انتهائه في عام 1999). وبدون الانتخابات ما كان سيحدث التمزق السياسي – الاجتماعي العميق جدا في المجتمع الفلسطيني. ولو جرت الانتخابات، فان حركة فتح كانت ستفوز، حسب تقدير هلال، لأن عرفات كان سينجح بالتغلب على الخلافات والانقسامات الداخلية.

استكمالا للتقسيم إلى وحدات جغرافية منفصلة، تحدث في المجتمع الفلسطيني عملية تفتت أو تفريد، على حد تعبير هلال. في مقال نشره على موقع “الشبكة” في ايار، كتب هلال ان “انتشار النزعة الفردية يعني أن المزيد والمزيد من الفلسطينيين يبررون تقديم المسائل الشخصية على المصالح الجماعية والجمعية، والشواغل المجتمعية.”  و”في ظل النظام النيوليبرالي، أُوكل إلى القطاع الخاص الدورُ الحاسم في تشكيل الاقتصاد الفلسطيني، وترسَّخ اعتماد السلطة الفلسطينية على المساعدات الخارجية والضرائب المحوَّلة من إسرائيل (المقاصة). وبسبب هذا الاعتماد، باتت السلطةُ الفلسطينية عرضةً للضغوط السياسية، وصار الموظفون في قطاعها العام المتضخم يحسبون ألف حساب لأي تغيير يمكن أن يهدد مصدر رزقهم”.

ويحدد هلال ان تبني التفكير النيوليبرالي ليس مفاجئا “فالسلطة الفلسطينية اقيمت في خضم عهد النيوليبرالية العالمية، وحظيت منذ تأسيسها بالدعم من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول المانحة والتنظيمات غير الحكومية التي تعتمد هي أيضا على الدعم الخارجي. ويضيف هلال: “هناك عامل آخر يرتبط بتعزيز النزعة الفردية ويتمثل في تراجع نفوذ المنظمات والأحزاب السياسية ومصداقيتها، وتعاظم بيروقراطية مؤسسات السلطة الفلسطينية وأجهزتها الرسمية التي توهمت أن من شأن ذلك أن يقود خلال فترة قصيرة إلى قيام دولةٍ فلسطينية مستقلة. وقد حلَّت مؤسسات الدولة المزيفة بهياكلها الهرمية الصارمة ومسمياته التراتبية محلَّ ثقافةِ “الإخوة والرفاق” السياسيةِ التي تنادي بالمساواة”.

لقد اتسعت الفجوات الاقتصادية بين المناطق الجغرافية، المدن والقرى ومخيمات اللاجئين والأسر الكبيرة خلال العقدين الأخيرين. ويقول هلال لصحيفة “هآرتس”: “قبل اوسلو عندما كان عدد العمال الذين يعملون في إسرائيل كبيرا، وكانت الحركة باتجاه اسرائيل حرة، كانت رواتب العمال اكبر من رواتب الطبقة الوسطى. وفي السنوات الأخيرة اتسعت الطبقة الوسطة المرتبطة بالسلطة واجهزتها الأمنية والقطاع الخاص الذي يعمل حسب معايير الربح. والمصلحة البارزة لهذه الطبقة، خلافا للعمال والمزارعين غير المنظمين كما يجب حاليا، هي عدم خرق الوضع الراهن.

وتصف عالمة الاجتماع هندية غانم، مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية التقسيم الرأسي الفلسطيني، حسب الشكل التالي: “هناك نخبة صغيرة أقامت مدينة الروابي، اولئك الذين اغتنوا جراء عملية أوسلو. وهناك الطبقة الوسطى في رام الله، التي تعيش في فقاعة وتتوهم أن وضعها أفضل لأنها تعيش على القروض المصرفية، وهناك معظم الشعب الذي لا يعيش في فقاعة ويعاني  في الوضع القائم. الطبقة الوسطى تركض وراء أمنها الشخصي والقرض لشراء سيارة – في تل أبيب ونيويورك لا توجد سيارات كتلك التي نراها هنا في رام الله. هذه هي طبقة وسطى في ظل الاحتلال، تعيش من الجمعيات والأوساط الأكاديمية والمدارس والمكاتب الحكومية.

هذه الطبقة كانت سابقا طليعة العمل الوطني والمقاومة والمشروع الوطني، أما الآن فهي مشغولة بتسديد الديون. ومن يعمل في الجمعيات يشغله هاجس إرضاء المانحين”. واقع الوحدات المنفصلة، الذي نشأ منذ بداية أوسلو، يذكر بتجربة منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن ولبنان: هناك أيضا عملت داخل مجتمع فلسطيني متناثر، بدون مجال وتواصل إقليمي، ولكن التجربة المشتركة كشعب لاجئ والنضال تغلب على غياب التواصل. لذلك، ربما، لم يصب عرفات بالذعر جراء فرض التقسيم الجغرافي للمناطق A و B و C في عام 1995. لقد اعتبر ذلك مؤقتا لن يستمر لأكثر من خمس سنوات، حتى عام 1999.

وتقول غانم لصحيفة “هآرتس” ان “عرفات وغيره الكثير من الجمهور الفلسطيني اشتروا الفترة المؤقتة التي باعتها لهم إسرائيل، ولكن تحت مظلة المؤقت أنشأت إسرائيل أكبر المستوطنات. لقد آمن عرفات، كما لو كان بن غوريون، بقدرته على بالمناورة مع المتوفر في سبيل الوصول الى الهدف المحدد: اقامة دولة في الضفة والقطاع”. وتضيف غانم: “لقد كان عرفات يرمز الى الأمل بالنسبة للفلسطينيين، والى وجود خيارات مختلفة، وبدائل – إذا فشلت وسيلة معينة”.

“عندما تحدثوا عن السلام في فترة عرفات وضع الناس ثقتهم في قدرته على تحقيق اختراق، لقد آمنوا بأن المقصود ليس وضعا ثابتا.” لكنه في غيابه، فقد المجتمع الفلسطيني الأمل والأفق. هذ المجتمع يعرف جيدا التناقض الداخلي الذي يعيش فيه، ويعتبر ذلك سمة مميزة له: من جهة، حسب صيغة هلال، هناك كل الشروط الموضوعية، الموحدة، التي يوفرها الاحتلال الاسرائيلي كي تندلع انتفاضة ثالثة. ومن ناحية أخرى، فإن واقع أوسلو (الذي يعتبر جزء من هذه الظروف الموضوعية) خلق الظروف غير الموضوعية للترتيب الاجتماعي والفوارق الاقتصادية والأجهزة الأمنية التي تفرض الانضباط والتي تخضع لرغبة الدول المانحة. وكل هذا يمنع أو يؤجل الانتفاضة القادمة.

الاستخبارات حذرت نتنياهو: استفزاز اليمين في الحرم سيؤدي الى الغليان

كتب المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، ان رئيس الحكومة ورئيس الدولة اجريا، امس، سلسلة من المحادثات الهاتفية مع وزراء ونواب اليمين في الائتلاف الحكومي، من بينهم ميري ريغف والوزير اوري اريئيل، وطلبوا منهم تخفيف تصريحاتهم بشأن الحرم القدسي. وجاءت محادثات التهدئة في ضوء الأزمة الخطيرة مع الأردن والسلطة الفلسطينية على خلفية الوضع في الحرم القدسي وعملية الدهس في القدس. لكن تدخل نتنياهو هذا يأتي متأخرا جدا. فالفهم بأن التوتر في الحرم سيؤدي الى عنف واسع كان معروفا منذ اكثر من سنة.

وقال مصدر شارك في المنتديات الحساسة التي ناقشت الموضوع خلال السنوات الأخيرة، انه تم تحذير رئيس الحكومة والوزراء وقادة الجهاز الأمني، المرة تلو الأخرى، خطيا وشفهيا، من قبل رجال الاستخبارات، بشأن تطور خطر في الحرم القدسي، جراء التدخل الاستفزازي لوزراء ونواب اليمين، الى جانب النبش من قبل جهات فلسينينة، السلطة وحماس والحركة الإسلامية في إسرائيل.

وفي هذا المجال اظهرت حكومة نتنياهو ضعفا سلطويا مطلقا. فالخط الحذر والمسؤول الذي انتهجته خلال الحرب الأخيرة في غزة، لم يكن له شبيها في القدس. ومنذ اقامة الائتلاف الحالي، قبل اكثر من سنة ونصف، تتزايد بشكل متواصل زيارات اعضائه الى الحرم. ولا يتوقف الأمر على النواب فقط. عندما يتنافس الوزير اوري اريئيل ونائبة الوزير تسيبي حوطوبيلي، ونائب رئيس الكنيست موشيه فايغلين، ورئيسة لجنة الداخلية ميري ريغف، في تصريحاتهم التي تغمز النواة الصلبة من النشطاء، يكتشف الفلسطينيون (بشكل غير مبرر) مؤامرة حكومية هدفها تغيير الوضع الراهن بشأن صلاة اليهود في الحرم. وادت ادعاءاتهم الى تحفيز تحرك الامريكيين والاوروبيين الذين يرسلون الدبلوماسيين، كثيرا، الى القدس الشرقية لفحص ما اذا كانت تقوم إسرائيل بإجراء تغييرات سرية في الحرم. كما ان الشرطة، وفي ظل ما يمارس عليها من ضغط سياسي، وفي غياب عمل حكومي، قامت بتخفيف بعض القيود المفروضة على دخول اليهود الى الحرم، وساهمت، بشكل غير مباشر، في تأجيج الأجواء.

حسب مصدر أمني رفيع فان السياسيين لا يلعبون بالنار هنا بعدة أعواد ثقاب، وانما بقاذفة لهيب. هذا الأسبوع، وعلى خلفية حث من قبل الأردن والمجتمع الدولي، عاد نتنياهو واعلن ان اسرائيل لن تمس بالوضع الراهن. ولكن بعد يومين توجهت حوطوبيلي الى الحرم ودعت الى تغيير الوضع الراهن. وبالنسبة للأردنيين والفلسطينيين فان نائبة الوزير تتحدث باسم الحكومة، ولن تنفع التوضيحات الاسرائيلية، ناهيك عن ان نتنياهو عاد وطرح موضوع القدس في مقدمة خطاباته، وهو دليل آخر على اقتراب المعركة الانتخابية، وعلى ان نتنياهو، سيعتمد في حملته، كما في عام 1996، على الادعاء بأنه وحده سيمنع تقسيم القدس.

ان الحرم القدسي، بكل الحساسية الدينية القوية التي يثيرها، هو الموضوع الوحيد الذي يمكنه اشعال الغليان وتوحيد الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية في المعركة ضد إسرائيل. وحسب تقرير نشر في “هآرتس”، (الخميس) فان الشرطة لا تستطيع التغلب على التصعيد بالقوة فقط. زج آلاف افراد الشرطة في المدينة سينجح بإحباط جزئي للمواجهات ومحاولات تنفيذ العمليات، لكن اعادة الهدوء لفترة طويلة يتطلب خطوة سياسية. والخطوة المكملة تتواجد في المجال الاقتصادي، ايضا.

في ضائقة الاحياء الفلسطينية، خاصة كلما ابتعدنا عن غرب المدينة، يتطلب اجراء علاج اساسي من قبل الحكومة والبلدية. ولكنه يبدو حاليا ان الوزراء يفضلون الدخول في صدام مع رئيس السلطة ابو مازن. ترتبط ردود الفعل الحماسية الصادرة عن السلطة بالمشاعر القوية داخل الجمهور الفلسطيني، ولكن، ايضا، بصراع القوى امام حماس والأردن.

اعلان عمان عن اعادة سفيرها من تل ابيب للمشاورات، تم رغم المساعدات الاستخبارية والأمنية الواسعة التي تقدمها لها اسرائيل، حسب وسائل الاعلام الاجنبية، على خلفية تخوف القصر الملكي من ابعاد الحرب في سوريا والعراق. لقد اكثر نتنياهو من المفاخرة خلال الأشهر الأخيرة، بالتنسيق الاستراتيجي المتحسن بين إسرائيل والدول السنية المعتدلة – مصر، الأردن، وحتى التفاهمات السرية مع السعودية وبعض دول الخليج. لكن استمرار العنف في القدس ينطوي ليس فقط على مخاطر اندلاع انتفاضة ثالثة، وانما يمكنه تقويض التحالف الاستراتيجي الذي بنته إسرائيل بجهد كبير في ظل الاضطرابات في العالم العربي.

لا يصعب تصور ما يجده المخربون في القدس الشرقية، في القطار الخفيف الذي تعرضت محطاته الى العمليات القاتلة مرتين خلال اسبوعين. فالقطار يشكل نوعا من الرمز الحالي للتوحيد المفروض على المدينة، مشروع مواصلات طموح استثمرت فيه اسرائيل ملايين الشواقل. عندما بدأ القطار بالعمل، بشر بفترة يقظة في القدس وبعودة السياح والزوار الاسرائيليين الى المدينة، بعد الانتفاضة الثانية، وبعد سنوات من الاهمال، خلال فترتي ايهود اولمرت واوري لوبيانسكي في البلدية.

لكن القطار الخفيف يعتبر هدفا مريحا وفي متناول اليد. ابناء عائلة ابراهيم العقاري، الذي قتل، يوم الاربعاء، ضابط حرس الحدود، قالوا انه خرج من بيته مضطربا بعد مشاهدته للبث التلفزيوني حول التوتر في الحرم القدسي. وشاهد العقاري مجموعة من جنود حرس الحدود ينتظرون بالقرب من محطة النقل، فهجم عليهم بسيارته. لقد تحول مسار القطار الخفيف الى مصيدة للموت. وكما يشاهد جيدا من خلال كاميرات الحراسة التي وثقت لعملية الدهس، فهذا مسار ضيق، خال تماما، لا مهرب منه تقريبا في اللحظة التي يقرر فيها السائق السفر بسرعة عالية عليه. غالبية الذين وقفوا على جانب المسار عندما وصل العقاري بسيارته تعرضوا للإصابة.

إسرائيل، ايضاً، مع الفارق، تصعد على مسار قاتل في قضية القدس. خلال الأسابيع الأخيرة تمت الإشارة الى مسائل كثيرة تساهم في التوتر في المدينة – الفقر ونقص الخدمات البلدية في الأحياء العربية، وتحريض الحركات الفلسطينية والجهود الاستيطانية الواسعة لجمعيه “العاد” واشكالها في القدس الشرقية، ولكن لا شك ان المفجر الأساسي للعنف الحالي يتواجد في الحرم القدسي.

الله قال

يكتب ناحوم برنياع في “يديعوت احرونوت” عن أحداث القدس، مذكرا بلقاء كان قد اجراه برفقة زميله شمعون شيفر في ليلة السابع والعشرين من ايلول عام 2000، مع رئيس الحكومة آنذاك ايهود براك، ويقول:  إثر انتهاء اللقاء، بعد منتصف الليل، سألت براك إن كان سيذهب للنوم، فأجاب انه لا يستطيع النوم، لأن شارون قرر زيارة الحرم القدسي صباح اليوم التالي، وعليه الاتصال بالقائد العام للشرطة للتأكد من ان الامور تجري على ما يرام وأنه تم تنسيق الموضوع.

سألته لماذا يريد شارون دخول الحرم، فقال براك: “هذه مسألة داخلية في الليكود. شارون يحتاج الى ذلك كي يضرب نتنياهو”. “ولماذا تسمحون له؟” سألته، فقال: “أننا إذا منعناه، سيتوجه الى المحكمة العليا. لا يمكننا منعه”.

في صباح اليوم التالي دخل شارون إلى باحة المساجد، محاطاً بعدد من  نشطاء الليكود وعشرات أفراد الشرطة. ومرت الزيارة بسلام بناء على التفاهمات التي تم التوصل إليها من خلال اتصالات سرية. ولكن سبعة فلسطينيين قتلوا خلال المظاهرات التي اندلعت في اليوم التالي في القدس، وامتدت النار الى داخل اسرائيل والضفة، وهكذا بدأت الانتفاضة الثانية. لقد تركز اللقاء مع براك آنذاك، على المشاكل السياسية التي هددت حكومته، ولم يتم التطرق الى الحرم القدسي بتاتا، لا في الأسئلة ولا في الأجوبة. وتراكمت الغيوم في الأفق، سوداء وخطيرة، لكننا لم نشعر باقتراب العاصفة، لا نحن ولا براك ولا شارون.

اذا كانت تلك الحكاية تنطوي على درس موضعي، فانه يتعلق بصعوبة فهم صناع القرار لمكانة الله في حياة رعاياهم. فالله هو منافس قوي، منافس خطير. عندما قرر يتسحاق رابين تسليم بيت لحم للفلسطينيين، شمل في المنطقة التي سيتم تسليمها لهم قبر راحيل. فقد قرأ رابين الخرائط التي عرضت امامه وليس مشاعر النساء والرجال الذين يؤمنون بفضائل أمنا راحيل. وهدد الاحتجاج الشعبي بضرب الدعم للاتفاق، لكن عرفات الذي قدر أكثر من رابين قوة الدين، تنازل عن القبر.

نتنياهو يعرف مدى كون الحرم القدسي مسألة متفجرة. في بداية ولايته الأولى كرئيس للحكومة، وافق على شق فتحة في نفق حائط المبكى، فرد الفلسطينيون باضطرابات كلفت حياة قرابة 100 فلسطيني و17 إسرائيليا، وفرضت ظلا ثقيلا على استمرارية توليه لمنصبه. ومنذ قضية النفق يقدس نتنياهو الوضع الراهن في الحرم. ولكن عندما قام اعضاء كتلة الليكود، موشيه فايغلين وميري ريغف، والوزير اوري اريئيل، بتنظيم زيارات تظاهرية الى الحرم ودفعوا باتجاه سن قانون يغير الوضع الراهن في الحرم، تركهم نتنياهو يفعلون ما يشاؤون.

في الرسائل النصية الطويلة التي يبثها ديوان نتنياهو عدة مرات في النهار، يتم بشكل جارف استخدام الأفعال. نتنياهو “أمر”، “حدد” أو “قرر”. نتنياهو يعتبر ممتازا في بث الرسائل النصية، لكنه يصل الى العمل فقط عندما يشعر بالسكين على رقبته. انه يتخوف، بشكل مبرر تقريبا، انه اذا اصدر امراً الى مجانين النار في كتلة الليكود، فانهم سيستهترون به. هكذا هم وهكذا هو. لقد صدت الشرطة موشيه فايغلين عدة مرات وهو في طريقه الى الحرم. وكان القائد العام للشرطة يتوجه الى المستشار القضائي للحكومة فاينشتاين، ويحصل على الدعم. لكن فايغلين كان يتوجه الى المحكمة العليا، فتخضع الشرطة. وصدت الشرطة ميري ريغف، فهاجمت القائد العام للشرطة وقالت له: من أنت حتى تمنعني؟ فاضطر الى التنازل.

المقصود هنا ظاهرة اكثر جدية من تخبط سياسيين يتعطشون الى العناوين. لقد انقلب في السنوات الأخيرة تعامل القطاع الديني الصهيوني مع مسألة دخول الحرم، وقامت مجموعات سمحت لنفسها بخرق المنع الديني لدخول الحرم. وتم العثور على حاخامات شرعت هذه الخطوة. وما بدأ كمغامرة رومانسية، نصف سرية، لأفراد، كما في حكاية الصخرة الحمراء (في بترا) خلال السنوات الأولى لقيام الدولة، تحول الى موضة، والى أمر يعم هذا القطاع. وكان الهدف سياسي: انتزاع السيطرة على الحرم من أيدي الوقف الاسلامي، وتهويده في خاتمة المطاف.

انهم يملكون الحق من ناحية قانونية، فالدولة التي تسمح بحرية العبادة لا يمكنها منع اليهود من الصلاة حسب تقاليدهم في مكان يعتبر هيكلهم، وانشاء كنيس فيه، واظهار وجودهم. لو كانت الدولة قد فرضت ترتيبا كهذا بعد احتلال الحرم في 1967، لربما كانت قد نجحت بتقسيم السيطرة على الحرم. ولكن المبادئ التي حددها موشيه ديان آنذاك، تم تقديسها، وكل محاولة لتغييرها تولد الحرب. ويفترض بالمستوطنين ان يكونوا اول من يفهم كيف يعمل الأمر. انهم يقدسون كل حقيقة على الأرض، حتى الحقيقة التي تحددها بؤرة استيطانية غير قانونية تمت اقامتها قبل ساعة.

الخط الأمامي

يواصل برنياع الحديث عن الاوضاع في القدس والصراع اليومي بين قوات الشرطة والمسلمين، وعدم تصديق المسلمين والعرب لتصريحات نتنياهو المتكررة بشأن عدم رغبته بتغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي. ويصل الى عملية الدهس التي وقعت في القدس يوم الاربعاء الماضي، ويكتب:

“كل افراد الشرطة الذين كانت لهم علاقة بالحادث هم من شرطة حرس الحدود، وكلهم دروز، بما في ذلك القتيل، الضابط جدعان اسعد من بيت جن، وحتى (ح) الذي اطلق النار على المخرب وقتله، وكذلك الجرحى. الدروز يقفون في الصف الأمامي في المعركة على القدس. انهم يتلقون عنف الفلسطينيين وشتائم حنين الزعبي، وخدع وازعاج نشطاء اليمين اليهود، ومجانين الحرم القدسي وشتائمهم وصفاقتهم وجموح اعضاء الكنيست. وعلى هذه الخلفية كان من المناسب ان يصغي رئيس الحكومة الى ما قاله عضو الكنيست السابق، اسعد الاسعد، قريب الضابط القتيل، والذي طالبه بوقف الاستفزاز السياسي من قبل اليمين.

على الكفة ليست مطروحة حياة البشر فقط وانما العلاقات الخارجية لإسرائيل، أيضا، وفي مقدمتها مستقبل السلام مع الأردن. نتنياهو يسعى الى استغلال العملية في القدس كي ينتصر في الحرب الاعلامية امام ابو مازن. من المؤسف أنه لا يفكر بشكل معاكس: التحدث الى ابو مازن كي ينتصر في المعركة على القدس.

دهس السلام

تكتب سيما كدمون في “يديعوت احرونوت” ان الكاميرات التي وثقت لعملية الدهس، يوم الاربعاء، في القدس، ولعملية الدهس التي سبقتها في المدينة ذاتها، لا تترك أي مجال للشك: اذا كان ذلك يبدو كانتفاضة، ويتصرف كانتفاضة، ويطلق اصوات الانتفاضة، فهذه انتفاضة.

ولكن هناك من يشاهدون ذلك ويسمعون الأصوات ومع ذلك يرفضون تسميتها باسمها. هذه ليس مسألة غير مبررة، لأنه إذا نظرنا الى الانتفاضة الثانية، او ما يسميها الفلسطينيون “انتفاضة الاقصى” والتي شاركت فيها السلطة الفلسطينية واجهزتها الأمنية وشخصيات رسمية في السلطة، بشكل فاعل، في التمويل وتنفيذ العمليات، فاننا لم نصل الى ذلك بعد.

ما يحدث في القدس الآن لا يشبه من حيث حجمه وخطورته ما شهدناه هنا في مطلع سنوات الألفين، مع عمليات الارهاب القاتلة، رغم أن ذلك بدأ بعمليات احتجاج شعبية. واذا كانت الانتفاضة هي فترة اندلاع العنف، والتمرد المدني غير المنظم، فقد وصلنا الى ذلك بالتأكيد. واذا كان هناك من يدعون أن الأمر ليس كذلك، لأنه لا يجري الحديث عن عمليات انتحارية، فمن المناسب ان يشرحوا للجمهور ما الذي تعنيه عملية انتحارية. لأنه عندما خرج المخرب، يوم الاربعاء، في الصباح لتنفيذ عملية الدهس، كان يعرف جيدا ان هذا هو يومه الأخير، وانه لن يرجع في المساء الى البيت. اذا كان هناك من يريد تسمية ذلك “عملية تضحية”، كما يفعل البعض، “صحتين” فليسموها كما يشاؤون.

ربما يكون هذا هو التعريف للانتفاضة الثالثة: انتفاضة التضحية. قبل اسبوع وخلال النقاش في لجنة الداخلية البرلمانية، قال المفتش العام للشرطة، يوحنان دنينو انه لا توجد انتفاضة في القدس. وانه يتم تخويف الجمهور عبثا. هذا هو المكان كي نقول لدنينو انه اذا كان هناك ما يخيف الجمهور فهو مثل هذه التصريحات التي تولد الانطباع، ربما المضلل، بأن الشرطة لا تفهم ما يحدث تحت أنفها. توجد انتفاضة وهي ليست هادئة، كما وصفوها في بدايتها. انها هادئة ككتلة الجليد التي تتساقط من قمة الجبل.

الصور التي نشاهدها كل مساء من القدس لا تبدو كعنف محلي في طريقه الى الهدوء، كما ادعى مسؤولون كبار هذا الأسبوع. لكنه يتحتم القول ان الشرطة تتواجد في وضع غير محتمل حاليا. انها تدفع كامل الثمن، بينما تصل لحل طرف المشكلة فقط. هل تتحمل الشرطة المسؤولية عن الارهاب في القدس، او ان ذلك يشكل جزء من السلوك غير الحكيم، ان لم نقل الفاسق، لعدد من المنتخبين.

ليس سرا ان مجرد ذكر اسم الحرم القدسي يثير جنون العرب. وهذه حقيقة. ورغم ذلك عندما يكون الوضع في القدس متفجرا الى هذا الحد، يقوم كل صباح أشخاص مثل اوري اريئيل وموشيه فايغلين وميري ريغف وشولي معلم واييلت شكيد، ومن الجانب الثاني حنين الزعبي ويخدشون هذا الجرح المرة تلو الأخرى فانهم يهتمون بعدم شفائه. هذه مجموعة من المستفزين، ومشعلي الحرائق الذين يصرون على خرق الوضع الراهن والهدوء ويبذلون كل ما يمكن لمنع الهدوء. لو كانت الحكومة قد انتهجت عدم التسامح بتاتا مع هؤلاء المستفزين في الحرم، او ازاء ممتلكي البيوت في الأحياء العربية في القدس الشرقية، لربما ما كنا سنتساءل عما اذا كان ما يحدث هو انتفاضة ثالثة.

مساء يوم الاربعاء سألت وزير الأمن الداخلي يتسحاق اهرونوفيتش عما اذا كنا في الانتفاضة الثالثة، فقال: سئلت عن ذلك اكثر من مرة، وأنا اقول بحذر: عشت الانتفاضتين السابقتين. الى ما قبل اسبوع وقعت عشرات حوادث رشق الحجارة والمفرقعات. ولكن في اليوم الأخير، حتى عملية الدهس، وقعت ثماني حوادث فقط، من بينها رشق مفرقعات وزجاجات حارقة وحجارة. اذا انخفض عدد الحوادث الى رقم منفرد فنحن بخير. السؤال هو كم من هذه الأحداث تم توجيهها الى قواتنا وكم تم توجيهه الى المدنيين، ويسرني ان 80% منها تم توجيهه الى القوات وليس الى المدنيين.

يشعر اهرونوفيتش بالغضب. يوم الثلاثاء اجتمع بالنواب الذين يصرون على دخول الحرم وشرح لهم بأنهم يؤججون النار. وطلب من نتنياهو التحدث اليهم. ويقول اهرونوفيتش انهم لا يسألونه، وليس متأكدا مما اذا كانوا يسمعون صوته. ويعرب الوزير عن غضبه على النواب والوزراء الذين يهاجمون الشرطة، ايضا، ويتهمونها بعدم العمل. ويرى ان للسلطة الفلسطينية دورها في التحريض، لكنه يعتبر انه سيتم الحفاظ على الحرم في نهاية الأمر، وسيبقى الوضع الراهن كما هو، وسنتغلب في نهاية الأمر. الا انه لا يمكنه الوعد بأنه لن يتكرر رشق الحجارة او المفرقعات.

ما الذي حدث له.

وتواصل كدمون فتكتب: من المناسب ان نسأل أنفسنا ما الذي حصل خلال النصف سنة الأخيرة للرجل الذي تتهمه الحكومة (الاسرائيلية) بكل اعمال الشر التي تحدث هنا. ما الذي جعل ابو مازن، يبعث برسالة تعزية الى والد المخرب الذي حاول اغتيال يهودا غليك، وهو الذي قام وقبل ثلاثة أشهر فقط، بعد اختطاف الفتية الثلاثة، بإلقاء خطاب امام وزراء خارجية الجامعة العربية في السعودية، وشجب على الملأ الجريمة البشعة، وقال انه يصر على مواصلة التنسيق الأمني مع إسرائيل ووعد بأن تبذل السلطة الفلسطينية كل جهد للعثور على الفتية واعادتهم.

ما الذي حدث للشخص الذي اعتبرناه خلال حرب غزة الحل وليس المشكلة، والذي اعتبره الناس الجهة المهدئة، والذي سيحرس المعابر ويهتم بالأمن، فيتهمونه اليوم بإشعال المنطقة ويعتبرونه المسؤول عن العنف الحالي. “سائق سيارة الموت في القدس” حسب قول بينت.

بكلمات اخرى، ربما من المناسب ان نسال أنفسنا هل يتحمل ابو مازن لوحده مسؤولية ما يحدث هنا. لقد اعتبره الجمهور طوال سنوات اكبر متعاون مع إسرائيل، مقاول الأمن عندها، الشخص الذي حقق الهدوء في الضفة. ما الذي حدث له وهل لا تتحمل اسرائيل أي جزء من المسؤولية عن العنف المندلع هنا؟ ربما يكون الرئيس الفلسطيني قد فقد الأمل، ايضا. ربما يعتقد انه كل ما فعله او سيفعله، لن يحقق أي حل، وانه يسأل نفسه: ما الذي جنيته من كل ذلك. اوقفت العنف، وحافظنا على الهدوء طوال سنوات، وذهبت الى المفاوضات، ولا يوجد أي أمل، لا في المفاوضات ولا في المبادرات السياسية.

يوم الثلاثاء استيقظ نتنياهو مع مشاعر من الرضا: فقد هزم الحزب الجمهوري الديموقراطيين في الكونغرس. ولو كان نتنياهو يستطيع لكان قد نزل الى الملعب وصفر لأوباما. لكن نتنياهو يعرف ان بيت المشرعين ومجلس الشيوخ يؤديان دورا صغيرا جدا في سياسة الخارجية الامريكية. ولكي يفرض الفيتو في مجلس الأمن او لا يفرضه لا يحتاج اوباما الى الكونغرس. خلال العامين ونصف العام المتبقية له في البيت الأبيض، سيكون الرئيس شخصا حرا، وكما نعرف مما يحدث لدينا، فانه كلما كان التعلق بالجهاز السياسي صغيرا، كلما عاد الناس الى انفسهم وتصرفوا حسب مفهومهم الداخلي.

ما يقوله ذلك بالنسبة للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني لا يزال من المبكر تحديده. هل سيقرر اوباما استغلال كل الفترة المتبقية له كي يمارس كل جهوده من اجل التوصل الى حل والضغط على الجانبين ام ان هدفه الأعلى سيكون تحقيق اتفاق مع ايران. هل سيلقي بكامل قوته او ما تبقى منها، ام انه، ايضا، مثلنا، ومثل الفلسطينيين شعر بالتعب، وفقد الأمل.

دماء لكل وقت

يكتب يغئال سيرينا في “يديعوت احرونوت” عن الحقائق التي يكشفها البروفيسور اليهودي، من اصل عراقي، ابي شلايم، في كتابه “مؤامرة وراء نهر الاردن”، وما كشفه شلايم من حقائق تتعلق بموقف وزير الخارجية البريطاني الأسبق ارنست بيفن، الذي اتهمه الصهاينة بمعاداة اللاسامية ودفع باتجاه تسليح العرب كي يضعوا حدا لإسرائيل في عام 48. ولكن شلايم يقول “ان الجميع يعرفون اليوم، مما تم كشفه من وثائق الأرشيف ان تلك التهم كانت هراء. فبيفن كان واقعيا، آمن بتوجه الليكود الحالي: تقسيم البلاد بين الأردن وإسرائيل، كي لا تقوم دولة فلسطينية. لأن الانجليز تخوفوا من دولة للمفتي المؤيد لألمانيا”.

ويكشف شلايم في كتابه عن جوهر العلاقات بين الصهاينة والملك البدوي (عبدالله) منذ العشرينيات، الحليف السري الذي تلقى مبلغ 5000 ليرة استرليني من الوكالة اليهودية سنويا. وحسب شلايم فقد بدأت منذ عام 1945، محادثات تمحورت في جوهرها حول مصير فلسطين، على اساس الرغبة المشتركة بتقسيم البلاد والسيطرة عليها على حساب الفلسطينيين.

في نوفمبر، قبل 67 سنة، اتفق الأمير وغولدا مئير على تفاصيل الاتفاق الذي تحدث عن التقسيم بدون حرب، بين الأمير عبدالله والصهاينة. واخذ الأمير على عاتقه ادارة الحرب امام الفلسطينيين، وتم الاتفاق على توقيع السلام بعد هدوء غبار المعركة.

ويضيف شلايم: عندما اجتاحت الجيوش العربية البلاد في عام 48 اضطر الأمير الى الانضمام كي لا يتم التهامه. ووصلت غولدا، متخفية بزي امرأة عربية، الى القصر في عمان وهي تغلي غضبا. و”تذوق الملك وجبة ثقيلة منها”. واعتذر الأمير امام غولدا واقترح: “ربما توافقون على حكم ذاتي برعايتي”، وهو الاقتراح الذي عرضه بورغ وبيغن وديان على الفلسطينيين بعد قرابة 35 سنة. وانفجرت غولدا وقالت له: “لدينا جيش قوي سيلحق بك ضررا اذا واصلت المحاربة”. وفزع الامير من صفاقة المرأة. وعندما التقى مع موشيه شاريت، بعد فترة من ذلك، سأله عن حال السيدة غولدا، فقال له شريت “انها في موسكو”، فأجاب الأمير مبتسما: “خلوها هناك”.

لقد ارتبط الأمير بعلاقات جيدة مع رجل الاتصال، من أصل لبناني، الياس ساسون. وعندما ورث الابن منصب ابيه، سأل الملك: “لماذا تسعى الى السلام؟”، فقال عبدالله: “ليس لأنني صهيونيا وانما لأنه ستقع الحرب وستليها الحرب ثم الحرب ثم الحرب، ونحن سنخسر”. وهكذا تحرك كل شيء نحو اتفاق السلام المفصل.

في منتصف تموز 1951، وصل الملك من الأردن الى البلدة القديمة في القدس. والتقى سرا برئيس الموساد رؤوبين شيلواح وموشيه ساسون، كي يتفق معهما على الاتفاق النهائي. وفي اليوم التالي توجه لأداء الصلاة في الحرم القدسي. وعندما وقف على حافة الدرج الذي يقف عليه اليوم موشيه فايغلين ورفاقه الذين يريدون اقامة الهيكل، وصل من جهة المسجد الأقصى خياط واطلق عليه النار من مسدسه من مسافة قريبة وقتله. واصيب حفيده الحسين، الذي كان في الخامسة عشر من عمره آنذاك، بجرح جراء رصاصة، وتم نقله بواسطة طائرة بريطانية الى قصر محمي. وكانت تلك الصدمة هي التي هزته، بعد 44 عاما عندما حضر للمشاركة في جنازة المغدور يتسحاق رابين.

في عام 1951، اتضح انه تم حياكة مؤامرة الاغتيال بين جهات سعودية وسورية ومعادية لبريطانيا، وفي مقدمتهم الضابط الأردني عبدالله التل، الذي كان مسؤولا عن الاتصال بين الأمير و”الجماعة” الصهاينة. ويلخص سيرينا المحادثة قائلا: لقد كان السلام قريبا عدة مرات، ولكنه في كل مرة يطل المتآمرون ذاتهم، انصار الصراع، المتزمتون والقتلة، ليضعوا بضغطة واحدة على الزناد حدا لـ30 سنة من المحادثات ومنح رافعة جديدة لدوامة الدم.

اسم اللعبة: تهدئة الأجواء

يكتب دان مرغليت في “يسرائيل هيوم” ان احدا لن يحقق فائدة من النيران الممتدة في الحرم القدسي. فهي ستخرج عن السيطرة ويمكن ان تظهر كحريق في الغابة. من حيث الصراع بين القوميين ستصيب النار المعسكرين، وعندما سيتغلبون عليها، سيتأكد لهم عدم وجود هدايا سياسية مجانية، وسيخسر الجميع.

يعتبر الحرم القدسي جوهرة الديانتين. واولوية اليهودية تعتبر حقيقة هامة، لكنها لا تشطب الوجود الشرعي للإسلام. وفي هذا الوضع لا وجود لحل جيد وانما لتسوية مؤلمة. لقد حاول الرئيس رؤوبين ريفلين ورئيس الحكومة نتنياهو، امس، تهدئة الاجواء. وقاما بحث نواب اليمين على عدم الانفعال. واشارا الى أن اسم اللعبة هو تهدئة الأجواء.

لكن النيران امتدت الى مركزين خارجيين هامين: لقد تحدث نتنياهو مع الملك الأردني ليس فقط كي يعيد السفير وليد عبيدات الى تل ابيب، وانما، وفي الأساس، لمنع تصعيد موقف القصر الملكي، الذي سيستصعب بعدها التحرر من لهجته. وفي المركز الثاني، طلبت مصر تهدئة الاوضاع وارفقت ذلك بتحذير من أن علاقاتها ايضا مع إسرائيل قد تتضرر اذا تواصل التحمس.

لا يمكن لجهود التهدئة تجاوز السلطة الفلسطينية. ابو مازن يقوم بتسخين الأجواء في القدس، في الوقت الذي يحافظ فيه على الهدوء المعقول في الضفة. لكن صوته يتطرف، والتركيز في تصريحاته لا يتم على الامتناع عن ممارسة العنف بل على العكس، لا بل قام حتى بتعزية عائلة المخرب القاتل.

المسؤولون البالغون في الشرق الاوسط مطالبون بتكريس جهودهم لمركزين، رام الله والقيادة التي تقود بوادر الانتفاضة في القدس. هذه مهمة معقدة. ظاهريا يصعب التغلب على التناقضات، فلكل سياسي جمهوره الذي يطرح مطالب أخرى. لكنه من الأسهل جسر الخلافات حاليا، من البكاء في المستقبل على الوضع الذي سينشأ اذا امتدت الانتفاضة، واضطرت الدول العربية الى الوقوف، بغير رغبة منها، الى جانب الفلسطينيين، ووجدت إسرائيل نفسها تخوض نشاطات حربية لا تريدها.

هناك مشاكل مثيرة للقلق في احياء القدس. ولكن في الحرم القدسي، درة التاج، قد يكون من الممكن عزل الصراع عن مواجهات اخرى، والتوصل الى حل مؤقت ولكن مستقر.

اليهود يملكون الحقوق، ايضا

هاجم درور أيدر في “يسرائيل هيوم” المقالة التي نشرها شمعون شيفر في “يديعوت احرونوت” في اليوم التالي للعملية في القدس (الخميس 6/11)، ويكتب ان الصحيفة التي كانت تملك دولة في السابق تنشغل في اليوم التالي للعملية باتهام اليهود بالحريق، احتراق الاخوة  واحتراق العاصمة. وحسب شمعون شيفر الذي يقتبس مصادر مجهولة في اوروبا، فان نتنياهو هو الذي يشعل الحريق “بسبب اعلانه عن نيته البناء داخل المجمعات الاسكانية الفلسطينية، وما يبدو كتغيير للوضع الراهن في الأماكن المقدسة”، وطبعا ان “هناك حاجة الى مبادرة شاملة وجديدة لإقامة الدولة الفلسطينية”.

ويسأل ايدر: قل لي، هل تواجدت في البلاد خلال العشرين سنة الأخيرة؟ كما يقترح شيفر “مظلة دولية لإدارة المفاوضات “حول ترتيبات في الأماكن المقدسة” وبكلمات اخرى يريد تدويل القدس القديمة والحرم القدسي واخراجهما من ايادينا، معاذ الله.

وفي المقابل تسأل سيما كدمون (في يديعوت احرونوت) عن المتهم بالإرهاب في القدس؟ طبعا: اليهود. وتكتب: “عندما يكون الوضع في القدس متفجرا الى هذا الحد، يقوم كل صباح أشخاص مثل اوري اريئيل وموشيه فايغلين وميري ريغف وشولي معلم واييلت شكيد، ويخدشون هذا الجرح ويهتمون بعدم شفائه. مجموعة من المستفزين، الذين يبذلون كل ما يمكن لمنع الهدوء”.

كيف تفعلون ذلك، تخدشون “الجرح” الذي حافظ طوال آلاف السنين على توقنا للعودة الى البيت، الى صهيون، وتصرون على التنفس؟ وها هي الحلول التي تطرحها من تمسك بحجر الحكماء: “عدم التسامح بتاتا مع من يستفزون في الحرم ومن يشترون البيوت في القدس الشرقية”.

مدهش، اليهودي الذي يريد الصلاة في الحرم او يعود الى حي سلوان ومدينة داود الى البيوت التي اشتراها بالمال، يعتبر “مستفزا”، وليس رجل الحركة الاسلامية الذي يعرف ان عدة صرخات الله اكبر وحفنة من الحجارة ستسبب اغلاق الحرم امام اليهود. لم نفاجأ. لا يوجد استيطان، لا توجد عمليات. لا يوجد يهود، لا يوجد توتر واستفزاز. بكل بساطة، “يديعوت” في خدمتكم.

وأنا أسأل: ألهذا السبب تركنا المهجر، كي نسمع شيفر وكدمون وامثالهما يتهمون اليهود بأفعال اعدائهم؟ على العكس ايها اليهود، على العكس، يجب عدم التسامح ازاء راشقي الحجارة ودهسة الأولاد. كلهم يعرفون من هم المستفزون الحقيقيون في الحرم. نحن لا نعيش على ما تنطق به افواههم، ولا تردعنا تهديداتهم. من يسيطر على الحرم يسيطر على البلاد. المزيد من الاستيطان يعني المزيد من الأمن، المزيد من البيوت يعني المزيد من السيادة. وفي هذه الاثناء يمنع فقدان الهدوء. بيت بعد بيت، دونم بعد دونم، بإصرار وتمسك، وبحكمة وخديعة. هكذا عملت الصهيونية منذ الأزل.

القدس عاصمة الارهاب

يعتبر نداف شرغاي في تقرير ينشره في “يسرائيل هيوم” ان ما يحدث في القدس هو انتفاضة، ويكتب انه  بعد ان نفت الشرطة ذلك، تعترف بعض الجهات الأمنية بوجود انتفاضة في القدس. سكان القدس الشرقية لا يريدون المشاركة، لكن المتطرفين لا يتركون امامهم أي خيار، والجميع يعرفون انه لن يكون هناك أي حل سحري لهذه الضائقة.

يوم الأحد القريب، سيصادف مرور اربعة أشهر عليها، ولم يعد مهما أي اسم يطلقون عليها: الانتفاضة المقدسية، الانتفاضة الهادئة، الانتفاضة الثالثة، انتفاضة الأولاد، او ربما “انتفاضة المفرقعات”. منذ الثاني من تموز، يوم قتل الفتى محمد ابو خضير من شعفاط، لا يمر يوم على القدس بدون أحداث عنيفة. وكلها، باستثناء حوادث منفردة، تستهدف اليهود. انها تحدث على الخط الفاصل في مركز القدس، وليس فقط في الأحياء الطرفية والاحياء المختلطة. والهدف التعرض لليهود: المشاة والسيارات والمسافرين في المواصلات العامة والخاصة، النساء والرجال والأطفال، ورموز التعايش، كالقطار الخفيف ومستشفى هداسا على جبل المكبر، وطبعا رموز السلطة والسيادة الاسرائيلية واليهودية: الشرطة والجنود وتقريبا في كل يوم، الحرم.

الأحداث الأخيرة ومن بينها عمليات الدهس الأخيرة، تهدد بمحو التطبيع، بمحو نسيج الحياة المشتركة بين اليهود والعرب والتي تولدت طوال سنوات بين الجمهورين. تلك الحياة التي تقلل وسائل الاعلام من الحديث عنها. هذه الأحداث العنيفة تعيد الى القدس “جغرافية الخوف”، وهو المصطلح الذي ترسخ خلال الانتفاضة الاولى، التي تصبح الحالية مشابهة لها. جغرافية الخوف تحدد الفصل وتعيد رسم الحدود القديمة: اليهود هنا والعرب هناك، والعكس.

كما يسبب العنف ضررا بالغا للسياحة والاقتصاد، ولا يميز بين اليهود والعرب. فالمصالح التجارية تغلق أبوابها، والناس يعلنون افلاسهم، ومراكز الترفيه والتجارة تتحول الى مناطق اشباح.

يشارك في موجة العنف المتواصلة، الآلاف من سكان القدس الشرقية، غالبيتهم شباب واولاد. وتم حتى الآن اعتقال حوالي الف شخص وتقديم 300 لائحة اتهام، والسلطة الفلسطينية تعثر على تمويل للمرافعة القضائية عن الكثير منهم. لقد قتل حتى الآن ستة فلسطينيين، اربعة منهم مخربين نفذوا عمليات. الاحداث العنيفة ليست عفوية، كما يعتقد بشكل خاطئ، وهي نصف شعبية فقط. حماس وفتح تتدخلان في ما يحدث وتتنافسان على المستوى الميداني وفي منح الشرعية والدعم العلني لما تسميانه، خاصة من قبل ابو مازن، بالمقاومة الشعبية، او النضال الشعبي غير العنيف.

في القدس يظهر النضال غير العنيف كنضال بالغ العنف. حتى الآن تم تسجيل اكثر من 12 الف حادث رشق للحجارة والزجاجات الحارقة واطلاق المفرقعات بتوجيه مباشر، والتي اصابت عددا من الجنود وتسببت لبعضهم بالصمم. وبالإضافة الى ذلك تشمل القائمة، يوميا، التحريض والعنف الجسدي واللفظي في الحرم ، الذي يتم اغلاقه المرة تلو المرة امام اليهود. وبالطبع فقد ساهمت محاولة اغتيال يهودا غليك، احد الناشطين من اجل حق اليهود بالصلاة في الحرم، بتصعيد الاوضاع. والآن تنضم الى عمليات “السلاح البارد” عمليات الدهس. انها ليست جديدة، خاصة في القدس.

بالنسبة للفلسطينيين تعتبر جزء من المقاومة الشعبية الشرعية. وحسب تقرير للشاباك فقد تم بين 2000 و2008 تنفيذ حوالي 20 عملية دهس قتل خلالها 15 شخصا، ثلاثة منها تمت في القدس بوساطة جرافة، وقتل خلالها ثلاثة أشخاص واصيب قرابة مئة. منذ عام 2009 وحتى هذا الأسبوع، وقعت 11 عملية دهس أخرى، اسفرت عن مقتل اربعة اشخاص واصابة 48. ووقع غالبيتها في القدس. قوات الامن تعتبر عمليات الدهس بمثابة عمليات منفردة، لا يقف خلفها تنظيم او موجه معروف. وتقول ان هذه “عمليات اجواء” يستلهمها منفذوها من الأجواء العامة السائدة في القدس خلال الأشهر الأخيرة، ومن التحريض الشديد لحماس والسلطة الفلسطينية.

هذه العمليات المنفردة يصعب توقعها ومنعها بالنسبة لقوات الأمن. ولكنه يمكن بسهولة تمييز الاجواء التي يستلهمونها منها، ويتم توثيقها بشكل دائم من قبل جهات مختلفة، من بينها “نظرة على الاعلام الفلسطيني”. وقبل اسبوعين فقط نشر مستشار ابو مازن، سلطان ابو العينين، كلمات تمجيد للمخرب الذي دهس الطفلة زيسل بارون والمهاجرة موسكارا برارا. ووصف المخرب على صفحته في الفيسبوك بانه “بطل” و”شهيد”. واحتفلت حركة فتح بمحاولة اغتيال يهودا غليك وتم التبليغ عن احتفالات في البلدة القديمة في القدس.

جوهر التحريض خلال الأسابيع الأخيرة يركز على الحرم القدسي. في نهاية اكتوبر اعلنت فتح عن يوم غضب في القدس ودعت المحاربين الفلسطينيين الى الدفاع عن المسجد الأقصى. وفي صحيفة السلطة الفلسطينية نشرت كاريكاتورات تشجع على رشق اليهود بالحجارة. وتعرض احداها والدا وابنه وراء حاجز للشرطة على مدخل قبة الصخرة، ويسلم الاب راجمة لابنه ويشرح له “ان الطهارة قبل الصلاة تتم بواسطة الحجارة”. ويظهر رسما كاريكاتوريا صعبا بشكل خاص، جنديا اسرائيليا يريد اغتصاب المسجد الاقصى، الذي يتم التعبير عنه برسم لأسيرة في السجن. وتم نشر هذا الرسم امس الاول من قبل قوات الامن الفلسطيني.

في نهاية الشهر السابق نشرت صحيفة “الحياة الجديدة” الناطقة بلسان السلطة، ملحقا خاصا عنوانه “القدس عاصمة الانتفاضة”، وازالت بذلك أي شك بشأن طريقة تعامل السلطة (وليس حماس فقط) مع احداث القدس.

لقد بدأ الاستيعاب بأن العنف في القدس ليس مسألة عابرة او اعتيادية، بل يختلف عن السابق، يتغلغل لدى الكثيرين خلال الأسابيع الاخيرة. وولد هذا الاستيعاب مضاعفة القوات في القدس وتفعيل وسائل استخبارات ذكية، واستخدام متزايد للمستعربين، وعمل متواصل داخل القرى العربية وتغيير القانون كي يتيح تشديد العقوبات ضد راشقي الحجارة والمفرقعات النارية.

كما اقنع التصعيد المتواصل السلطات باعتقال وابعاد النساء والرجال، اعضاء مجموعة المرابطين من الحرم، الذين يستقبلون اليهود الذين يدخلون الى الحرم بالصراخ والشتائم والتحريض في الموقع المقدس. وغالبا يجري الحديث عن أناس يتماهون مع الجناح الشمالي للحركة الاسلامية في اسرائيل برئاسة الشيخ رائد صلاح.

السؤال الرئيسي الذي يتم طرحه في سياق المناقشات حول الأحداث الأمنية الراهنة في العاصمة، هو كيفية تحقيق الردع. فكرة إغلاق الحرم القدسي لفترة طويلة امام المسلمين سقطت، ويرجع ذلك أساسا إلى الضغط الأردني. ومع ذلك، فإن إمكانية قيام إسرائيل بهدم منازل الإرهابيين الذين نفذوا عمليات الدهس – وغيرهم- اصبح ممكنا. وقد أوصى وزير الامن الداخلي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتنفيذه.

ويدعم ذلك مفتش الشرطة المتقاعد، قائد شرطة حرس الحدود ووحدة “يمام” سابقا، وعضو الكنيست الحالي عن حزب الحركة، دافيد تسور. ويتذكر تسور بأنه خلال الانتفاضة الثانية في الفترة الذي نشط فيها العديد من الانتحاريين، تم ردع بعضهم عن تنفيذ مخططاتهم، في ضوء المعرفة المثبتة بأنه سيتم هدم منازل أسرهم. ويؤمن تسور ان ذلك سينجح في حالة الارهابيين الذين ينفذون عمليات الدهس.

ومن المجالات الأخرى التي تعمل إسرائيل عليها الآن في شرق المدينة، بعد سنوات عديدة من الغياب، هو تنفيذ القانون. لسنوات كانت الأحياء العربية بمثابة جنة للجنوح من أنواع مختلفة، وحتى السكان العرب في كثير من الأحيان حثوا السلطات الاسرائيلية على التصرف. كمثال على ذلك، حتى الآن لم يتم في هذه الأماكن تطبيق قوانين التنظيم والبناء، ومنح التراخيص، وحركة المرور وغيرها. ويهدف تنفيذ القانون الآن الى ردع مخالفي القانون في القدس الشرقية. مع ذلك، هناك قلق من أن ذلك سوف يخلق العقاب الجماعي، وادخال جمهور اضافي الى دائرة العنف.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب