الايام- يوسف الشايب:تتميّز الفنانة سناء موسى بقدرتها الفائقة على تجاوز نفسها، وتقديم الأفضل في كل إطلالة لها، وهو ما كان في حفلها “من ذاكرة الساحل الفلسطيني”، في خامس أمسيات مهرجان “وين ع رام الله” بنسخته الرابعة عشرة، وتحديداً في ساحة راشد الحدادين التي احتشدت عن آخرها بالآلاف من عشّاق صوتها الاستثنائي، مساء أول من أمس.
وكان من المقرر أن يقتصر الحفل على إطلاق أغنيات البحر والصيّادين، التي يشتمل عليها ألبومها المزمع إطلاقه قريباً بالاسم نفسه، لكنّها استجابت لرغبات جمهورها بتقديم بعض الأغنيات التراثية التي كانت نبشت عنها، وقدّمتها بقوالبها الأصلية، لكن على طريقتها الخاصة.
استطاعت موسى بصوتها الذي لا يتكرر كثيراً، وبما قدمته إثر بحث دؤوب انطلق منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً، أن تنقلنا من شاطئ فلسطيني إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، وأن تطرب آذاننا، وتهز مشاعرنا، وتثير حماستنا، وتزوّدنا بجرعة معرفية لمنطقة مجهولة من التاريخ الثقافي للشعب الفلسطيني، أي أغنيات الساحل.
تنقّلت “من ذاكرة الساحل الفلسطيني”، على مدار ساعة، بين سواحل يافا وحيفا ورأس الناقورة وغزة وعسقلان، وغيرها، عبر أغنيات من قبيل: “منديلي”، و”يا نازلين البحر”، و”إش جيّبك يا غزال”، و”يا زارعين السفرجل”، و”لا تطلعي من بويتك والهوا غربي”، و”يا واردة ع الميّة”، و”مدّي دياتش يا مِريم”، لتختتم الحفل بـ” ع الروزانا”، فكان أن خرج البحر بصيّاديه وبحّارته وحكاياتهم التي لا تخلو من حب وحرب، من حنجرتها، وكأن المسرح المعّد هو الشاطئ، والساحة بمن تكدّست فيها هي تلك المياه المالحة بمدّها وجَزْرِها.
بدأت موسى حفلها بابتهالات كانت “دارجة لدى الصيّادين، كي يشجعوا أنفسهم على دفع مراكبهم”، كما قدّمت “دعاء” يندرج في إطار ما كان يُعرف بطقس “أربعا أيوب”، وهو طقس يعكس علاقة الإنسان بالبحر، فكان سكان الساحل من الفلسطينيّين يتطهرون من ذنوبهم بمياه البحر، كما كان ذوو الأطفال ممن يتأخرون في النمو والنطق يأتون بأطفالهم إليه في يوم الأربعاء الأخير الذي يسبق “أحد الفصح” ليدعوا لهم بالشفاء. وهو طقس شعبيّ يمارسه جميع أهل الساحل.
وبناء على طلب الجمهور تألقت موسى، فسَلطَنت وتسلطنت، حين صدحت بـ”طلّت البارودة”، و”نجمة الصبح”، و”يا وردة ع الميّة”، و”لا تطلعي من بويتك والهوا غربي”، و”مدّي دياتش يا مِريم”، و”ع الروزانا”.
“من ذاكرة الساحل الفلسطيني”، كان حفلاً غير عابر، أكدت سناء موسى خلاله، أنها عندما تغنّي تجسّد فلسطين بقطب مطرزات سيداتها، واحمرار دحنونها، ورائحة زعترها البري، وزرقة بحرها، ورصاص فدائييها، وتأنق عرسانها.. بل إنها عندما تغني تجد فلسطين كأنها كلها أمامك.





