ماذا سيتمخض عن المفاوضات من نتائج على المدى المباشر والمتوسط والبعيد؟ هل ستتوقف حرب الإبادة وتنسحب قوات الاحتلال؟ ومن يحكم قطاع غزة لاحقاً؟ أسئلة يطرحها كل مواطن داخل غزة وخارجها ولا يجد لها إجابات شافية.
بديهي أن نتيجة أي حرب تعتمد على عناصر القوة والأوراق التي يمتلكها كل طرف. وهنا لا جدال في أن دولة الاحتلال تمتلك قدرة هائلة على التدمير والقتل وهي تمارس حرب إبادة على مدار عشرة شهور. وتصعد من ضغوطها ولا تتورع عن الاستمرار في إلحاق الكوارث بالمواطنين. والأخطر أنها تشيّد بنية أمنية على الأرض للسيطرة ومواصلة الضغط وفرض الحلول. قوام البنية الأمنية قواعد عسكرية في مناطق استراتيجية وطرق وممرات وبخاصة ممر نتساريم، وتغيير ديمغرافي من خلال تهجير مئات الآلاف من الشمال الى الجنوب وداخل كل منطقة والضغط عليهم بالقتل والتشريد والتجويع والحرمان من العلاج. ومناطق عازلة على طول غلاف غزة والسيطرة على معبر رفح وقاطع فيلادلفيا المتاخم للحدود المصرية – الفلسطينية، وبحسب الخرائط الجوية تسيطر قوات الاحتلال على 26% من مساحة قطاع غزة. البنية الأمنية الجديدة المترافقة مع تدمير المكان وجعله غير قابل للحياة. يضع أساسا لإعادة الاستيطان في قطاع غزة، وأساسا للتهجير الطوعي والقسري.
مقابل ذلك أصبحت دولة الاحتلال معزولة سياسياً ومهددة بعقوبات من محكمة العدل الدولية التي قطعت شوطاً في بلورة تهمة ممارسة حرب إبادة، وإصدار حكم يعتبر الأراضي الفلسطينية – الضفة والقدس وقطاع غزة أراضي محتلة ويدعو إسرائيل للانسحاب منها، وإصدار المحكمة الجنائية لمذكرة اعتقال بحق نتنياهو ووزير حربه غالانت، واهتزاز مكانة وهيبة إسرائيل كشرطي غير مُنازع في الإقليم، إضافة للخسائر البشرية والاقتصادية المرتفعة. وانتهاءً لزمن الحروب الخاطفة غير المكلفة. إضافة للشروخ التي أحدثتها الحرب داخل المؤسسة والمجتمع الإسرائيليين.
والأهم من ذلك هو تبلور قناعة في الأوساط الدولية مفادها ان تجاهل حل القضية الفلسطينية الذي ينهي احتلال أراضي العام 67 لم يعد مجدياً ويترتب على استمراره انفجارات وحالة من عدم الاستقرار والفوضى. القناعة الدولية بضرورة إيجاد حل مدعومة هذه المرة برأي عام عالمي متعاظم وبقوى ديمقراطية مناهضة للحرب والعنصرية وداعمة لحق الشعب الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير. الشعب الفلسطيني يتفوق في ميزان القوى السياسي تفوقاً كبيراً، وإسرائيل تتفوق في ميزان القوى العسكري تفوقاً ساحقاً. وفي المقارنة، احتلت إسرائيل مكانة الضحية على صعيد عالمي لمدة أسبوعين فقط، واحتلت فلسطين مكانة الضحية المنتهكة الحقوق بما في ذلك الحق في الحياة طوال عشرة شهور ناقص أسبوعين. ولكن في ظل نظام عالمي متوحش منحاز للمعتدين ومدافع عنهم، لا تَرجح كفة التفوق السياسي الفلسطيني وتكون الغلبة للتفوق العسكري الإسرائيلي. البعض يخلط الأمور ويتجاهل الموازين والمعايير ويتحدث عن نصر مع ان الوقائع تتحدث عن كارثة، وعن تدخلات وإملاءات وتهميش.
تقول صحيفة «واشنطن بوست»: وافقت حماس على صفقة لا تتضمن تعهداً إسرائيلياً بإنهاء الحرب، وهذا يتفق مع شرح الرئيس الأميركي بايدن بأن الصفقة تسمح لإسرائيل بمواصلة العمليات ضد قيادة حماس في محاولة لإقناع نتنياهو، وفي الجهة الأخرى تقول إدارة بايدن أن وقف إطلاق النار المؤقت وإعادة الرهائن سيخلق آلية تؤدي الى إنهاء الحرب، وذلك في محاولة لإرضاء حماس. يأتي ذلك لأن إدارة بايدن معنية بإنهاء الحرب ومنع توسعها وبخاصة على الجبهة اللبنانية، من اجل التفرغ لانتخابات الرئاسة في تشرين الثاني القادم، وتجميع كل الأوراق التي تساعد في نجاح بايدن بما في ذلك استكمال الاتفاق الأميركي السعودي وإبرام اتفاق التطبيع السعودي الإسرائيلي. وأبلغت حماس دول الوساطة العربية بأنها مستعدة للتنازل عن الحكم في غزة ونقل السيطرة الى جسم فلسطيني «حكم مؤقت» يبدأ العمل به في المرحلة الثانية من الصفقة.
كما نرى فإن الحل الوحيد المطروح والمتوافق عليه دولياً وعربياً هو الحل الأميركي الذي قدمته إدارة بايدن بالاتفاق مع حكومة نتنياهو صاحبة الصيغة الأولى لذلك الحل. وهذا يعكس ميزان القوى على الأرض. حتى إيران وحزب الله اللذان لا يرغبان بتوسيع الحرب، قالا على لسان نصر الله انهما يؤيدان ما توافق عليه حركة حماس. إزاء ذلك ليس من الصعب معرفة ان الحل في صيغته النظرية يعكس شروطاً إسرائيلية، أما في صيغته العملية والتأويلية فالمخفي أعظم – أسوأ من الشروط المعلنة- كالقول «أن لا تكون غزة منصة للإرهاب ولا تنطلق منها هجمات ضد إسرائيل، وحماس لا تكون جزءاً من الحكم المؤقت» ( عن «هآرتس»).
يلاحظ أن المهتمين بإنجاح الحل الأميركي – مبادرة بايدن- او من يعنيهم وقف حرب الإبادة، يلتقون عند نقطة أنه لا غنى عن جسم فلسطيني قوي يمكن الاعتماد عليه ويشكل جسراً لتدخل قوة عربية ودولية داعمة. هذا الجسم ليس حماس ولا السلطة بل يجري تشكيله وتمحيصه : يقول تسفي هرئيل في هآرتس: إن الحفاظ على الأمن سيكون من مسؤولية قوة تضم 2500 عنصر من مؤيدي السلطة تمت المصادقة على أسمائهم من قبل إسرائيل سيتم تدريبهم من قبل الأميركيين، هؤلاء نواة لبنية النظام المحتمل الذي يمكن ان يدير غزة. في الوقت الذي يجري فيه فحص إمكانية إحياء قوات الشرطة في غزة وتحويلها الى قوة تتحمل المسؤولية عن الحماية المدنية في القطاع ورأس جسر لدخول القوة الدولية.
كما نرى، يأتي استمرار الحرب من قبل إسرائيل لتحقيق أهداف العدوان: نزع سلاح غزة، وبناء سلطة فلسطينية بالمقاييس الإسرائيلية الأميركية في أحسن الأحوال، وفي أسوأ الأحوال بقاء احتلال غزة لمزيد من الوقت واستكمال الضم في الضفة الغربية، وبخاصة في حال فوز ترامب الذي ربما يجدد «صفقة القرن» التي ضمت القدس وشرّعت الاستيطان وعزلت الشعب الفلسطيني في أرخبيلات مجزأة.
استمرار الحرب يأتي الآن عبر ممارسة ضغط تدميري هائل يستهدف المواطنين الغزيين، ويستخدم آلامهم وعذابهم لفرض الشروط، بما في ذلك استخدام ورقة إعادة الإعمار لفرض المزيد من الشروط.
ولكن هل يؤدي استمرار الحرب الى تحسين الشروط الفلسطينية؟ ما هو مؤكد أن استمرار الحرب يفاقم شروط الحياة والبقاء بالنسبة للسواد الأعظم من الشعب الفلسطيني. وما هو متوقع ان استمرار الحرب لن يحسن شروط بقاء سلطة حماس. وفي وضع كهذا من المنطقي أن يصار الى تفاوض فلسطيني فلسطيني يقول الحقيقة للشعب ويبحث في سبل الخروج من أخطر المآزق التي مر بها الشعب الفلسطيني.




