لا مكان للصدفة في السياسة، كل تفصيل محسوب بدقة، الجميع يتحرك على رقعة الشطرنج العالمية وفق مخطط يطول او يقصر وفقاً لعوامل عديدة: قوة اللاعب، حلفاؤه الدوليون، وقراءته لمنبع الخطر المحيق به. بهذا المنطق لا يمكن أن يكون مصادفة تزامن تصريحات الرئيس الأمريكي عن انضمام دول جديدة إلى اتفاقيات التطبيع، مع الحملة “الإسرائيلية” الجديدة التي أطلقت مؤخراً تحت عنوان “الائتلاف من أجل الأمن الإقليمي – درع إبراهيم”.
في المشهد لوحة دعائية ضخمة في تل أبيب تُظهر ترامب في مركز الصورة وعلى جانبي كتفيه كل من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يحيط بهم عدد من القادة العرب، ملوكاً ورؤساء، بعضهم وقعوا اتفاقيات مع تل أبيب، وبعضهم لم يفعلوا ذلك، أو لم يفعلوا ذلك بعد! الكتابة على اللوحة تقول: “فرصة جديدة للشرق الأوسط”.
يعتقد البعض أن هذه التفاصيل مجرد لعبة نفسية للقول إن الولايات المتحدة و”إسرائيل” تشارفان على تحقيق الانتصار الكامل في معركة تغيير وجه المنطقة، وإن وضع صور الرئيس السوري أحمد الشرع واللبناني جوزيف عون سيثير الكثير من الشكوك، ويُضعف عزيمة من بقي صامداً من أبناء الأرض الفلسطينية، وكأنه يقول لهم: لوحدكم تقاتلون! خصوصاً وأن رسالة الحملة الإسرائيلية واضحة من خلال شعار “درع أبرهام” الذي يُفترض أن “يحمي إسرائيل” ويؤمن لها محيطاً حيوياً “سلمياً”.
الأكيد أن شيئاً ما يُطبخ على نار متقدة في الفترة الأخيرة، فالأحداث المتسارعة تقول إن الولايات المتحدة جهزت معظم تفاصيل المشهد لأجل “شرق أوسطها الجديد”. فمثلاً، وبغض النظر عن التصريحات غير الرسمية التي تصدر من تل أبيب أو واشنطن حول “محادثات سورية إسرائيلية لتوسيع اتفاقية أبراهام”، يبدو الرد الرسمي السوري باهتاً. مصدر رسمي سوري قال إن: “التصريحات المتعلقة بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل في الوقت الحالي سابقة لأوانها”. لم ينفِ المصدر إمكانية التوقيع، هو فقط اعتبر الأمر “سابقاً لأوانه” ما يعكس النية في التوقيع.
الشروط العلنية السورية تربط “الحديث عن التفاوض بشأن اتفاقيات جديدة” بـ “الالتزام الكامل باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 والانسحاب من الجولان السوري المحتل”، لكن المصادر لا تنفي بشكل حازم الأنباء عن التفاوض المباشر التي تم الحديث عنها. أضف إلى ذلك أن الأفعال هي المقاييس. لم تتخذ السلطات السورية الجديدة أي إجراء في مواجهة التوغل الإسرائيلي الفاضح في الجنوب السوري، وصولاً إلى مشارف قطنا بريف دمشق (نحو 25 كم عن العاصمة)، توغل يكرر الإسرائيليون بشكل واضح أنهم لن يتراجعوا عنه، ناهيك عن الانسحاب من الجولان العربي السوري المحتل منذ العام 1967. المشهد برمته مثير للريبة.
في لبنان يبدو الأمر أكثر غموضاً. لا دلائل على أي تواصل مع السلطات الرسمية اللبنانية. البلد الصغير الذي تحتضنه سورية جغرافياً على شاطئ المتوسط، ويعاني ضغوطاً اقتصادية قاسية جداً، وتعرض لحرب إسرائيلية شعواء أواخر العام 2024، لن يكون في وضع يُحسد عليه إذا ما بدأت بوادر “التطبيع” بين دمشق وتل أبيب بمباركة عربية، وقد لا تمتلك بيروت خيارات كثيرة في وضع كهذا، خصوصاً في ظل انقسام داخلي شديد يلقي بظلاله على مختلف مراكز صنع القرار في لبنان.
اللافت أيضاً أن الحديث عن “اتفاقات أبراهام” يشمل بالنسبة للولايات المتحدة و”إسرائيل” دولاً سبق ووقعت اتفاقات مع تل أبيب، كمصر مثلاً، التي ارتكب رئيسها الأسبق أنور السادات إثم “كامب ديفيد” وحيداً قبل نحو 57 عاماً. وهنا يصحُّ أن نسأل عن الفرق بين المشروعَين. الجواب يكمن في اختلاف السياق التاريخي وعدد الأطراف المشاركة ونتائج الاتفاقيات، ففيما تم توقيع “كامب ديفيد” خارج الإجماع العربي، تم التوقيع على اتفاقيات أبراهام بمباركة عربية وبالجملة، وهو ما “سيشجع” المنضمين الجدد للتوقيع.
الفرق الأبرز ربما أن “كامب ديفيد” أنهت حالة الحرب بين مصر و”إسرائيل” في مرحلة تاريخية كانت المواجهة فيها تأخذ طابعاً عسكرياً، وتضمنت انسحاب الجيش الإسرائيلي من سيناء المصرية، ما أدى إلى فتح الباب لتعاون اقتصادي ودبلوماسي، بينما تم التوقيع على اتفاقات أبراهام بين دول لم تكن في حالة حرب أساساً مع “إسرائيل”، وفي سياق تاريخي بعيد عن “عسكرة الصراع” من قبل الأنظمة العربية على الأقل، ونصت المعاهدات الجديدة على “تطبيع كامل للعلاقات” مع “إسرائيل”، مع تعهدات بالتعاون في مجالات مختلفة مثل الاقتصاد والسياحة والأمن. بمعنى آخر: غيرت اتفاقيات أبراهام في الديناميكيات الإقليمية وطبيعة التحالفات وهوية المنطقة.
رغم ذلك، بقي الشعب العربي في الدول التي وقعت الاتفاقيات الأولى مع تل أبيب عصياً على التطبيع الكامل مع “إسرائيل” التي لازالت تحتل فلسطين ومقدساتها، وتمارس أبشع أنواع التهجير القسري والتطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني. الحرب على غزة هنا لعبت دوراً في إعادة التركيز العربي والعالمي على الوجه الحقيقي البشع لـ “إسرائيل”، ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الحملة الأمريكية الإسرائيلية الهادفة إلى توسيع اتفاقيات أبراهام، على أنها محاولة لإحراز ما يمكن إحرازه كجائزة ترضية لحكومة بنيامين نتنياهو العاجزة إلى اليوم عن هزيمة غزة، القطاع المحاصر منذ عشرين عاماً والمستهدف بمختلف أنواع الأسلحة منذ أكثر من عشرين شهراً. قد يكون هدف ترامب الساذج المساومة على وقف الحرب مقابل اتفاقيات التطبيع الجديدة، متغافلاً عن أن الاتفاقيات التي لم توقّع بعد هي أعقد الاتفاقيات وأكثرها دقة في التفاصيل.
ختاماً، لا بد من الإشارة إلى أن الفلسطيني يدرك أنها معركته قبل وبعد كل شيء. مواجهة الاحتلال وممارساته، والتمسك بخيار دولته المستقلة على أرضه. لم يعول الفلسطيني يوماً على أحد، منذ أن شقت “كامب ديفيد” الصف العربي الذي كان سهل التصدُّع أساساً. لم ينتظر يوماً شيئاً من حاكم أو من نظام حكم. ما انتظره وينتظره الفلسطيني هو موقف الشعب العربي الذي يدرك أن له حقاً في فلسطين وفي مقدساتها، وأن أي “توقيع” يسبق إقامة الدولة الفلسطينية هو خنجر يغرزه العربي في خاصرته هو، قبل الفلسطينيين والإنسانية، فلا هكذا تورد الإبل يا عرب؟! .





