الجمعة, مايو 1, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءقراءة في آليات اختيار السفراء ومعايير التقييم بقلم: محمد علوش

قراءة في آليات اختيار السفراء ومعايير التقييم بقلم: محمد علوش

لم تعد الدبلوماسية الفلسطينية شأناً إدارياً أو وظيفة بروتوكولية محايدة، بل غدت إحدى ساحات الاشتباك السياسي والفكري مع مشروع الاحتلال، وأداة مركزية في معركة الشرعية والسردية والوعي، ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن آليات اختيار سفراء دولة فلسطين في بلدان العالم لا يمكن اختزاله في نقاش تقني أو تنظيمي، بل يجب أن يقرأ بوصفه سؤالاً سياسياً ووطنياً عميقاً، يتصل مباشرة بطبيعة المشروع الوطني، وبقدرتنا على تحويل التمثيل الخارجي إلى قوة فعل وتأثير، لا إلى حضور رمزي يستهلك الزمن ولا يصنع الموقف.

السفير الفلسطيني، في جوهر دوره، ليس موظفاً يؤدي مهمة محددة ضمن وصف وظيفي جامد، بل هو حامل للرواية الوطنية وممثل لإرادة شعب يخوض صراعاً مفتوحاً من أجل الحرية والاستقلال، وهو فاعل سياسي وثقافي وأخلاقي في آن واحد، يتحرك في فضاء دولي تحكمه المصالح المتشابكة، وتدار فيه الصراعات بلغة ناعمة لا تقل خطورة عن أدوات القوة الصلبة، وعليه، فإن أي مقاربة لاختيار السفراء تتجاهل هذا البعد المركّب للدور الدبلوماسي إنما تفرغ الدبلوماسية الفلسطينية من مضمونها، وتحوّلها إلى ممارسة شكلية لا تليق بعدالة القضية ولا بتضحيات الشعب الفلسطيني.

لقد أظهرت التجربة، وبدرجات متفاوتة، أن بعض آليات الاختيار في محطات سابقة شابها خلل واضح، حيث طغت أحياناً اعتبارات الولاء أو الترضيات أو الأقدمية الشكلية على حساب الكفاءة السياسية والقدرة على المبادرة والاشتباك، وهذه المقاربات، وإن جاءت في سياق أزمات داخلية وتعقيدات بنيوية معروفة، إلا أنها أسهمت في إضعاف الدور الفعلي لبعض البعثات الدبلوماسية، لا سيما في دول كان يفترض أن تشكّل رافعة سياسية أو إعلامية أو قانونية للقضية الفلسطينية، فالسفارة التي لا تنتج موقفاً، ولا تبني شبكة علاقات مؤثرة، ولا تشتبك مع الرأي العام والنخب وصنّاع القرار، تتحول إلى عبء صامت، بدلاً من أن تكون أداة نضال.

إن أي عملية تقييم أو مراجعة جادة يجب أن تنطلق من رؤية وطنية شاملة للدبلوماسية الفلسطينية، رؤية تعتبر أن التمثيل الخارجي هو امتداد مباشر للبرنامج الوطني، لا مساحة معزولة عنه، رؤية ترى في السفير جزءاً من معركة التحرر الوطني، لا مراقباً محايداً للأحداث، وفي السفارة مركز فعل سياسي وثقافي وإعلامي، لا مجرد عنوان رسمي أو واجهة بروتوكولية، فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى حضور دبلوماسي صامت، بل إلى دبلوماسية قادرة على المبادرة، وعلى تحويل التعاطف إلى مواقف، والمواقف إلى سياسات ضغط ملموسة، ومن هنا، فإن معايير الاختيار والتقييم ينبغي أن تقوم على أسس واضحة وموضوعية، في مقدمتها الكفاءة السياسية والفكرية، والقدرة على فهم تعقيدات الصراع وسياق الدولة المضيفة، والتمكّن من أدوات القانون الدولي وخطاب حقوق الإنسان، إضافة إلى النزاهة والاستقلالية الأخلاقية التي تمنح الممثل الدبلوماسي مصداقيته المعنوية، كما أن القدرة على بناء العلاقات، والانفتاح على القوى الحية في المجتمعات المختلفة، والانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل المبادر، يجب أن تكون عناصر حاسمة في أي قرار تعيين أو استمرار.

إن فتح ملف التقييم والمراجعة لا ينبغي أن يفهم بوصفه تشكيكاً بالأشخاص أو انتقاصاً من تاريخ أحد، بل كفعل قوة ومسؤولية وطنية، فالحركات التحررية التي لا تراجع أدواتها، ولا تعيد النظر في أساليب عملها، تكون أكثر عرضة للتكلس وفقدان التأثير، والمراجعة هنا ليست فعلاً إقصائياً، بل مسار تصويب وتجديد، يهدف إلى ضخ دماء جديدة، وإعادة الاعتبار لفكرة الخدمة الوطنية بوصفها التزاماً أخلاقياً وسياسياً قبل أن تكون موقعاً وظيفياً.

إن الدبلوماسية الفلسطينية تقف اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية، إما أن تبقى أسيرة نماذج تقليدية لم تعد قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة، أو أن تتحول إلى دبلوماسية فاعلة، مقاومة بالمعنى السياسي والفكري، قادرة على خوض المعارك الصامتة في العواصم والمنابر الدولية بوعي وشجاعة ومبادرة، واختيار السفراء، وفق رؤية وطنية نقدية واضحة، يشكّل المدخل الضروري لهذا التحول، لأنه يعكس في جوهره تصورنا لطبيعة معركتنا، ولموقعنا فيها، وللأدوات التي نريد أن نخوض بها صراعنا الطويل من أجل الحرية والكرامة والاستقلال.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب