قلم: ينيف كوفوفيتش/ أعربت المؤسسة الأمنية عن قلقها من أنه في ظل الصراعات السياسية التي تجري في إسرائيل تترجم القيادة السياسية، لا سيما الوزراء الكبار، الإنجازات الحربية والردع، الذي حققه الجيش الإسرائيلي بتكلفة باهظة، الى خطاب تفاخر وازدراء يصل الى درجة إهانة دول المنطقة. وقد حذرت المؤسسة الأمنية القيادة السياسية من ان التحول من حالة الردع الإقليمي الى حالة الإهانة الإقليمية يدفع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول التي وقعت على اتفاقات إبراهيم أو التي تجري محادثات للانضمام اليها، الى فقدان الثقة والخوف من طموحات إسرائيل الاقليمية. وحسب المؤسسة الأمنية تقيم هذه الدول تحالفات مع الولايات المتحدة واوروبا الغربية وفيما بينها لمنع إسرائيل من مراكمة نفوذ غير منضبط في المنطقة، وخلق ادوات ضغط قد تؤثر سلباً على أمن إسرائيل واقتصادها.
وقال مصدر أمني رفيع لـ “هآرتس”: “تعتقد دول كثيرة في الشرق الأاوسط ان إسرائيل أصبحت اقوى أثناء الحرب بما يفوق حجمها الحقيقي في المنطقة”. إن القدرة التي أظهرها الجيش و”الشاباك” و”الموساد” أثناء الحرب أعادت بدرجة كبيرة قوة الردع أمام جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة، وجعلتها تقدر قوتها العسكرية. ولكن الخطابات المتفاخرة والتصريحات غير المسؤولة من قبل النخبة السياسية تحول الردع الى إهانة. ففي الشرق الأوسط يتم النظر الى أي شخص يراكم الكثير من السلطة ويتفاخر بها على الفور بانه عامل يضعضع الاستقرار، ويجب الاستعداد له.
انتقاد المؤسسة الامنية ليس انتقاداً نظرياً فقط، بل يستند الى عدة تصريحات علنية لكبار الوزراء. من بين ذلك تصريحات رئيس الحكومة نتنياهو بان إسرائيل قد غيرت وجه الشرق الاوسط، وتهديده باستئناف القتال في كل الساحات، وسعي وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الى فرض حقائق على الأرض يمكن ان تؤدي الى ضم الضفة الغربية، خلافا لموقف أميركا، فضلا عن تصريحه بأنه “اذا عرضت علينا السعودية التطبيع مقابل الدولة الفلسطينية نقول لكم ايها الأصدقاء: لا، شكرا. استمروا في ركوب الجمال في صحراء السعودية”، والحملة التي أطلقها أعضاء في مكتب رئيس الحكومة، التي هدفت الى الإضرار بمكانة مصر الإقليمية واتفاق السلام، بزعم أن المصريين كانوا يحشدون القوات استعداداً للمواجهة مع إسرائيل، وأنهم سمحوا بالتهريب في الأنفاق عن طريق محور فيلادلفيا حتى اثناء الحرب، الأمر الذي كرره مسؤولون كبار في الحكومة، وتبين بعد ذلك انه افتراء، ومحاولة اغتيال قادة “حماس” الكبار في قطر اثناء المفاوضات حول صفقة الرهائن، وهو الحدث الذي جعل دول الشرق الاوسط تعرف، وفقاً للمؤسسة الأمنية، بأنه من الصعب الوثوق بالحكومة الإسرائيلية الحالية.
وقال مصدر أمني إن “هذه التصريحات لا تبقى حبيسة الخطاب الداخلي في إسرائيل، بل تتم ترجمتها على الفور الى لغة الشرق الأوسط، الأمر الذي يثير القلق الكبير في كل المنطقة”.
يقول المسؤولون انفسهم بان معظم الدول عززت تحالفها مع إسرائيل ضد إيران أثناء الحرب. فقد كان الخوف من امتلاك إيران السلاح النووي كابوسا مشتركا بين كثير من دول الشرق الأوسط، التي شارك بعضها في الحرب بين إسرائيل وإيران، سواء في مجال المخابرات او الدفاع الجوي او تقديم الدعم اللوجستي للقوات الأميركية والغربية التي عملت على اعتراض الصواريخ الإيرانية.
لكن الآن، بعد ان أضعفت إسرائيل محور إيران بشكل ملحوظ، يزداد قلق دول الخليج ازاء ثقة إسرائيل المفرطة بنفسها، التي تتحول بالنسبة لهم من عامل استقرار الى عامل يقوض الاستقرار الأمني في المنطقة. وقال مصدر امني رفيع ومطلع: “يوجد توجه واضح بين الشخصيات السياسية وكبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية ايضا، الذين يعتقدون ان القوة العسكرية تحقق إنجازات اكبر من التحركات السياسية. بالنسبة لدول الخليج هذه رسالة تقول بان إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة حتى في ساحات الشراكة مثلما حدث في قطر. ويتساءل قادة كثيرون اذا كانت إسرائيل، بعد إيران، ستكون هي العامل الذي سيحاول التأثير على ما يحدث في دولهم، واذا كان يتوقع انها ستعتبرهم تهديداً في الغد وتشن الهجوم عليهم. هذا مصدر قلق حقيقي في المنطقة”.
في نقاشات أمنية مغلقة تنقل الى المستوى السياسي رسالة تفيد بأن تصور دول الخليج بأن إسرائيل بدأت تنظر الى نجاحها العسكري بأنه “توجيه سياسي” سيؤدي الى تآكل الثقة الإقليمية وإضعاف التعاون الإقليمي. وحسب الرسالة ذاتها فان دول الخليج ستعقد تحالفات جديدة، لا سيما مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، الأمر الذي سيؤدي الى إضعاف موقف إسرائيل في المنطقة.
لقد ازدادت المخاوف في ظل المحادثات الاستراتيجية التي تجري بين الولايات المتحدة والسعودية، والاتفاقات الأمنية والاقتصادية الضخمة التي وقع عليها الرئيس الأميركي ترامب مع قطر والإمارات ودول اخرى. وقال مسؤول رفيع سابق: “لا تكتفي هذه الدول بتعزيز نفوذها وقوتها من خلال الاتفاقات مع ترامب، بل تستثمر اموالاً طائلة في الطب في العالم الغربي والأكاديميا والإعلام، وتستحوذ على شركات عملاقة وبنية تحتية حيوية، الامر الذي يخلق تبعية كبيرة لها من قبل تلك الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، في أي لحظة. إسرائيل الآن لديها فرصة للتأثير على مسار المنطقة، وان تكون عاملاً حاسماً في مستقبلها والتأثير على الاتفاقات التي توقع في هذه الأيام، لكن نحن لسنا هناك”.
عرض موقف المؤسسة الأمنية، مؤخرا، في النقاشات الأمنية، وهو ان الاستمرار في خلق خطاب يصور إسرائيل بانها تفضل الحلول العسكرية أحادية البعد على العمليات السياسية والمدنية والاقتصادية، هو موقف خاطئ. وحسب المؤسسة الأمنية فان استمرار سياسة التفاخر وإهانة دول المنطقة قد يؤدي الى تآكل اتفاقات السلام والإضرار بالتطبيع الذي رسخته اتفاقات ابراهيم، وضياع فرص التعاون مع دول اخرى، لا سيما السعودية، لاتخاذ خطوات يمكنها تعزيز أمن إسرائيل على المستوى الاستراتيجي.
عن “هآرتس”





