الخميس, فبراير 12, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءالأغوار الفلسطينية: تهجير تحت النار وعنف استيطاني يتحول إلى أمر واقع ...

الأغوار الفلسطينية: تهجير تحت النار وعنف استيطاني يتحول إلى أمر واقع .. بقلم: د. معتصم عادل محسن

 

تشهد مناطق الأغوار الفلسطينية في السنوات الأخيرة تصعيداً ملحوظًا في الضغوط التي تتعرض لها التجمعات البدوية، وسط عربدة متزايدة من قبل المستوطنين متمثلة بممارسة العنف والملاحقة بحق السكان، بالتوازي مع دور عسكري إسرائيلي يوفر غطاءً ميدانياً للعربدة الاستيطانية.

ولم تعد معاناة العائلات البدوية في الأغوار الفلسطينية مجرد قصة إنسانية عابرة، بل تحولت إلى عنوان صارخ لصراع سياسي مفتوح على الأرض والهوية والوجود، فوفق شهادات ميدانية وتقارير حقوقية فلسطينية ودولية، تتعرض هذه المجتمعات إلى حملة ضغط مركبة تجمع بين عنف المستوطنين والحضور العسكري الإسرائيلي الذي يتهمه السكان بعدم الحماية أو بالتغاضي، ما يدفع العائلات إلى الرحيل تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان.

في هذا السياق، لم تعد عمليات نزوح العائلات البدوية مجرد أحداث متفرقة، بل أصبحت تُقرأ سياسيًا ضمن صراع أوسع على الأرض والموارد والنفوذ الجغرافي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية.

وتُعد منطقة الأغوار ذات أهمية سياسية وأمنية عالية في الرؤية الإسرائيلية، نظراً لموقعها الجغرافي الممتد على الحدود الشرقية للضفة الغربية، إضافة إلى مساحاتها الزراعية ومصادرها المائية.

هذا البعد الاستراتيجي جعل المنطقة محوراً لسياسات طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو فرض قيود على البناء والتنقل والرعي بالنسبة للتجمعات الفلسطينية، وخاصة البدوية منها التي تعتمد على نمط حياة شبه متنقل.

وخلال السنوات الأخيرة، وثّقت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية تصاعداً في هجمات المستوطنين ضد تجمعات بدوية في الأغوار، تشمل الاعتداءات الجسدية، التهديد، تقييد الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، وملاحقة الرعاة ومواشيهم.

ويرى محللون أن هذا النمط من العنف لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع يهدف إلى خلق بيئة طاردة للسكان، بحيث تصبح مغادرتهم “خياراً قسرياً ” نتيجة انعدام الأمان والاستقرار الاقتصادي.

هذا ويُشكل دور الجيش الإسرائيلي عنصراً محورياً في الجدل السياسي حول تهجير البدو، فبينما تؤكد الرواية الإسرائيلية أن وجود الجيش يهدف إلى الحفاظ على الأمن العام، وهو ما تنفيه كاميرات الأسر والعائلات المستهدفة، فوجود الجيش الإسرائيلي ما هو الا حماية للمستوطنين من أي شخص يحاول الدفاع عن أرضه وممتلكاته، عدا عن إجراءات التفتيش والإخلاء التي تطال الفلسطينيين، هذا الواقع خلق شعوراً واسعاً لدى السكان البدو بأنهم يواجهون منظومة ضغط مركبة تجمع بين القوة العسكرية والعنف الأهلي.

من منظور سياسي، يرى كثير من الباحثين أن تهجير التجمعات البدوية في الأغوار لا يمكن فصله عن هدف أوسع يتمثل في إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للمنطقة.

فمع توسع البؤر الاستيطانية وتراجع وجود التجمعات البدوية، تتغير موازين السيطرة على الأرض والموارد، ما يعزز فرض “حقائق جديدة” على الأرض قد تؤثر في أي تسوية سياسية مستقبلية.

وتتجاوز آثار تهجير البدو الجانب الإنساني المباشر لتصل إلى عمق الصراع السياسي الفلسطيني الإسرائيلي، فإضعاف الوجود البدوي في الأغوار يعني تراجع التنوع الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني في المنطقة، كما يعمّق الانقسام حول قضايا السيادة والاستيطان ومستقبل الأراضي المحتلة، وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، يُخشى من استمرار سياسة “الضغط الصامت” التي تؤدي تدريجياً إلى نزوح مجتمعات كاملة دون قرارات تهجير رسمية معلنة.

الأغوار اليوم ليست مجرد مساحة جغرافية متنازع عليها، بل ساحة اختبار حقيقية لميزان القوة في الضفة الغربية، وبين عنف المستوطنين، والاتهامات الموجهة للجيش الإسرائيلي بالتغاضي أو الشراكة غير المباشرة، يجد البدو أنفسهم أمام معركة بقاء يومية، وما لم تتغير المعادلة السياسية، فإن مشهد الخيام المهجورة قد يصبح العنوان الأبرز لمستقبل منطقة تُعاد صياغتها ببطء… ولكن بثمن إنساني باهظ.

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب