لا يجنح الأمريكي للسلم، وإن فعل ففي اطار مناورة تكتيكية بانتظار أن يحقق بالتفاوض ما يرغب بتحقيقه النار. هذا ليس نوعاً من التشاؤم، لكنه توصيف للتصرفات الأمريكية التي خبِرها الفلسطينيون لسنوات طويلة. لهذا يبدو الحديث عن “مفاوضات” “الآن” مع إيران ضرباً من الضغط وليس رغبة في بلوغ “تفاهمات”.
تقول الأخبار إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “أكد” رغبته في التوصل لاتفاق مع طهران، لكنه في نفس الوقت لم يتخلَّ عن التهديد، فسفن عسكرية أمريكية أخرى تتجه إلى إيران حالياً. في ظل هذه التصريحات فإن توجيهات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لوزير خارجيته عباس عراقجي بالانخراط في محادثات “منصفة وعادلة” مع الولايات المتحدة، تبدو نوعاً من حفظ ماء الوجه، لأن التفاوض تحت التهديد يمنح أفضلية للطرف الذي يحشد قواته على الحدود.
إسقاط مسيَّرة إيرانية من قِبل مقاتله أمريكية تتبع حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لنكولن”، كان بمثابة رسالة نارية إلى طهران قبيل مفاوضات مقررة في اسطنبول. الرد الإيراني جاء عبر اعتراض الحرس الثوري سفينة تجارية ترفع العلم الأمريكي ويشغّلها طاقم أمريكي، أثناء عبورها بصورة قانونية بالممر البحري الدولي. عبر إسقاط المسيرة، أرادت واشنطن تأكيد جديتها في استعمال القوة، لكن الرسالة الإيرانية يُمكن أن تُقرأ بشكل مختلف: مصير الممرات البحرية الدولية التي تمر عبرها خطوط النفط والطاقة مرهون بعدم وقوع الحرب.
في هذا السياق التداعيات على الولايات المتحدة تحديداً تبدو مختلفة، فما قبل “سرقة” النفط الفنزويلي ليس كما بعده (وإن كانت الاستفادة الكاملة من نفط كاراكاس تحتاج سنوات)، لكن تقديرات الاقتصاد تقول إن واشنطن يمكنها ان تستمر في استخدام احتياطيها النفطي نحو 90 يوماً دون ان تتأثر بتوقف شحنات النفط عبر مضيق هرمز، وهذا ما يفسِّر الحديث الأمريكي عن ضربة “سرية وخاطفة ودقيقة” على إيران. في المقلب الآخر فإن خطوة إغلاق المضيق –إذا ما اتخذتها إيران– فإنها ستؤلِّب العالم بأسره ضدها، نظراً للتداعيات الكبيرة على أسعار الطاقة عالمياً، وعلى الدول التي تمتلك احتياطيات أقل واقتصادات أضعف، وتحديداً على الدول الآسيوية التي تستورد معظم نفطها عبر المضيق، فيما قد تعاني أوروبا “صدمة تضخمية” في أسواق الطاقة نظراً لارتباط سلاسل التوريد والأسعار عالمياً بشكل كبير.
رغم هذا فإن الخطورة لا تكمن في صيغة الضربة الأمريكية بل بفكرتها. النشوة الأمريكية التي تقود ترامب للظن إنه يستطيع البلطجة على من يشاء من الدول أمر خطير، أضف إلى أن تبني الإدارة الأمريكية للفكرة الإسرائيلية بخصوص القنبلة النووية الإيرانية تؤكد أن واشنطن لم تخرج يوماً عن مبدأ الدعم الأعمى لتل أبيب، مهما كان الباطل الذي تروج له أي حكومة للاحتلال. هذا أحد الأسباب التي يجب أن تجعل الفلسطينيين يشعرون بخطورة الموقف والعدوان إذا وقع، وبغض النظر عن أهدافه التي يراوغ ترامب بشأنها، فتارة يقول إن هدفه فرملة المشروع النووي الإيراني، وتارة أخرى يتوعد بتغيير النظام في إيران.
أحد الأسباب الأخرى التي تجعل فلسطين ودول المنطقة تخشى أن المشروع الأمريكي وفي جوهره “إسرائيل” يهدف إلى تفتيت دول الشرق الأوسط جميعها إلى كيانات صغيرة ضعيفة متناحرة فيما بينها، لتبقى “إسرائيل” شرطي المنطقة لسنوات طويلة قادمة. ليس المشروع جديداً، بل بدأ منذ أعلنت مستشارة الأمن القومي الأمريكية السابقة –سيئة الصيت– كوندوليزا رايس الأمر جهاراً إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. منذ ذلك التاريخ والمشروع يسير قدماً، وإن كانت هناك عثرات في طريقه، لكن المراوغة الأمريكية الإسرائيلية، واستهانة البعض بخطورة وخباثة العدو، عوامل أدت إلى أن نصل إلى ما نحن فيه.
وما نحن فيه واضح. دول تقاتل وحيدة منفردة بعيداً عن تشكيل جبهة في وجه الحريق الذي سيمر فوقها جميعاً، وسيحولها إلى رماد. سورية نموذج واضح. الأمر يسري أيضاً على دول أكبر وأكثر تأثيراً. المملكة العربية السعودية وتركيا مستهدفتان بنفس المستوى، وناقوس الخطر يجب أن يُقرع البارحة، وليس اليوم. ورغم أن التصريحات الرسمية ليست بهذا الوضوح في الرياض أو أنقرة، إلا أن موقف البلدين الكبيرين على مستوى المنطقة يبدو مدركاً إلى حد ما لمخاطر التصعيد.
السعودية أكدت دعم الحلّ السلمي والدبلوماسي، وأعلنت مصادرها أنها ترفض استخدام أراضيها أو أجوائها لشن عدوان على إيران، ورفضت المصادر تقارير إعلامية زعمت أن الرياض تضغط على واشنطن لشن حرب على طهران. تركيا بدورها، ورغم كونها عضواً في حلف الناتو، أعلنت قلقها العميق من التصعيد، وحذرت من عواقب أي ضربة أمريكية، عززت الأمن على حدودها مع إيران لتطويق التداعيات، وفي نفس الوقت تحركت أنقرة على مستوى الديبلوماسية لاستضافة جولات المفاوضات بين طهران وواشنطن.
روسيا والصين ستكونان من المتأثرين أيضاً بالبلطجة الأمريكية. تصريحاتهما المشتركة تتخذ طابعاً صريحاً في إدانة التهديدات الأمريكية لإيران، وهي نفس الإدانات الصريحة التي صدرت عنهما تعليقاً على البلطجة الأمريكية ضد فنزويلا. رغم ذلك تبدو موسكو وبكين أكثر ميلاً للحلول الديبلوماسية بين طهران وواشنطن نظراً لعدم رغبتهما بالدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة حالياً لأسباب تتعلق بارتباطات مع واشنطن في ملفات أخرى: أوكرانيا بالنسبة لروسيا، وامتناع مزمن عن المواجهة العسكرية بالنسبة للصين!
في الخلاصة، تبدو كل الاحتمالات مفتوحة في الوقت الحالي نظراً للجدية الأمريكية حالياً في التعامل مع ملف الدور الإيراني في المنطقة، إضافة إلى التغيرات الكبيرة التي وقعت في العام المنصرم في الجغرافيا السياسية وموازين القوى في المنطقة عموماً، من فلسطين وحرب الإبادة الجماعية على غزة، إلى سورية وتغيير النظام فيها، إلى لبنان والمرحلة الدقيقة التي يعيشها، ناهيك عن السودان واليمن وغيرها. بهذا المنطق يبدو رفض البلطجة الأمريكية على إيران نوعاً من الحكمة السياسية، ليس لأن النظام في طهران ملائكي، بل لأنه يقف اليوم في مواجهة العدوانية الأمريكية الإسرائيلية، وعليه فإن واجب تعزيز الأمن الذاتي وبناء تحالفات متينة في المنطقة عموماً يجب أن يُعتبرا من أولويات دول المنطقة جميعها، والعربية منها تحديداً، وفي صلب المواقف التي يجب أن تكون حاضرة في المواجهة هو دعم فلسطين، القضية التي يستهدفها كل ما يجري في عموم المنطقة، والتي ستتأثر بنتائج أي احتمال سيرجح في نهاية المطاف.





